بَاب السَّمَرِ فِي الْعِلْمِ
حَدَّثَنَا آدَمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَكَمُ ، قَالَ : سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : بِتُّ فِي بَيْتِ خَالَتِي مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَهَا فِي لَيْلَتِهَا ، فَصَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعِشَاءَ ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى مَنْزِلِهِ فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ ، ثُمَّ نَامَ ، ثُمَّ قَامَ ، ثُمَّ قَالَ : نَامَ الْغُلَيِّمُ - أَوْ : كَلِمَةً تُشْبِهُهَا - ثُمَّ قَامَ ، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ ، فَصَلَّى خَمْسَ رَكَعَاتٍ ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ نَامَ حَتَّى سَمِعْتُ غَطِيطَهُ - أَوْ : خَطِيطَهُ - ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا الْحَكَمُ ) بِفَتْحَتَيْنِ هُوَ ابْنُ عُتَيْبَةَ بِالْمُثَنَّاةِ تَصْغِيرُ عُتْبَةَ ، وَهُوَ تَابِعِيٌّ صَغِيرٌ ، وَكَانَ أَحَدَ الْفُقَهَاءِ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ جَاءَ ) أَيْ : مِنَ الْمَسْجِدِ .
قَوْلُهُ : ( نَامَ الْغُلَيِّمُ ) بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ ، وَهُوَ مِنْ تَصْغِيرِ الشَّفَقَةِ ، وَالْمُرَادُ بِهِ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ إِخْبَارًا مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِنَوْمِهِ ، أَوِ اسْتِفْهَامًا بِحَذْفِ الْهَمْزَةِ وَهُوَ الْوَاقِعُ . وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ : يَا أُمَّ الْغُلَيِّمِ بِالنِّدَاءِ ، وَهُوَ تَصْحِيفٌ ، لَمْ تَثْبُتْ بِهِ رِوَايَةٌ . قَوْلُهُ : ( أَوْ كَلِمَةٌ ) بِالشَّكِّ مِنَ الرَّاوِي ، وَالْمُرَادُ بِالْكَلِمَةِ الْجُمْلَةُ أَوِ الْمُفْرَدَةُ ، فَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى نَامَ الْغُلَامُ .
قَوْلُهُ : ( غَطِيطَهُ ) بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ ، وَهُوَ صَوْتُ نَفَسِ النَّائِمِ ، وَالنَّخِيرُ أَقْوَى مِنْهُ . قَوْلُهُ : ( أَوْ خَطِيطَهُ ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ ، وَالشَّكُّ فِيهِ مِنَ الرَّاوِي ، وَهُوَ بِمَعْنَى الْأَوَّلِ ، قَالَهُ الدَّاوُدِيُّ . وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : لَمْ أَجِدْهُ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ .
وَتَبِعَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ فَقَالَ : هُوَ هُنَا وَهْمٌ ، انْتَهَى . وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ الْأَثِيرِ عَنْ أَهْلِ الْغَرِيبِ أَنَّهُ دُونَ الْغَطِيطِ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ) أَيْ : رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ .
وَأَغْرَبَ الْكِرْمَانِيُّ فَقَالَ : إِنَّمَا فَصَلَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْخَمْسِ وَلَمْ يَقُلْ : سَبْعَ رَكَعَاتٍ ؛ لِأَنَّ الْخَمْسَ اقْتَدَى ابْنُ عَبَّاسٍ بِهِ فِيهَا بِخِلَافِ الرَّكْعَتَيْنِ ، أَوْ لِأَنَّ الْخَمْسَ بِسَلَامٍ وَالرَّكْعَتَيْنِ بِسَلَامٍ آخَرَ . انْتَهَى ، وَكَأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ مِنْ جُمْلَةِ صَلَاةِ اللَّيْلِ وَهُوَ مُحْتَمَلٌ ، لَكِنَّ حَمْلَهُمَا عَلَى سُنَّةِ الْفَجْرِ أَوْلَى لِيَحْصُلَ الْخَتْمُ بِالْوَتْرِ ، وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ فِي بَابِ الْوَتْرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَمُنَاسَبَةُ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ لِلتَّرْجَمَةِ ظَاهِرَةٌ ؛ لِقَوْلِهِ فِيهِ : قَامَ فَقَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ : صَلَّى الْعِشَاءَ .
وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ وَمَنْ تَبِعَهُ : يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ أَصْلَ السَّمَرِ يَثْبُتُ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ : نَامَ الْغُلَيِّمُ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ ارْتِقَابَ ابْنِ عَبَّاسٍ لِأَحْوَالِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ التَّعْلِيمِ مِنَ الْقَوْلِ وَالتَّعْلِيمِ مِنَ الْفِعْلِ ، فَقَدْ سَمَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَيْلَتَهُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ ، زَادَ الْكِرْمَانِيُّ أَوْ مَا يُفْهَمُ مِنْ جَعْلِهِ إِيَّاهُ عَلَى يَمِينِهِ كَأَنَّهُ قَالَ لَهُ : قِفْ عَنْ يَمِينِي . فَقَالَ : وَقَفْتُ ا هـ . وَكُلُّ مَا ذَكَرَهُ مُعْتَرَضٌ ; لِأَنَّ مَنْ يَتَكَلَّمُ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ لَا يُسَمَّى سَامِرًا ، وَصَنِيعُ ابْنِ عَبَّاسٍ يُسَمَّى سَهَرًا لَا سَمَرًا ؛ إِذِ السَّمَرُ لَا يَكُونُ إِلَّا عَنْ تَحَدُّثٍ ، قَالَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ .
وَأَبْعَدُهَا الْأَخِيرُ لِأَنَّ مَا يَقَعُ بَعْدَ الِانْتِبَاهِ مِنَ النَّوْمِ لَا يُسَمَّى سَمَرًا . وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ تَبَعًا لِغَيْرِهِ أَيْضًا : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الْبُخَارِيِّ أَنَّ الْأَقَارِبَ إِذَا اجْتَمَعُوا لَا بُدَّ أَنْ يَجْرِيَ بَيْنَهُمْ حَدِيثٌ لِلْمُؤَانَسَةِ ، وَحَدِيثُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُلُّهُ عِلْمٌ وَفَوَائِدُ . قُلْتُ : وَالْأَوْلَى مِنْ هَذَا كُلِّهِ أَنَّ مُنَاسَبَةَ التَّرْجَمَةِ مُسْتَفَادَةٌ مِنْ لَفْظٍ آخَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِعَيْنِهِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى ، وَهَذَا يَصْنَعُهُ الْمُصَنِّفُ كَثِيرًا ؛ يُرِيدُ بِهِ تَنْبِيهَ النَّاظِرِ فِي كِتَابِهِ عَلَى الِاعْتِنَاءِ بِتَتَبُّعِ طُرُقِ الْحَدِيثِ ، وَالنَّظَرِ فِي مَوَاقِعِ أَلْفَاظِ الرُّوَاةِ ; لِأَنَّ تَفْسِيرَ الْحَدِيثِ بِالْحَدِيثِ أَوْلَى مِنَ الْخَوْضِ فِيهِ بِالظَّنِّ .
وَإِنَّمَا أَرَادَ الْبُخَارِيُّ هُنَا مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ مِمَّا يَدُلُّ صَرِيحًا عَلَى حَقِيقَةِ السَّمَرِ بَعْدَ الْعِشَاءِ ، وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ فِي التَّفْسِيرِ وَغَيْرِهِ مِنْ طَرِيقِ كُرَيْبٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : بِتُّ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ فَتَحَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ أَهْلِهِ سَاعَةً ثُمَّ رَقَدَ . الْحَدِيثَ . فَصَحَّتِ التَّرْجَمَةُ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى تَعَسُّفٍ وَلَا رَجْمٍ بِالظَّنِّ .
فَإِنْ قِيلَ : هَذَا إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى السَّمَرِ مَعَ الْأَهْلِ لَا فِي الْعِلْمِ ، فَالْجَوَابُ أَنَّهُ يُلْحَقُ بِهِ ، وَالْجَامِعُ تَحْصِيلُ الْفَائِدَةِ ، أَوْ هُوَ بِدَلِيلِ الْفَحْوَى ; لِأَنَّهُ إِذَا شَرَعَ فِي الْمُبَاحِ فَفِي الْمُسْتَحَبِّ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْلَى . وَسَنَذْكُرُ بَاقِيَ مَبَاحِثِ هَذَا الْحَدِيثِ حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مُطَوَّلًا فِي كِتَابِ الْوِتْرِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَيَدْخُلُ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثُ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَطَبَهُمْ بَعْدَ الْعِشَاءِ ، وَقَدْ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ .
وَلِأَنَسٍ حَدِيثٌ آخَرُ فِي قِصَّةِ أُسَيْدِ ابْنِ حَضِيرٍ ، وَقَدْ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمَنَاقِبِ ، وَحَدِيثُ عُمَرَ : كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْمُرُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ فِي الْأَمْرِ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ ، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي الْمَقْصُودِ ، إِلَّا أَنَّ فِي إِسْنَادِهِ اخْتِلَافًا عَلَى عَلْقَمَةَ ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ عَلَى شَرْطِهِ . وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو : كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُحَدِّثُنَا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ حَتَّى يُصْبِحَ لَا يَقُومُ إِلَّا إِلَى عَظِيمِ صَلَاةٍ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي حَسَّانَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، وَلَيْسَ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ ، وَأَمَّا حَدِيثُ لَا سَمَرَ إِلَّا لِمُصَلٍّ أَوْ مُسَافِرٍ فَهُوَ عِنْدَ أَحْمَدَ بِسَنَدٍ فِيهِ رَاوٍ مَجْهُولٌ ، وَعَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ فَالسَّمَرُ فِي الْعِلْمِ يُلْحَقُ بِالسَّمَرِ فِي الصَّلَاةِ نَافِلَةً ، وَقَدْ سَمَرَ عُمَرُ مَعَ أَبِي مُوسَى فِي مُذَاكَرَةِ الْفِقْهِ فَقَالَ أَبُو مُوسَى : الصَّلَاةُ فَقَالَ عُمَرُ : إِنَّا فِي صَلَاةٍ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .