حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب مَنْ خَصَّ بِالْعِلْمِ قَوْمًا دُونَ قَوْمٍ كَرَاهِيَةَ أَنْ لَا يَفْهَمُوا

حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، قَتَادَةُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمُعاذٌ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ قَالَ : يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ ، قَالَ : لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ ، قَالَ : يَا مُعَاذُ ، قَالَ : لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ - ثَلَاثًا - قَالَ : مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ ، إِلَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ . قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَفَلَا أُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا ؟ قَالَ : إِذًا يَتَّكِلُوا . وَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا .

قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنِي أَبِي ) هُوَ هِشَامُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الدَّسْتُوَائِيُّ . قَوْلُهُ : ( رَدِيفُهُ ) أَيْ : رَاكِبٌ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ . وَالرَّحْلُ بِإِسْكَانِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ ، وَأَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ لِلْبَعِيرِ ، لَكِنْ مُعَاذٌ كَانَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ رَدِيفَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى حِمَارٍ كَمَا يَأْتِي فِي الْجِهَادِ .

قَوْلُهُ : ( قَالَ : يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ ) هُوَ خَبَرُ أَنَّ الْمُتَقَدِّمَةِ ، وَابْنُ جَبَلٍ بِفَتْحِ النُّونِ ، وَأَمَّا مُعَاذٌ فَبِالضَّمِّ لِأَنَّهُ مُنَادًى مُفْرَدٌ عَلَمٌ ، وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ مَالِكٍ لِعَدَمِ احْتِيَاجِهِ إِلَى تَقْدِيرٌ ، وَاخْتَارَ ابْنُ الْحَاجِبِ النَّصْبَ عَلَى أَنَّهُ مَعَ مَا بَعْدَهُ كَاسْمٍ وَاحِدٍ مُرَكَّبٍ كَأَنَّهُ أُضِيفَ ، وَالْمُنَادَى الْمُضَافُ مَنْصُوبٌ ، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ : يَجُوزُ النَّصْبُ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ مُعَاذٌ زَائِدٌ ، فَالتَّقْدِيرُ يَا ابْنَ جَبَلٍ ، وَهُوَ يَرْجِعُ إِلَى كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ بِتَأْوِيلٍ . قَوْلُهُ . ( قَالَ : لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ ) اللَّبُّ بِفَتْحِ اللَّامِ مَعْنَاهُ هُنَا الْإِجَابَةُ ، وَالسَّعْدُ الْمُسَاعَدَةُ ، كَأَنَّهُ قَالَ : لَبًّا لَكَ وَإِسْعَادًا لَكَ ; وَلَكِنَّهُمَا ثُنِّيَا عَلَى مَعْنَى التَّأْكِيدِ وَالتَّكْثِيرِ ، أَيْ : إِجَابَةً بَعْدَ إِجَابَةٍ وَإِسْعَادًا بَعْدَ إِسْعَادٍ .

وَقِيلَ فِي أَصْلِ لَبَّيْكَ وَاشْتِقَاقِهَا غَيْرُ ذَلِكَ ، وَسَنُوَضِّحُهُ فِي كِتَابِ الْحَجِّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَوْلُهُ : ( ثَلَاثًا ) أَيِ : النِّدَاءَ وَالْإِجَابَةَ قِيلَا ثَلَاثًا ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ ، وَيُؤَيِّدُهُ الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ فِي بَابِ مَنْ أَعَادَ الْحَدِيثَ ثَلَاثًا لِيُفْهَمَ عَنْهُ . قَوْلُهُ : ( صِدْقًا ) فِيهِ احْتِرَازٌ عَنْ شَهَادَةِ الْمُنَافِقِ .

وَقَوْلُهُ : مِنْ قَلْبِهِ يُمْكِنُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِصِدْقًا أَيْ : يَشْهَدُ بِلَفْظِهِ وَيُصَدِّقُ بِقَلْبِهِ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِيَشْهَدُ أَيْ : يَشْهَدُ بِقَلْبِهِ ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى . وَقَالَ الطِّيبِيُّ : قَوْلُهُ صِدْقًا أُقِيمَ هُنَا مَقَامَ الِاسْتِقَامَةِ لِأَنَّ الصِّدْقَ يُعَبَّرُ بِهِ قَوْلًا عَنْ مُطَابَقَةِ الْقَوْلِ الْمُخْبَرِ عَنْهُ ، وَيُعَبَّرُ بِهِ فِعْلًا عَنْ تَحَرِّي الْأَخْلَاقِ الْمَرْضِيَّةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أَيْ : حَقَّقَ مَا أَوْرَدَهُ قَوْلًا بِمَا تَحَرَّاهُ فِعْلًا ، انْتَهَى . وَأَرَادَ بِهَذَا التَّقْرِيرِ رَفْعَ الْإِشْكَالِ عَنْ ظَاهِرِ الْخَبَرِ ; لِأَنَّهُ يَقْتَضِي عَدَمَ دُخُولِ جَمِيعِ مَنْ شَهِدَ الشَّهَادَتَيْنِ النَّارَ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّعْمِيمِ وَالتَّأْكِيدِ ، لَكِنْ دَلَّتِ الْأَدِلَّةُ الْقَطْعِيَّةُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ طَائِفَةً مِنْ عُصَاةِ الْمُؤْمِنِينَ يُعَذَّبُونَ ثُمَّ يَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ بِالشَّفَاعَةِ ، فَعُلِمَ أَنَّ ظَاهِرَهُ غَيْرُ مُرَادٍ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : إِنَّ ذَلِكَ مُقَيَّدٌ بِمَنْ عَمِلَ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ .

قَالَ : وَلِأَجْلِ خَفَاءَ ذَلِكَ لَمْ يُؤْذَنْ لِمُعَاذٍ فِي التَّبْشِيرِ بِهِ . وَقَدْ أَجَابَ الْعُلَمَاءُ عَنِ الْإِشْكَالِ أَيْضًا بِأَجْوِبَةٍ أُخْرَى : مِنْهَا أَنَّ مُطْلَقَهُ مُقَيَّدٌ بِمَنْ قَالَهَا تَائِبًا ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ . وَمِنْهَا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ نُزُولِ الْفَرَائِضِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا الْحَدِيثِ وَقَعَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَصُحْبَتُهُ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ نُزُولِ أَكْثَرِ الْفَرَائِضِ ، وَكَذَا وَرَدَ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ ، وَكَانَ قُدُومُهُ فِي السَّنَةِ الَّتِي قَدِمَ فِيهَا أَبُو هُرَيْرَةَ .

وَمِنْهَا أَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ ، إِذِ الْغَالِبُ أَنَّ الْمُوَحِّدَ يَعْمَلُ الطَّاعَةَ وَيَجْتَنِبُ الْمَعْصِيَةَ . وَمِنْهَا أَنَّ الْمُرَادَ بِتَحْرِيمِهِ عَلَى النَّارِ تَحْرِيمُ خُلُودِهِ فِيهَا لَا أَصْلُ دُخُولِهَا . وَمِنْهَا أَنَّ الْمُرَادَ النَّارُ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ لَا الطَّبَقَةُ الَّتِي أُفْرِدَتْ لِعُصَاةِ الْمُوَحِّدِينَ .

وَمِنْهَا أَنَّ الْمُرَادَ بِتَحْرِيمِهِ عَلَى النَّارِ حُرْمَةُ جُمْلَتِهِ لِأَنَّ النَّارَ لَا تَأْكُلُ مَوَاضِعَ السُّجُودِ مِنَ الْمُسْلِمِ كَمَا ثَبَتَ فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ أَنَّ ذَلِكَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهَا ، وَكَذَا لِسَانُهُ النَّاطِقُ بِالتَّوْحِيدِ . وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى . قَوْلُهُ : ( فَيَسْتَبْشِرُونَ ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ أَيْ فَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ، وَلِلْبَاقِينَ بِحَذْفِ النُّونِ ، وَهُوَ أَوْجَهُ لِوُقُوعِ الْفَاءِ بَعْدَ النَّفْيِ أَوِ الِاسْتِفْهَامِ أَوِ الْعَرْضِ وَهِيَ تَنْصِبُ فِي كُلِّ ذَلِكَ .

قَوْلُهُ : ( إِذًا يَتَّكِلُوا ) بِتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاةِ الْمَفْتُوحَةِ وَكَسْرِ الْكَافِ ، وَهُوَ جَوَابٌ وَجَزَاءٌ أَيْ : إِنْ أَخْبَرْتَهُمْ يَتَّكِلُوا . وَلِلْأَصِيلِيِّ ، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ يَنْكُلُوا - بِإِسْكَانِ النُّونِ وَضَمِّ الْكَافِ - أَنْ يَمْتَنِعُوا مِنَ الْعَمَلِ اعْتِمَادًا عَلَى مَا يَتَبَادَرُ مِنْ ظَاهِرِهِ ، وَرَوَى الْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَذِنَ لِمُعَاذٍ فِي التَّبْشِيرِ ، فَلَقِيَهُ عُمَرُ فَقَالَ : لَا تَعْجَلْ . ثُمَّ دَخَلَ فَقَالَ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَنْتَ أَفْضَلُ رَأْيًا ، إِنَّ النَّاسَ إِذَا سَمِعُوا ذَلِكَ اتَّكَلُوا عَلَيْهَا ، قَالَ فَرَدَّهُ .

وَهَذَا مَعْدُودٌ مِنْ مُوَافَقَاتِ عُمَرَ ، وَفِيهِ جَوَازُ الِاجْتِهَادِ بِحَضْرَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَاسْتَدَلَّ بَعْضُ مُتَكَلِّمِي الْأَشَاعِرَةِ مِنْ قَوْلِهِ : يَتَّكِلُوا عَلَى أَنَّ لِلْعَبْدِ اخْتِيَارًا كَمَا سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ . قَوْلُهُ : ( عِنْدَ مَوْتِهِ ) أَيْ : مَوْتِ مُعَاذٍ .

وَأَغْرَبَ الْكِرْمَانِيُّ فَقَالَ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَرْجِعَ الضَّمِيرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . قُلْتُ : وَيَرُدُّهُ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ : أَخْبَرَنِي مَنْ شَهِدَ مُعَاذًا حِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ يَقُولُ : سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَدِيثًا لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أُحَدِّثَكُمُوهُ إِلَّا مَخَافَةَ أَنْ تَتَّكِلُوا . فَذَكَرَهُ .

قَوْلُهُ : ( تَأَثُّمًا ) هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُثَلَّثَةِ الْمَضْمُومَةِ ، أَيْ : خَشْيَةَ الْوُقُوعِ فِي الْإِثْمِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ فِي حَدِيثِ بَدْءِ الْوَحْيِ فِي قَوْلِهِ : يَتَحَنَّثُ . وَالْمُرَادُ بِالْإِثْمِ الْحَاصِلُ مِنْ كِتْمَانِ الْعِلْمِ ، وَدَلَّ صَنِيعُ مُعَاذٍ عَلَى أَنَّهُ عَرَفَ أَنَّ النَّهْيَ عَنِ التَّبْشِيرِ كَانَ عَلَى التَّنْزِيهِ لَا عَلَى التَّحْرِيمِ ، وَإِلَّا لَمَا كَانَ يُخْبِرُ بِهِ أَصْلًا . أَوْ عَرَفَ أَنَّ النَّهْيَ مُقَيَّدٌ بِالِاتِّكَالِ فَأَخْبَرَهُ بِهِ مَنْ لَا يَخْشَى عَلَيْهِ ذَلِكَ ، وَإِذَا زَالَ الْقَيْدُ زَالَ الْمُقَيَّدُ ، وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ لِكَوْنِهِ أَخَّرَ ذَلِكَ إِلَى وَقْتِ مَوْتِهِ .

وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : لَعَلَّ مُعَاذًا لَمْ يَفْهَمِ النَّهْيَ ، لَكِنْ كُسِرَ عَزْمُهُ عَمَّا عَرَضَ لَهُ مِنْ تَبْشِيرِهِمْ . قُلْتُ : وَالرِّوَايَةُ الْآتِيَةُ صَرِيحَةٌ فِي النَّهْيِ ، فَالْأَوْلَى مَا تَقَدَّمَ . وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ الْإِرْدَافِ ، وَبَيَانُ تَوَاضُعِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَمَنْزِلَةُ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ مِنَ الْعِلْمِ لِأَنَّهُ خَصَّهُ بِمَا ذَكَرَ .

وَفِيهِ جَوَازُ اسْتِفْسَارِ الطَّالِبِ عَمَّا يَتَرَدَّدُ فِيهِ ، وَاسْتِئْذَانِهِ فِي إِشَاعَةِ مَا يَعْلَمُ بِهِ وَحْدَهُ .

ورد في أحاديث1 حديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث