حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب مَا جَاءَ فِي الْوُضُوءِ

) كِتَاب الْوُضُوء 1 - بَاب مَا جَاءَ فِي الْوُضُوءِ ، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ : وَبَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ فَرْضَ الْوُضُوءِ مَرَّةً مَرَّةً . وَتَوَضَّأَ أَيْضًا مَرَّتَيْنِ ، وَثَلَاثًا ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ثَلَاثٍ . وَكَرِهَ أَهْلُ الْعِلْمِ الْإِسْرَافَ فِيهِ وَأَنْ يُجَاوِزُوا فِعْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

قَوْلُهُ : ( ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . كِتَابُ الْوُضُوءِ . بَابُ مَا جَاءَ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ الْآيَةَ ) ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ : مَا جَاءَ فِي قَوْلِ اللَّهِ دُونَ مَا قَبْلَهُ ، وَلِكَرِيمَةَ بَابٌ فِي الْوُضُوءِ وَقَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ .

إِلَخْ . وَالْمُرَادُ بِالْوُضُوءِ ذِكْرُ أَحْكَامِهِ وَشَرَائِطِهِ وَصِفَتِهِ وَمُقَدِّمَاتِهِ . وَالْوُضُوءُ بِالضَّمِّ هُوَ الْفِعْلُ ، وَبِالْفَتْحِ الْمَاءُ الَّذِي يُتَوَضَّأُ بِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ فِيهِمَا ، وَحُكِيَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا الْأَمْرَانِ .

وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْوَضَاءَةِ ، وَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ يَتَنَظَّفُ بِهِ فَيَصِيرُ وَضِيئًا : وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ : مَا جَاءَ إِلَى اخْتِلَافِ السَّلَفِ فِي مَعْنَى الْآيَةِ فَقَالَ الْأَكْثَرُونَ : التَّقْدِيرُ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ مُحْدِثِينَ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلِ الْأَمْرُ عَلَى عُمُومِهِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرِ حَذْفٍ ، إِلَّا أَنَّهُ فِي حَقِّ الْمُحْدِثِ عَلَى الْإِيجَابِ ، وَفِي حَقِّ غَيْرِهِ عَلَى النَّدْبِ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : كَانَ عَلَى الْإِيجَابِ ثُمَّ نُسِخَ فَصَارَ مَنْدُوبًا .

وَيَدُلُّ لِهَذَا مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ حَدَّثَتْ أَبَاهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُمِرَ بِالْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ طَاهِرًا كَانَ أَوْ غَيْرَ طَاهِرٍ ، فَلَمَّا شَقَّ عَلَيْهِ وُضِعَ عَنْهُ الْوُضُوءُ إِلَّا مِنْ حَدَثٍ . وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ : كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ صَلَّى الصَّلَوَاتِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : إِنَّكَ فَعَلْتَ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَفْعَلُهُ . فَقَالَ : عَمْدًا فَعَلْتُهُ أَيْ : لِبَيَانِ الْجَوَازِ .

وَسَيَأْتِي حَدِيثُ أَنَسٍ فِي ذَلِكَ فِي بَابِ الْوُضُوءِ مِنْ غَيْرِ حَدَثٍ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ أَيْضًا فِي مُوجِبِ الْوُضُوءِ فَقِيلَ : يَجِبُ بِالْحَدَثِ وُجُوبًا مُوَسَّعًا ، وَقِيلَ بِهِ وَبِالْقِيَامِ إِلَى الصَّلَاةِ مَعًا وَرَجَّحَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ ، وَقِيلَ بِالْقِيَامِ إِلَى الصَّلَاةِ حَسْبُ ، وَيَدُلُّ لَهُ مَا رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنَّمَا أُمِرْتُ بِالْوُضُوءِ إِذَا قُمْتُ إِلَى الصَّلَاةِ وَاسْتَنْبَطَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ إِيجَابَ النِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ ; لِأَنَّ التَّقْدِيرَ : إِذَا أَرَدْتُمُ الْقِيَامَ إِلَى الصَّلَاةِ فَتَوَضَّؤُوا لِأَجْلِهَا ، إِذَا رَأَيْتُ الْأَمِيرَ فَقُمْ ، أَيْ لِأَجْلِهِ . وَتَمَسَّكَ بِهَذِهِ الْآيَةِ مَنْ قَالَ : إِنَّ الْوُضُوءَ أَوَّلَ مَا فُرِضَ بِالْمَدِينَةِ ، فَأَمَّا مَا قَبْلَ ذَلِكَ فَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ اتِّفَاقَ أَهْلِ السِّيَرِ عَلَى أَنَّ غُسْلَ الْجَنَابَةِ إِنَّمَا فُرِضَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ بِمَكَّةَ كَمَا فُرِضَتِ الصَّلَاةُ ، وَأَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ قَطُّ إِلَّا بِوُضُوءٍ .

قَالَ : وَهَذَا مِمَّا لَا يَجْهَلُهُ عَالِمٌ . وَقَالَ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ : وَأَهْلُ السُّنَّةِ بِهِمْ حَاجَةٌ إِلَى دَلِيلِ الرَّدِّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْوُضُوءَ لَمْ يَكُنْ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ الْمَائِدَةِ . ثُمَّ سَاقَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ : دَخَلَتْ فَاطِمَةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهِيَ تَبْكِي ، فَقَالَتْ : هَؤُلَاءِ الْمَلَأُ مِنْ قُرَيْشٍ قَدْ تَعَاهَدُوا لِيَقْتُلُوكَ .

فَقَالَ : ائْتُونِي بِوَضُوءٍ . فَتَوَضَّأَ . الْحَدِيثَ .

قُلْتُ : وَهَذَا يَصْلُحُ رَدًّا عَلَى مَنْ أَنْكَرَ وُجُودَ الْوُضُوءِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ ، لَا عَلَى مَنْ أَنْكَرَ وُجُوبَهُ حِينَئِذٍ . وَقَدْ جَزَمَ ابْنُ الْجَهْمِ بِأَنَّهُ كَانَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ مَنْدُوبًا وَجَزَمَ ابْنُ حَزْمٍ بِأَنَّهُ لَمْ يُشْرَعْ إِلَّا بِالْمَدِينَةِ ، وَرُدَّ عَلَيْهِمَا بِمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ لَهِيعَةَ فِي الْمَغَازِي الَّتِي يَرْوِيهَا عَنْ أَبِي الْأَسْوَدَ يَتِيمِ عُرْوَةَ عَنْهُ أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَّمَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْوُضُوءَ عِنْدَ نُزُولِهِ عَلَيْهِ بِالْوَحْيِ ، وَهُوَ مُرْسَلٌ ، وَوَصَلَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ أَيْضًا لَكِنْ قَالَ : عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِيهِ . وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ رِشْدِينَ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ عَقِيلٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ نَحْوَهُ ، لَكِنْ لَمْ يَذْكُرْ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ فِي السَّنَدِ .

وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ ، عَنْ عَقِيلٍ مَوْصُولًا ، وَلَوْ ثَبَتَ لَكَانَ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ ، لَكِنَّ الْمَعْرُوفَ رِوَايَةُ ابْنِ لَهِيعَةَ . قَوْلُهُ : ( وَبَيَّنَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ فَرْضَ الْوُضُوءِ مَرَّةٌ مَرَّةٌ ) كَذَا فِي رِوَايَتِنَا بِالرَّفْعِ عَلَى الْخَبَرِيَّةِ ، وَيَجُوزُ النَّصْبُ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ ، أَيْ : فَرْضُ الْوُضُوءِ غَسْلُ الْأَعْضَاءِ غَسْلًا مَرَّةً مَرَّةً ، أَوْ عَلَى الْحَالِ السَّادَّةِ مَسَدَّ الْخَبَرِ ، أَيْ يُفْعَلُ مَرَّةً ، أَوْ عَلَى لُغَةِ مَنْ يَنْصِبُ الْجُزْأَيْنِ بِأَنَّ . وَأَعَادَ لَفْظَ مَرَّةٍ لِإِرَادَةِ التَّفْصِيلِ أَيِ : الْوَجْهُ مَرَّةً وَالْيَدُ مَرَّةً .

إِلَخْ . وَالْبَيَانُ الْمَذْكُورُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُشِيرَ بِهِ إِلَى مَا رَوَاهُ بَعْدُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً ، وَهُوَ بَيَانٌ بِالْفِعْلِ لِمُجْمَلِ الْآيَةِ ، إِذِ الْأَمْرُ يُفِيدُ طَلَبَ إِيجَادِ الْحَقِيقَةِ وَلَا يَتَعَيَّنُ بِعَدَدٍ ، فَبَيَّنَ الشَّارِعُ أَنَّ الْمَرَّةَ الْوَاحِدَةَ لِلْإِيجَابِ وَمَا زَادَ عَلَيْهَا لِلِاسْتِحْبَابِ ، وَسَتَأْتِي الْأَحَادِيثُ عَلَى ذَلِكَ فِيمَا بَعْدُ . وَأَمَّا حَدِيثُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً وَقَالَ : هَذَا وُضُوءٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلَاةَ إِلَّا بِهِ ، فَفِيهِ بَيَانُ الْفِعْلِ وَالْقَوْلِ مَعًا ; لَكِنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَلَهُ طُرُقٌ أُخْرَى كُلُّهَا ضَعِيفَةٌ .

قَوْلُهُ : ( وَتَوَضَّأَ أَيْضًا مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ ) كَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ ، وَلِغَيْرِهِ مَرَّتَيْنِ بِغَيْرِ تَكْرَارٍ ، وَسَيَأْتِي هَذَا التَّعْلِيقُ مَوْصُولًا فِي بَابٍ مُفْرَدٍ مَعَ الْكَلَامِ عَلَيْهِ . قَوْلُهُ : ( وَثَلَاثًا ) أَيْ : وَتَوَضَّأَ أَيْضًا ثَلَاثًا ، زَادَ الْأَصِيلِيُّ ثَلَاثًا عَلَى نَسَقِ مَا قَبْلَهُ ، وَسَيَأْتِي مَوْصُولًا أَيْضًا فِي بَابٍ مُفْرَدٍ . قَوْلُهُ : ( وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ثَلَاثٍ ) أَيْ : لَمْ يَأْتِ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ فِي صِفَةِ وُضُوئِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ زَادَ عَلَى ثَلَاثٍ ، بَلْ وَرَدَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَمُّ مَنْ زَادَ عَلَيْهَا ، وَذَلِكَ فِيمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ : مَنْ زَادَ عَلَى هَذَا أَوْ نَقَصَ فَقَدْ أَسَاءَ وَظَلَمَ .

إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ ، لَكِنْ عَدَّهُ مُسْلِمٌ فِي جُمْلَةِ مَا أُنْكِرَ عَلَى عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ ذَمُّ النَّقْصِ مِنَ الثَّلَاثِ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ أَمْرٌ سَيِّئٌ وَالْإِسَاءَةُ تَتَعَلَّقُ بِالنَّقْصِ ، وَالظُّلْمُ بِالزِّيَادَةِ . وَقِيلَ : فِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ : مَنْ نَقَصَ مِنْ وَاحِدَةٍ . وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ مِنْ طَرِيقِ الْمُطَّلِبِ بْنِ حَنْطَبٍ مَرْفُوعًا الْوُضُوءُ مَرَّةً وَمَرَّتَيْنِ وَثَلَاثًا ، فَإِنْ نَقَصَ مِنْ وَاحِدَةٍ أَوْ زَادَ عَلَى ثَلَاثٍ فَقَدْ أَخْطَأَ وَهُوَ مُرْسَلٌ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ .

وَأُجِيبَ عَنِ الْحَدِيثِ أَيْضًا بِأَنَّ الرُّوَاةَ لَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى ذِكْرِ النَّقْصِ فِيهِ ، بَلْ أَكْثَرُهُمْ مُقْتَصِرٌ عَلَى قَوْلِهِ : فَمَنْ زَادَ فَقَطْ ، كَذَا رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ وَغَيْرِهِ . وَمِنَ الْغَرَائِبِ مَا حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيُّ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ النَّقْصُ مِنَ الثَّلَاثِ ، وَكَأَنَّهُ تَمَسَّكَ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ ، وَهُوَ مَحْجُوجٌ بِالْإِجْمَاعِ . وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ : لَا أُحِبُّ الْوَاحِدَةَ إِلَّا مِنَ الْعَالِمِ ، فَلَيْسَ فِيهِ إِيجَابُ زِيَادَةٍ عَلَيْهَا .

وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( وَكَرِهَ أَهْلُ الْعِلْمِ الْإِسْرَافَ فِيهِ ) يُشِيرُ بِذَلِكَ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ أَحَدِ التَّابِعِينَ قَالَ : كَانَ يُقَالُ : مِنَ الْوُضُوءِ إِسْرَافٌ وَلَوْ كُنْتَ عَلَى شَاطِئِ نَهَرٍ . وَأُخْرِجَ نَحْوُهُ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَرُوِيَ فِي مَعْنَاهُ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ لَيِّنٍ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ .

قَوْلُهُ : ( وَأَنْ يُجَاوِزُوا . إِلَخْ ) يُشِيرُ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَيْضًا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : لَيْسَ بَعْدَ الثَّلَاثِ شَيْءٌ . وَقَالَ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ وَغَيْرُهُمَا : لَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى الثَّلَاثِ .

وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ : لَا آمَنَ أَنْ يَأْثَمَ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا أُحِبُّ أَنْ يَزِيدَ الْمُتَوَضِّئُ عَلَى ثَلَاثٍ ، فَإِنْ زَادَ لَمْ أَكْرَهْهُ . أَيْ : لَمْ أُحَرِّمْهُ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ لَا أُحِبُّ يَقْتَضِي الْكَرَاهَةَ .

وَهَذَا الْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ . وَحَكَى الدَّارِمِيُّ مِنْهُمْ عَنْ قَوْمٍ أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى الثَّلَاثِ تُبْطِلُ الْوُضُوءَ كَالزِّيَادَةِ فِي الصَّلَاةِ ، وَهُوَ قِيَاسٌ فَاسِدٌ ، وَيَلْزَمُ مِنَ الْقَوْلِ بِتَحْرِيمِ الزِّيَادَةِ عَلَى الثَّلَاثِ أَوْ كَرَاهَتِهَا أَنَّهُ لَا يُنْدَبُ تَجْدِيدُ الْوُضُوءِ عَلَى الْإِطْلَاقِ . وَاخْتُلِفَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي الْقَيْدِ الَّذِي يَمْتَنِعُ مِنْهُ حُكْمُ الزِّيَادَةِ عَلَى الثَّلَاثِ ، فَالْأَصَحُّ إِنْ صَلَّى بِهِ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا ، وَقِيلَ الْفَرْضُ فَقَطْ ، وَقِيلَ مِثْلُهُ حَتَّى سَجْدَةُ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرُ وَمَسُّ الْمُصْحَفِ ، وَقِيلَ مَا يُقْصَدُ لَهُ الْوُضُوءُ وَهُوَ أَعَمُّ ، وَقِيلَ إِذَا وَقَعَ الْفَصْلُ بِزَمَنٍ يُحْتَمَلُ فِي مِثْلِهِ نَقْضُ الْوُضُوءِ عَادَةً .

وَعِنْدَ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى الِاعْتِقَادِ ؛ فَإِنِ اعْتَقَدَ أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى الثَّلَاثِ سُنَّةٌ أَخْطَأَ وَدَخَلَ فِي الْوَعِيدِ ، وَإِلَّا فَلَا يُشْتَرَطُ لِلتَّحْدِيدِ شَيْءٌ ، بَلْ لَوْ زَادَ الرَّابِعَةَ وَغَيْرَهَا لَا لَوْمَ ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا قَصَدَ بِهِ الْقُرْبَةَ لِلْحَدِيثِ الْوَارِدِ : الْوُضُوءُ عَلَى الْوُضُوءِ نُورٌ . قُلْتُ : وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ ، وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ أَشَارَ إِلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ . وَسَيَأْتِي بَسْطُ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ تَفْسِيرِ الْمَائِدَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .

وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ عَلِمَ أَنَّهُ بَقِيَ مِنَ الْعُضْوِ شَيْءٌ لَمْ يُصِبْهُ الْمَاءُ فِي الْمَرَّاتِ أَوْ بَعْضِهَا فَإِنَّهُ يَغْسِلُ مَوْضِعَهُ فَقَطْ ، وَأَمَّا مَعَ الشَّكِّ الطَّارِئِ بَعْدَ الْفَرَاغِ فَلَا ، لِئَلَّا يَؤُولَ بِهِ الْحَالُ إِلَى الْوَسْوَاسِ الْمَذْمُومِ .

ورد في أحاديث14 حديثًا
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث