بَاب إِثْمِ مَنْ كَذَبَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، قَالَ أَنَسٌ : إِنَّهُ لَيَمْنَعُنِي أَنْ أُحَدِّثَكُمْ حَدِيثًا كَثِيرًا ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيَّ كَذِبًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ ) هُوَ الْبَصْرِيُّ الْمُقْعَدُ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ هُوَ ابْنُ صُهَيْبٌ . وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ .
قَوْلُهُ : ( حَدِيثًا ) الْمُرَادُ بِهِ جِنْسُ الْحَدِيثِ ، وَلِهَذَا وَصَفَهُ بِالْكَثْرَةِ . قَوْلُهُ : ( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) هُوَ وَمَا بَعْدَهُ فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ ؛ لِأَنَّهُ فَاعِلُ يَمْنَعُنِي ، وَإِنَّمَا خَشِيَ أَنَسٌ مِمَّا خَشِيَ مِنْهُ الزُّبَيْرُ ، وَلِهَذَا صَرَّحَ بِلَفْظِ الْإِكْثَارِ ؛ لِأَنَّهُ مَظِنَّةٌ ، وَمَنْ حَامَ حَوْلَ الْحِمَى لَا يَأْمَنُ وُقُوعَهُ فِيهِ ، فَكَانَ التَّقْلِيلُ مِنْهُمْ لِلِاحْتِرَازِ ، وَمَعَ ذَلِكَ فَأَنَسٌ مِنَ الْمُكْثِرِينَ ؛ لِأَنَّهُ تَأَخَّرَتْ وَفَاتُهُ فَاحْتِيجَ إِلَيْهِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَلَمْ يُمْكِنْهُ الْكِتْمَانَ . وَيُجْمَعُ بِأَنَّهُ لَوْ حَدَّثَ بِجَمِيعِ مَا عِنْدَهُ لَكَانَ أَضْعَافَ مَا حَدَّثَ بِهِ .
وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَتَّابٍ - بِمُهْمَلَةٍ وَمُثَنَّاةٍ فَوْقَانِيَّةٍ - مَوْلَى هُرْمُزَ ، سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ : لَوْلَا أَنِّي أَخْشَى أَنْ أُخْطِئَ لَحَدَّثْتُكَ بِأَشْيَاءَ قَالَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ ، فَأَشَارَ إِلَى أَنَّهُ لَا يُحَدِّثُ إِلَّا مَا تَحَقَّقَهُ وَيَتْرُكُ مَا يَشُكُّ فِيهِ . وَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُحَافِظُ عَلَى الرِّوَايَةِ بِاللَّفْظِ ، فَأَشَارَ إِلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : لَوْلَا أَنْ أُخْطِئَ . وَفِيهِ نَظَرٌ ، وَالْمَعْرُوفُ عَنْ أَنَسٍ جَوَازُ الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى كَمَا أَخْرَجَهُ الْخَطِيبُ عَنْهُ صَرِيحًا ، وَقَدْ وُجِدَ فِي رِوَايَاتِهِ ذَلِكَ كَالْحَدِيثِ فِي الْبَسْمَلَةِ ، وَفِي قِصَّةِ تَكْثِيرِ الْمَاءِ عِنْدَ الْوُضُوءِ ، وَفِي قِصَّةِ تَكْثِيرِ الطَّعَامِ .
قَوْلُهُ : ( كَذِبًا ) هُوَ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ الشَّرْطِ فَيَعُمُّ جَمِيعَ أَنْوَاعِ الْكَذِبِ .