حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب الِاسْتِنْجَاءِ بِالْحِجَارَةِ

بَاب الِاسْتِنْجَاءِ بِالْحِجَارَةِ 155 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَكِّيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ عَمْرٍو الْمَكِّيُّ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : اتَّبَعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخَرَجَ لِحَاجَتِهِ ، فَكَانَ لَا يَلْتَفِتُ ، فَدَنَوْتُ مِنْهُ ، فَقَالَ : ابْغِنِي أَحْجَارًا أَسْتَنْفِضْ بِهَا - أَوْ نَحْوَهُ - وَلَا تَأْتِنِي بِعَظْمٍ وَلَا رَوْثٍ ، فَأَتَيْتُهُ بِأَحْجَارٍ بِطَرَفِ ثِيَابِي ، فَوَضَعْتُهَا إِلَى جَنْبِهِ وَأَعْرَضْتُ عَنْهُ ، فَلَمَّا قَضَى أَتْبَعَهُ بِهِنَّ . قَوْلُهُ : ( بَابُ الِاسْتِنْجَاءِ : بِالْحِجَارَةِ ) أَرَادَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ الرَّدَّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ مُخْتَصٌّ بِالْمَاءِ . وَالدَّلَالَةُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ أَسْتَنْفِضُ فَإِنَّ مَعْنَاهُ أَسْتَنْجِي كَمَا سَيَأْتِي .

قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَكِّيُّ ) هُوَ أَبُو الْوَلِيدِ الْأَزْرَقِيُّ جَدُّ أَبِي الْوَلِيدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ صَاحِبِ تَارِيخِ مَكَّةَ ، وَفِي طَبَقَتِهِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَكِّيُّ أَيْضًا لَكِنَّ كُنْيَتَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَاسْمَ جَدِّهِ عَوْنٌ وَيُعْرَفُ بِالْقَوَّاسِ ، وَقَدْ وَهِمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْبُخَارِيَّ رَوَى عَنْهُ ، وَإِنَّمَا رَوَى عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ ، وَوَهِمَ أَيْضًا مَنْ جَعَلَهُمَا وَاحِدًا . قَوْلُهُ : ( عَنْ جَدِّهِ ) يَعْنِي سَعِيدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِي بْنِ أُمَيَّةَ الْقُرَشِيَّ الْأُمَوِيَّ ، وَعَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ هُوَ الْمَعْرُوفُ بِالْأَشْدَقِ الَّذِي وَلِيَ إِمْرَةَ الْمَدِينَةِ ، وَكَانَ يُجَهِّزُ الْبُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ ، وَكَانَ عَمْرٌو هَذَا قَدْ تَغَلَّبَ عَلَى دِمَشْقَ فِي زَمَنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ ، فَقَتَلَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ وَسَيَّرَ أَوْلَادَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ ، وَسَكَنَ وَلَدُهُ مَكَّةَ لَمَّا ظَهَرَتْ دَوْلَةُ بَنِي الْعَبَّاسِ فَاسْتَمَرُّوا بِهَا ، فَفِي الْإِسْنَادِ مَكِّيَّانِ وَمَدَنِيَّانِ . قَوْلُهُ : ( اتَّبَعْتُ ) بِتَشْدِيدِ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ ، أَيْ : سِرْتُ وَرَاءَهُ ، وَالْوَاوُ فِي قَوْلِهِ وَخَرَجَ حَالِيَّةٌ وَفِي قَوْلِهِ وَكَانَ اسْتِئْنَافِيَّةٌ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ فَكَانَ بِالْفَاءِ .

قَوْلُهُ : ( فَدَنَوْتُ مِنْهُ ) زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ أَسْتَأْنِسُ وَأَتَنَحْنَحُ ، فَقَالَ : مَنْ هَذَا ؟ فَقُلْتُ : أَبُو هُرَيْرَةَ . قَوْلُهُ : ( ابْغِنِي ) بِالْوَصْلِ مِنَ الثُّلَاثِيِّ أَيْ : اطْلُبْ لِي ، يُقَالُ : بَغَيْتُكَ الشَّيْءَ أَيْ : طَلَبْتُهُ لَكَ . وَفِي رِوَايَةٍ بِالْقَطْعِ أَيْ : أَعِنِّي عَلَى الطَّلَبِ ، يُقَالُ أَبْغَيْتُكَ الشَّيْءَ أَيْ أَعَنْتُكَ عَلَى طَلَبِهِ ، وَالْوَصْلُ أَلْيَقُ بِالسِّيَاقِ ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ ائْتِنِي .

قَوْلُهُ : ( أَسْتَنْفِضُ ) بِفَاءٍ مَكْسُورَةٍ وَضَادٍ مُعْجَمَةٍ ، مَجْزُومٌ لِأَنَّهُ جَوَابُ الْأَمْرِ ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ ، قَالَ الْقَزَّازُ : قَوْلُهُ أَسْتَنْفِضُ أَسَتَفْعِلُ مِنَ النَّفْضِ وَهُوَ أَنْ تَهُزَّ الشَّيْءَ لِيَطِيرَ غُبَارُهُ ، قَالَ : وَهَذَا مَوْضِعُ أَسْتَنْظِفُ ، أَيْ : بِتَقْدِيمِ الظَّاءِ الْمُشَالَةِ عَلَى الْفَاءِ ، وَلَكِنْ كَذَا رُوِيَ ، انْتَهَى . وَالَّذِي وَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ صَوَابٌ فَفِي الْقَامُوسِ اسْتَنْفَضَهُ اسْتَخْرَجَهُ ، وَبِالْحَجَرِ اسْتَنْجَى ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ كَلَامِ الْمُطَرِّزِيِّ قَالَ : الِاسْتِنْفَاضُ الِاسْتِخْرَاجُ ، وَيُكَنَّى بِهِ عَنِ الِاسْتِنْجَاءِ ، وَمَنْ رَوَاهُ بِالْقَافِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ فَقَدْ صَحَّفَ ، انْتَهَى . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ أَسْتَنْجِي بَدَلَ أَسْتَنْفِضُ وَكَأَنَّهَا الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ فِي رِوَايَتِنَا أَوْ نَحْوِهِ ، وَيَكُونُ التَّرَدُّدُ مِنْ بَعْضِ رُوَاتِهِ .

قَوْلُهُ : ( وَلَا تَأْتِنِي ) كَأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَشِيَ أَنْ يَفْهَمَ أَبُو هُرَيْرَةَ مِنْ قَوْلِهِ أَسْتَنْجِي أَنَّ كُلَّ مَا يُزِيلُ الْأَثَرَ وَيُنَقِّي كَافٍ ، وَلَا اخْتِصَاصَ لِذَلِكَ بِالْأَحْجَارِ ، فَنَبَّهَهُ بِاقْتِصَارِهِ فِي النَّهْيِ عَلَى الْعَظْمِ وَالرَّوْثِ عَلَى أَنَّ مَا سِوَاهُمَا يُجْزِئُ ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مُخْتَصًّا بِالْأَحْجَارِ - كَمَا يَقُولُهُ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ وَالظَّاهِرِيَّةِ - لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِ هَذَيْنِ بِالنَّهْيِ مَعْنًى ، وَإِنَّمَا خَصَّ الْأَحْجَارَ بِالذِّكْرِ لِكَثْرَةِ وُجُودِهَا ، وَزَادَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمَبْعَثِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا فَرَغَ مَا بَالُ الْعَظْمِ وَالرَّوْثِ ؟ قَالَ : هُمَا مِنْ طَعَامِ الْجِنِّ وَالظَّاهِرُ مِنْ هَذَا التَّعْلِيلِ اخْتِصَاصُ الْمَنْعِ بِهِمَا . نَعَمْ يَلْتَحِقُ بِهِمَا جَمِيعُ الْمَطْعُومَاتِ الَّتِي لِلْآدَمِيِّينَ قِيَاسًا مِنْ بَابِ الْأَوْلَى ، وَكَذَا الْمُحْتَرَمَاتُ كَأَوْرَاقِ كُتُبِ الْعِلْمِ . وَمَنْ قَالَ عِلَّةُ النَّهْيِ عَنِ الرَّوْثِ كَوْنُهُ نَجَسًا أَلْحَقَ بِهِ كُلَّ نَجَسٍ مُتَنَجِّسٍ ، وَعَنِ الْعَظْمِ كَوْنُهُ لَزِجًا فَلَا يُزِيلُ إِزَالَةً تَامَّةً أَلْحَقَ بِهِ مَا فِي مَعْنَاهُ كَالزُّجَاجِ الْأَمْلَسِ ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى أَنْ يُسْتَنْجَى بِرَوْثٍ أَوْ بِعَظْمٍ وَقَالَ : إِنَّهُمَا لَا يُطَهِّرَانِ .

وَفِي هَذَا رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ بِهِمَا يُجْزِئُ وَإِنْ كَانَ مَنْهِيًّا عَنْهُ ، وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْمَبْعَثِ بَيَانُ قِصَّةِ وَفْدِ الْجِنِّ وَأَيُّ وَقْتٍ كَانَتْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَوْلُهُ : ( وَأَعْرَضْتُ ) كَذَا فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ وَاعْتَرَضْتُ بِزِيَادَةِ مُثَنَّاةٍ بَعْدَ الْعَيْنِ وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ . قَوْلُهُ : ( فَلَمَّا قَضَى ) أَيْ : حَاجَتَهُ ( أَتْبَعُهُ ) بِهَمْزَةِ قَطْعٍ أَيْ أَلْحَقُهُ ، وَكَنَّى بِذَلِكَ عَنْ الِاسْتِنْجَاءِ .

وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ اتِّبَاعِ السَّادَاتِ وَإِنْ لَمْ يَأْمُرُوا بِذَلِكَ ، وَاسْتِخْدَامُ الْإِمَامِ بَعْضَ رَعِيَّتِهِ ، وَالْإِعْرَاضُ عَنْ قَاضِي الْحَاجَةِ ، وَالْإِعَانَةُ عَلَى إِحْضَارِ مَا يَسْتَنْجِي بِهِ وَإِعْدَادُهُ عِنْدَهُ ؛ لِئَلَّا يَحْتَاجَ إِلَى طَلَبِهَا بَعْدَ الْفَرَاغِ فَلَا يَأْمَنُ التَّلَوُّثَ . وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .

ورد في أحاديث1 حديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث