بَاب لَا يُسْتَنْجَى بِرَوْثٍ
بَاب لَا يُسْتَنْجَى بِرَوْثٍ 156 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ : لَيْسَ أَبُو عُبَيْدَةَ ذَكَرَهُ ، وَلَكِنْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ يَقُولُ : أَتَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْغَائِطَ ، فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ ، فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ ، وَالْتَمَسْتُ الثَّالِثَ فَلَمْ أَجِدْهُ ، فَأَخَذْتُ رَوْثَةً ، فَأَتَيْتُهُ بِهَا فَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ ، وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ ، وَقَالَ : هَذَا رِكْسٌ . وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ : ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ . قَوْلُهُ : ( بَابٌ ) بِالتَّنْوِينِ ( لَا يُسْتَنْجَى ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ .
قَوْلُهُ : ( زُهَيْرٌ ) هُوَ ابْنُ مُعَاوِيَةَ الْجُعْفِيُّ الْكُوفِيُّ ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ كُوفِيُّونَ ، وَأَبُو إِسْحَاقَ هُوَ السَّبِيعِيُّ وَهُوَ تَابِعِيٌّ ، وَكَذَا شَيْخُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَأَبُوهُ الْأَسْوَدُ . قَوْلُهُ : ( لَيْسَ أَبُو عُبَيْدَةَ ) أَيِ : ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ . وَقَوْلُهُ : ( ذَكَرَهُ ) أَيْ : لِي .
( وَلَكِنْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ ) أَيْ هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ لِي بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ الْمُعَلَّقَةِ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، وَإِنَّمَا عَدَلَ أَبُو إِسْحَاقَ عَنِ الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ إِلَى الرِّوَايَةِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - مَعَ أَنَّ رِوَايَةَ أَبِي عُبَيْدَةَ أَعْلَى لَهُ - لِكَوْنِ أَبِي عُبَيْدَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ عَلَى الصَّحِيحِ ، فَتَكُونُ مُنْقَطِعَةً بِخِلَافِ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ؛ فَإِنَّهَا مَوْصُولَةٌ ، وَرِوَايَةُ أَبِي إِسْحَاقَ لِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ طَرِيقِ إِسْرَائِيلَ بْنِ يُونُسَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، فَمُرَادُ أَبِي إِسْحَاقَ هُنَا بِقَوْلِهِ لَيْسَ أَبُو عُبَيْدَةَ ذَكَرَهُ أَيْ : لَسْتُ أَرْوِيهِ الْآنَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ وَإِنَّمَا أَرْوِيهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِيهِ ) هُوَ الْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ النَّخَعِيُّ صَاحِبُ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ : هُوَ الْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ الزُّهْرِيُّ ، وَهُوَ غَلَطٌ فَاحِشٌ ؛ فَإِنَّ الْأَسْوَدَ الزُّهْرِيَّ لَمْ يُسْلِمْ ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَعِيشَ حَتَّى يَرْوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ . قَوْلُهُ : ( أَتَى الْغَائِطَ ) أَيِ : الْأَرْضَ الْمُطَمْئِنَةَ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ .
قَوْلُهُ : ( فَلَمْ أَجِدْ ) وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ فَلَمْ أَجِدْهُ أَيِ : الْحَجَرَ الثَّالِثَ . قَوْلُهُ : ( بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ ) فِيهِ الْعَمَلُ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ النَّهْيُ فِي حَدِيثِ سَلْمَانَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : وَلَا يَسْتَنْجِ أَحَدُكُمْ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَأَخَذَ بِهَذَا الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ فَاشْتَرَطُوا أَنْ لَا يَنْقُصَ مِنَ الثَّلَاثِ ، مَعَ مُرَاعَاةِ الْإِنْقَاءِ إِذَا لَمْ يَحْصُلْ بِهَا فَيُزَادُ حَتَّى يُنَقَّى ، وَيُسْتَحَبُّ حِينَئِذٍ الْإِيتَارُ لِقَوْلِهِ : وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ لِزِيَادَةٍ فِي أَبِي دَاوُدَ حَسَنَةِ الْإِسْنَادِ قَالَ : وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ ، وَبِهَذَا يَحْصُلُ الْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ فِي هَذَا الْبَابِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : لَوْ كَانَ الْقَصْدُ الْإِنْقَاءَ فَقَطْ لَخَلَا اشْتِرَاطُ الْعَدَدِ عَنِ الْفَائِدَةِ ، فَلَمَّا اشْتَرَطَ الْعَدَدَ لَفْظًا وَعُلِمَ الْإِنْقَاءُ فِيهِ مَعْنًى دَلَّ عَلَى إِيجَابِ الْأَمْرَيْنِ ، وَنَظِيرُهُ الْعِدَّةُ بِالْأَقْرَاءِ فَإِنَّ الْعَدَدَ مُشْتَرَطٌ وَلَوْ تَحَقَّقَتْ بَرَاءَةُ الرَّحِمِ بِقُرْءٍ وَاحِدٍ .
قَوْلُهُ : ( فَأَخَذْتُ رَوْثَةً ) زَادَ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي رِوَايَةٍ لَهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهَا كَانَتْ رَوْثَةَ حِمَارٍ ، وَنَقَلَ التَّيْمِيُّ أَنَّ الرَّوْثَ مُخْتَصٌّ بِمَا يَكُونُ مِنَ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ . قَوْلُهُ : ( وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ ) اسْتَدَلَّ بِهِ الطَّحَاوِيُّ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ الثَّلَاثَةِ ؛ قَالَ : لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُشْتَرَطًا لَطَلَبَ ثَالِثًا ، كَذَا قَالَ ، وَغَفَلَ رَحِمَهُ اللَّهُ عَمَّا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَلْقَمَةَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ؛ فَإِنَّ فِيهِ : فَأَلْقَى الرَّوْثَةَ وَقَالَ : إِنَّهَا رِكْسٌ ، ائْتِنِي بِحَجَرٍ . وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ أَثْبَاتٌ .
وَقَدْ تَابَعَ عَلَيْهِ مَعْمَر ، أَبُو شُعْبَةَ الْوَاسِطِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَتَابَعَهُمَا عَمَّارُ بْنُ رُزَيْقٍ أَحَدُ الثِّقَاتِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ أَبَا إِسْحَاقَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَلْقَمَةَ لَكِنْ أَثْبَتَ سَمَاعَهُ لِهَذَا الْحَدِيثِ مِنْهُ الْكَرَابِيسِيُّ ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ أَرْسَلَهُ عَنْهُ فَالْمُرْسَلُ حُجَّةٌ عِنْدَ الْمُخَالِفِينَ وَعِنْدَنَا أَيْضًا إِذَا اعْتُضِدَ ، وَاسْتِدْلَالُ الطَّحَاوِيِّ فِيهِ نَظَرٌ بَعْدَ ذَلِكَ ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ اكْتَفَى بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ فِي طَلَبِ الثَّلَاثَةِ فَلَمْ يُجَدِّدِ الْأَمْرَ بِطَلَبِ الثَّالِثِ ، أَوِ اكْتَفَى بِطَرَفِ أَحَدِهِمَا عَنِ الثَّالِثِ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالثَّلَاثَةِ أَنْ يَمْسَحَ بِهَا ثَلَاثَ مَسَحَاتٍ وَذَلِكَ حَاصِلٌ وَلَوْ بِوَاحِدٍ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّتِهِ أَنَّهُ لَوْ مَسَحَ بِطَرَفٍ وَاحِدٍ وَرَمَاهُ ثُمَّ جَاءَ شَخْصٌ آخَرُ فَمَسَحَ بِطَرَفِهِ الْآخَرِ لَأَجْزَأَهُمَا بِلَا خِلَافٍ . وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْقَصَّارِ الْمَالِكِيُّ : رُوِيَ أَنَّهُ أَتَاهُ بِثَالِثٍ ، لَكِنْ لَا يَصِحُّ ، وَلَوْ صَحَّ فَالِاسْتِدْلَالُ بِهِ لِمَنْ لَا يَشْتَرِطُ الثَّلَاثَةَ قَائِمٌ ؛ لِأَنَّهُ اقْتَصَرَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ عَلَى ثَلَاثَةٍ فَحَصَلَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةٍ ، انْتَهَى . وَفِيهِ نَظَرٌ أَيْضًا لِأَنَّ الزِّيَادَةَ ثَابِتَةٌ كَمَا قَدَّمْنَاهُ ، وَكَأَنَّهُ إِنَّمَا وَقَفَ عَلَى الطَّرِيقِ الَّتِي عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ فَقَطْ .
ثُمَّ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ شَيْءٌ إِلَّا مِنْ سَبِيلٍ وَاحِدٍ . وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ خَرَجَ مِنْهُمَا فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اكْتَفَى لِلْقُبُلِ بِالْمَسْحِ فِي الْأَرْضِ وَلِلدُّبُرِ بِالثَّلَاثَةِ ، أَوْ مَسَحَ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا بِطَرَفَيْنِ . وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ عَلَى عَدَمِ الِاشْتِرَاطِ لِلْعَدَدِ بِالْقِيَاسِ عَلَى مَسْحِ الرَّأْسِ فَفَاسِدُ الِاعْتِبَارِ ; لِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ الصَّرِيحِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَسَلْمَانَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَوْلُهُ : ( هَذَا رِكْسٌ ) كَذَا وَقَعَ هُنَا بِكَسْرِ الرَّاءِ وَإِسْكَانِ الْكَافِ فَقِيلَ : هِيَ لُغَةٌ فِي رِجْسٍ بِالْجِيمِ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ ابْنِ مَاجَهْ ، وَابْنِ خُزَيْمَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَإِنَّهَا عِنْدَهُمَا بِالْجِيمِ ، وَقِيلَ : الرِّكْسُ الرَّجِيعُ ، رُدَّ مِنْ حَالَةِ الطَّهَارَةِ إِلَى حَالَةِ النَّجَاسَةِ ، قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ . وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ : رُدَّ مِنْ حَالَةِ الطَّعَامِ إِلَى حَالَةِ الرَّوْثِ . وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : لَمْ أَرَ هَذَا الْحَرْفَ فِي اللُّغَةِ ، يَعْنِي الرِّكْسَ بِالْكَافِ .
وَتَعَقَّبَهُ أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ بِأَنَّ مَعْنَاهُ الرَّدُّ كَمَا قَالَ تَعَالَى : أُرْكِسُوا فِيهَا أَيْ رُدُّوا ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : هَذَا رَدٌّ عَلَيْكَ ، انْتَهَى . وَلَوْ ثَبَتَ مَا قَالَ لَكَانَ بِفَتْحِ الرَّاءِ ؛ يُقَالُ : رَكَسَهُ رَكْسًا إِذَا رَدَّهُ ، وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ : هَذَا رِكْسٌ يَعْنِي نَجَسًا ، وَهَذَا يُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ . وَأَغْرَبَ النَّسَائِيُّ فَقَالَ عَقِبَ هَذَا الْحَدِيثِ : الرِّكْسُ طَعَامُ الْجِنِّ ، وَهَذَا إِنْ ثَبَتَ فِي اللُّغَةِ فَهُوَ مُرِيحٌ مِنَ الْإِشْكَالِ .
قَوْلُهُ : ( وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ أَبِيهِ ) يَعْنِي يُوسُفَ بْنَ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيَّ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ وَهُوَ جَدُّهُ قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَعْنِي ابْنَ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ أَوَّلًا ، وَأَرَادَ الْبُخَارِيُّ بِهَذَا التَّعْلِيقِ الرَّدَّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ أَبَا إِسْحَاقَ دَلَّسَ هَذَا الْخَبَرَ كَمَا حُكِيَ ذَلِكَ عَنْ سُلَيْمَانَ الشَّاذَكُونِيِّ حَيْثُ قَالَ : لَمْ يُسْمَعْ فِي التَّدْلِيسِ بِأَخْفَى مِنْ هَذَا . قَالَ لَيْسَ أَبُو عُبَيْدَةَ ذَكَرَهُ وَلَكِنْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَلَمْ يَقُلْ ذَكَرَهُ لِي ، انْتَهَى . وَقَدِ اسْتَدَلَّ الْإِسْمَاعِيلِيُّ أَيْضًا عَلَى صِحَّةِ سَمَاعِ أَبِي إِسْحَاقَ لِهَذَا الْحَدِيثِ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِكَوْنِ يَحْيَى الْقَطَّانِ رَوَاهُ عَنْ زُهَيْرٍ ، فَقَالَ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِهِ : وَالْقَطَّانُ لَا يَرْضَى أَنْ يَأْخُذَ عَنْ زُهَيْرٍ مَا لَيْسَ بِسَمَاعٍ لِأَبِي إِسْحَاقَ ، وَكَأَنَّهُ عُرِفَ ذَلِكَ بِالِاسْتِقْرَاءِ مِنْ صَنِيعِ الْقَطَّانِ ، أَوْ بِالتَّصْرِيحِ مِنْ قَوْلِهِ .
فَانْزَاحَتْ عَنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ عِلَّةُ التَّدْلِيسِ . وَقَدْ أَعَلَّهُ قَوْمٌ بِالِاضْطِرَابِ ، وَقَدْ ذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ الِاخْتِلَافَ فِيهِ عَلَى أَبِي إِسْحَاقَ فِي كِتَابِ الْعِلَلِ ، وَاسْتَوْفَيْتُهُ فِي مُقَدِّمَةِ الشَّرْحِ الْكَبِيرِ ، لَكِنَّ رِوَايَةَ زُهَيْرٍ هَذِهِ تَرَجَّحَتْ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ بِمُتَابَعَةِ يُوسُفَ حَفِيدِ أَبِي إِسْحَاقَ ، وَتَابَعَهُمَا شَرِيكٌ الْقَاضِي ، وَزَكَرِيَّا بْنُ أَبِي زَائِدَةَ وَغَيْرُهُمَا ، وَتَابَعَ أَبَا إِسْحَاقَ عَلَى رِوَايَتِهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَذْكُورِ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ وَحَدِيثُهُ يُسْتَشْهَدُ بِهِ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ . وَمِمَّا يُرَجِّحُهَا أَيْضًا اسْتِحْضَارُ أَبِي إِسْحَاقَ لِطَرِيقِ أَبِي عُبَيْدَةَ وَعُدُولُهُ عَنْهَا بِخِلَافِ رِوَايَةِ إِسْرَائِيلَ عَنْهُ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ فِيهَا لِرِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ كَمَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ ، فَلَمَّا اخْتَارَ فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ طَرِيقَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَلَى طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدَةَ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ عَارِفٌ بِالطَّرِيقَيْنِ وَأَنَّ رِوَايَةَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عِنْدَهُ أَرْجَحُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .