بَاب الْوُضُوءِ مِنْ غَيْرِ حَدَثٍ
بَاب الْوُضُوءِ مِنْ غَيْرِ حَدَثٍ 214 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ، قال : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ ، قال : سَمِعْتُ أَنَسا . ح قال : وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قال : حَدَّثَنَا يَحْيَى ، عَنْ سُفْيَانَ ، قال : حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَامِرٍ ، عَنْ أَنَسِ ، قال : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ قُلْتُ : كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ ؟ قال : يُجْزِئُ أَحَدَنَا الْوُضُوءُ مَا لَمْ يُحْدِثْ قَوْلُهُ : ( بَابُ الْوُضُوءِ مِنْ غَيْرِ حَدَثٍ ) أَيْ مَا حُكْمُهُ ، وَالْمُرَادُ تَجْدِيدُ الْوُضُوءِ . وَقَدْ ذَكَرْنَا اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْوُضُوءِ عِنْدَ ذِكْرِ قَوْلِهِ تَعَالَى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ وَأَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ قَالُوا : التَّقْدِيرُ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ مُحْدِثِينَ ، وَاسْتَدَلَّ الدَّارِمِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا وُضُوءَ إِلَّا مِنْ حَدَثٍ .
وَحَكَى الشَّافِعِيُّ عَمَّنْ لَقِيَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ التَّقْدِيرَ : إِذَا قُمْتُمْ مِنَ النَّوْمِ . وَتَقَدَّمَ أَنَّ مِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ ، وَقَالَ : كَانَ الْوُضُوءُ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَاجِبًا ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا هَلْ نُسِخَ أَوِ اسْتَمَرَّ حُكْمُهُ . وَيَدُلُّ عَلَى النَّسْخِ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُمِرَ بِالْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ ؛ فَلَمَّا شَقَّ عَلَيْهِ أُمِرَ بِالسِّوَاكِ .
وَذَهَبَ إِلَى اسْتِمْرَارِ الْوُجُوبِ قَوْمٌ كَمَا جَزَمَ بِهِ الطَّحَاوِيُّ وَنَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، وَابْنِ سِيرِينَ وَغَيْرِهِمَا ، وَاسْتَبْعَدَهُ النَّوَوِيُّ وَجَنَحَ إِلَى تَأْوِيلِ ذَلِكَ إِنْ ثَبَتَ عَنْهُمْ ، وَجَزَمَ بِأَنَّ الْإِجْمَاعَ اسْتَقَرَّ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ . وَيُمْكِنُ حَمْلُ الْآيَةِ عَلَى ظَاهِرِهَا مِنْ غَيْرِ نَسْخٍ ، وَيَكُونُ الْأَمْرُ فِي حَقِّ الْمُحْدِثِينَ عَلَى الْوُجُوبِ ، وَفِي حَقِّ غَيْرِهِمْ عَلَى النَّدْبِ ، وَحَصَلَ بَيَانُ ذَلِكَ بِالسُّنَّةِ كَمَا فِي حَدِيثِ الْبَابِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ) هُوَ الْفِرْيَابِيُّ ، وَسُفْيَانُ هُوَ الثَّوْرِيُّ .
قَوْلُهُ : ( وَحَدَّثَنَا مُسَدِّدٌ ) هُوَ تَحْوِيلٌ إِلَى إِسْنَادٍ ثَانٍ قَبْلَ ذِكْرِ الْمَتْنِ ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ أَعْلَى لِتَصْرِيحِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ فِيهِ بِالتَّحْدِيثِ ، وَعَمْرُو بْنُ عَامِرٍ كُوفِيٌّ أَنْصَارِيٌّ وَقِيلَ بَجَلِيٌّ ، وَصَحَّحَ الْمِزِّيُّ أَنَّ الْبَجَلِيَّ رَاوٍ آخَرُ غَيْرُ هَذَا الْأَنْصَارِيِّ ، وَلَيْسَ لِهَذَا فِي الْبُخَارِيِّ غَيْرُ ثَلَاثَةِ أَحَادِيثَ كُلُّهَا ، عَنْ أَنَسٍ ، وَلَيْسَ لِلْبَجَلِيِّ عِنْدَهُ رِوَايَةٌ ، وَقَدْ يَلْتَبِسُ بِهِ عُمَرُ بْنُ عَامِرٍ بِضَمِّ الْعَيْنِ رَاوٍ آخَرُ بَصْرِيٌّ سُلَمِيٌّ أَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ شَيْءٌ . قَوْلُهُ : ( عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ ) ؛ أَيْ : مَفْرُوضَةٍ ، زَادَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ طَاهِرًا أَوْ غَيْرَ طَاهِرٍ وَظَاهِرُهُ أَنَّ تِلْكَ كَانَتْ عَادَتَهُ ، لَكِنَّ حَدِيثَ سُوَيْدٍ الْمَذْكُورَ فِي الْبَابِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْغَالِبُ ، قال الطَّحَاوِيُّ : يُحْتَمَلُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ خَاصَّةً ، ثُمَّ نُسِخَ يَوْمَ الْفَتْحِ لِحَدِيثِ بُرَيْدَةَ ، يَعْنِي الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى الصَّلَوَاتِ يَوْمَ الْفَتْحِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ ، وَأَنَّ عُمَرَ سَأَلَهُ فَقَالَ : عَمْدًا فَعَلْتُهُ . وَقَالَ : يُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُهُ اسْتِحْبَابًا ، ثُمَّ خَشِيَ أَنْ يُظَنَّ وُجُوبُهُ فَتَرَكَهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ .
قُلْتُ : وَهَذَا أَقْرَبُ ، وَعَلَى تَقْدِيرِ الْأَوَّلِ فَالنَّسْخُ كَانَ قَبْلَ الْفَتْحِ بِدَلِيلِ حَدِيثِ سُوَيْدِ بْنِ النُّعْمَانَ فَإِنَّهُ كَانَ فِي خَيْبَرَ وَهِيَ قَبْلَ الْفَتْحِ بِزَمَانٍ . قَوْلُهُ : ( كَيْفَ كُنْتُمْ ) الْقَائِلُ عَمْرُو بْنُ عَامِرٍ ، وَالْمُرَادُ الصَّحَابَةُ . وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ ، عَنْ عَمْرٍو أَنَّهُ سَأَلَ أَنَسًا أَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ ؟ قال : نَعَمْ .
وَلِابْنِ مَاجَهْ وَكُنَّا نَحْنُ نُصَلِّي الصَّلَوَاتِ كُلَّهَا بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ . قَوْلُهُ : ( يُجْزِئُ ) بِالضَّمِّ مِنْ أَجْزَأَ أَيْ يَكْفِي ، وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ يَكْفِي .