بَاب الْعِلْمِ وَالْعِظَةِ بِاللَّيْلِ
بَاب الْعِلْمِ وَالْعِظَةِ بِاللَّيْلِ 115 - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ هِنْدٍ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ، وَعَمْرٍو ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ هِنْدٍ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ، قَالَتْ : اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ لَيْلَةٍ ، فَقَالَ : سُبْحَانَ اللَّهِ مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنْ الْفِتَنِ ، وَمَاذَا فُتِحَ مِنْ الْخَزَائِنِ . أَيْقِظُوا صَوَاحِبَاتِ الْحُجَرِ ، فَرُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٍ فِي الْآخِرَةِ قَوْلُهُ : ( بَابُ الْعِلْمِ ) أَيْ : تَعْلِيمِ الْعِلْمِ بِاللَّيْلِ ، وَالْعِظَةُ تَقَدَّمَ أَنَّهَا الْوَعْظُ ، وَأَرَادَ الْمُصَنِّفُ التَّنْبِيهَ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْحَدِيثِ بَعْدَ الْعِشَاءِ مَخْصُوصٌ بِمَا لَا يَكُونُ فِي الْخَيْرِ . قَوْلُهُ : ( صَدَقَةُ ) هُوَ ابْنُ الْفَضْلِ الْمَرْوَزِيُّ .
قَوْلُهُ : ( عَنْ هِنْدٍ ) هِيَ بِنْتُ الْحَارِثِ الْفِرَاسِيَّةُ بِكَسْرِ الْفَاءِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بَدَلُهَا عَنِ امْرَأَةٍ . قَوْلُهُ : ( وَعَمْرٌو ) كَذَا فِي رِوَايَتِنَا بِالرَّفْعِ ، وَيَجُوزُ الْكَسْرُ ، وَالْمَعْنَى أَنَّ ابْنَ عُيَيْنَةَ حَدَّثَهُمْ عَنْ مَعْمَرٍ ثُمَّ قَالَ : وَعَمْرٌو هُوَ ابْنُ دِينَارٍ ، فَعَلَى رِوَايَةِ الْكَسْرِ يَكُونُ مَعْطُوفًا عَلَى مَعْمَرٍ ، وَعَلَى رِوَايَةِ الرَّفْعِ يَكُونُ اسْتِئْنَافًا كَأَنَّ ابْنَ عُيَيْنَةَ حَدَّثَ بِحَذْفِ صِيغَةِ الْأَدَاءِ وَقَدْ جَرَتْ عَادَتُهُ بِذَلِكَ . وَقَدْ رَوَى الْحُمَيْدِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي مُسْنَدِهِ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، فَصَرَّحَ بِالتَّحْدِيثِ عَنِ الثَّلَاثَةِ .
قَوْلُهُ : ( وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ) هُوَ الْأَنْصَارِيُّ ، وَأَخْطَأَ مَنْ قَالَ : إِنَّهُ هُوَ الْقَطَّانُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنَ الزُّهْرِيِّ وَلَا لَقِيَهُ . وَوَقَعَ فِي غَيْرِ رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ امْرَأَةٍ بَدَلَ قَوْلِهِ : عَنْ هِنْدٍ فِي الْإِسْنَادِ الثَّانِي . وَالْحَاصِلُ أَنَّ الزُّهْرِيَّ كَانَ رُبَّمَا أَبْهَمَهَا وَرُبَّمَا سَمَّاهَا .
وَقَدْ رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، وَلَمْ يَذْكُرْ هِنْدًا وَلَا أُمَّ سَلَمَةَ . قَوْلُهُ : ( سُبْحَانَ اللَّهِ مَاذَا ) مَا اسْتِفْهَامِيَّةٌ مُتَضَمِّنَةٌ لِمَعْنَى التَّعَجُّبِ وَالتَّعْظِيمِ ، وَعَبَّرَ عَنِ الرَّحْمَةِ بِالْخَزَائِنِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ وَعَنِ الْعَذَابِ بِالْفِتَنِ ؛ لِأَنَّهَا أَسْبَابُهُ ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مَا نَكِرَةً مَوْصُوفَةً . قَوْلُهُ : ( أُنْزِلَ ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ أَنْزَلَ اللَّهُ بِإِظْهَارِ الْفَاعِلِ ، وَالْمُرَادُ بِالْإِنْزَالِ إِعْلَامُ الْمَلَائِكَةِ بِالْأَمْرِ الْمَقْدُورِ ، أَوْ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُوحِيَ إِلَيْهِ فِي نَوْمِهِ ذَاكَ بِمَا سَيَقَعُ بَعْدَهُ مِنَ الْفِتَنِ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالْإِنْزَالِ .
قَوْلُهُ : ( وَمَاذَا فُتِحَ مِنَ الْخَزَائِنِ ) قَالَ الدَّاوُدِيُّ : الثَّانِي هُوَ الْأَوَّلُ ، وَالشَّيْءُ قَدْ يُعْطَفُ عَلَى نَفْسِهِ تَأْكِيدًا ; لِأَنَّ مَا يُفْتَحُ مِنَ الْخَزَائِنِ يَكُونُ سَبَبًا لِلْفِتْنَةِ ، وَكَأَنَّهُ فَهِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْخَزَائِنِ خَزَائِنُ فَارِسَ وَالرُّومِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا فُتِحَ عَلَى الصَّحَابَةِ ; لَكِنَّ الْمُغَايَرَةَ بَيْنَ الْخَزَائِنِ وَالْفِتَنِ أَوْضَحُ ؛ لِأَنَّهُمَا غَيْرُ مُتَلَازِمَيْنِ ، وَكَمْ مِنْ نَائِلٍ مِنْ تِلْكَ الْخَزَائِنِ سَالِمٌ مِنَ الْفِتَنِ . قَوْلُهُ : ( صَوَاحِبَاتُ الْحُجَرِ ) بِضَمِّ الْحَاءِ وَفَتْحِ الْجِيمِ جَمْعُ حُجْرَةٍ وَهِيَ مَنَازِلُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنَّمَا خَصَّهُنَّ بِالْإِيقَاظِ ؛ لِأَنَّهُنَّ الْحَاضِرَاتُ حِينَئِذٍ ، أَوْ مِنْ بَابِ ابْدَأْ بِنَفْسِكِ ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ . قَوْلُهُ : ( فَرُبَّ كَاسِيَةٍ ) اسْتَدَلَّ بِهِ ابْنُ مَالِكٍ عَلَى أَنَّ رُبَّ فِي الْغَالِبِ لِلتَّكْثِيرِ ; لِأَنَّ هَذَا الْوَصْفَ لِلنِّسَاءِ ، وَهُنَّ أَكْثَرُ أَهْلِ النَّارِ ، انْتَهَى .
وَهَذَا يَدُلُّ لِوُرُودِهَا فِي التَّكْثِيرِ لَا لِأَكْثَرِيَّتِهَا فِيهِ . قَوْلُهُ : ( عَارِيَةٌ ) بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ وَهِيَ مَجْرُورَةٌ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ عَلَى النَّعْتِ ، قَالَ السُّهَيْلِيُّ : إِنَّهُ الْأَحْسَنُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ ; لِأَنَّ رُبَّ عِنْدَهُ حَرْفُ جَرٍّ يَلْزَمُ صَدْرَ الْكَلَامِ ، قَالَ : وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى إِضْمَارِ مُبْتَدَأٍ وَالْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ النَّعْتِ ، أَيْ : هِيَ عَارِيَةٌ وَالْفِعْلُ الَّذِي تَتَعَلَّقُ بِهِ رُبَّ مَحْذُوفٌ ، انْتَهَى . وَأَشَارَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ إِلَى مُوجِبِ إِيقَاظِ أَزْوَاجِهِ ، أَيْ : يَنْبَغِي لَهُنَّ أَنْ لَا يَتَغَافَلْنَ عَنِ الْعِبَادَةِ وَيَعْتَمِدْنَ عَلَى كَوْنِهِنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ قَوْلِ : سُبْحَانَ اللَّهِ عِنْدَ التَّعَجُّبِ ، وَنَدْبِيَّةُ ذِكْرِ اللَّهِ بَعْدَ الِاسْتِيقَاظِ ، وَإِيقَاظُ الرَّجُلِ أَهْلَهُ بِاللَّيْلِ لِلْعِبَادَةِ لَا سِيَّمَا عِنْدَ آيَةٍ تَحْدُثُ . وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَفِي هَذَا الْإِسْنَادِ رِوَايَةُ الْأَقْرَانِ فِي مَوْضِعَيْنِ : أَحَدُهُمَا ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، وَالثَّانِي عَمْرٌو ، وَيَحْيَى ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، وَفِيهِ رِوَايَةُ ثَلَاثَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ فِي نَسَقٍ .
وَهِنْدٌ قَدْ قِيلَ : إِنَّهَا صَحَابِيَّةٌ فَإِنْ صَحَّ فَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ تَابِعِيٍّ عَنْ مِثْلِهِ عَنْ صَحَابِيَّةٍ عَنْ مِثْلِهَا ، وَأُمُّ سَلَمَةَ هِيَ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ ، وَكَانَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةُ لَيْلَتَهَا . وَفِي الْحَدِيثِ اسْتِحْبَابُ الْإِسْرَاعِ إِلَى الصَّلَاةِ عِنْدَ خَشْيَةِ الشَّرِّ كَمَا قَالَ تَعَالَى : وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ فَزِعَ إِلَى الصَّلَاةِ ، وَأَمَرَ مَنْ رَأَى فِي مَنَامِهِ مَا يَكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ ، وَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي مَوَاضِعِهِ . وَفِيهِ التَّسْبِيحُ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْأَشْيَاءِ الْمَهُولَةِ ، وَفِيهِ تَحْذِيرُ الْعَالِمِ مَنْ يَأْخُذُ عَنْهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يَتَوَقَّعُ حُصُولُهُ ، وَالْإِرْشَادُ إِلَى مَا يَدْفَعُ ذَلِكَ الْمَحْذُورَ .
وَاللَّهُ أَعْلَمُ .