بَاب مَا يَقَعُ مِنْ النَّجَاسَاتِ فِي السَّمْنِ وَالْمَاءِ
بَاب مَا يَقَعُ مِنْ النَّجَاسَاتِ فِي السَّمْنِ وَالْمَاءِ وَقَالَ الزُّهْرِيُّ : لَا بَأْسَ بِالْمَاءِ مَا لَمْ يُغَيِّرْهُ طَعْمٌ أَوْ رِيحٌ أَوْ لَوْنٌ ، وَقَالَ حَمَّادٌ : لَا بَأْسَ بِرِيشِ الْمَيْتَةِ . وَقَالَ الزُّهْرِيُّ فِي عِظَامِ الْمَوْتَى - نَحْوَ الْفِيلِ وَغَيْرِهِ - أَدْرَكْتُ نَاسًا مِنْ سَلَفِ الْعُلَمَاءِ يَمْتَشِطُونَ بِهَا وَيَدَّهِنُونَ فِيهَا لَا يَرَوْنَ بِهِ بَأْسًا ، وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ وَإِبْرَاهِيمُ : وَلَا بَأْسَ بِتِجَارَةِ الْعَاجِ . 235 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ : حَدَّثَنِي مَالِكٌ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ مَيْمُونَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ سَقَطَتْ فِي سَمْنٍ ، فَقَالَ : أَلْقُوهَا ، وَمَا حَوْلَهَا فَاطْرَحُوهُ ، وَكُلُوا سَمْنَكُمْ .
قَوْلُهُ : ( بَابُ مَا يَقَعُ مِنَ النَّجَاسَاتِ فِي السَّمْنِ وَالْمَاءِ ) أَيْ هَلْ يُنَجِّسُهُمَا أَمْ لَا ، أَوْ لَا يَنْجُسُ الْمَاءُ إِلَّا إِذَا تَغَيَّرَ دُونَ غَيْرِهِ ؟ وَهَذَا الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ مَجْمُوعِ مَا أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ مِنْ أَثَرٍ وَحَدِيثٍ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ الزُّهْرِيُّ ) وَصَلَهُ ابْنُ وَهْبٍ فِي جَامِعِهِ عَنْ يُونُسَ عَنْهُ ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مَعْنَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَمْرٍو وَهُوَ الْأَوْزَاعِيُّ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ . قَوْلُهُ : ( لَا بَأْسَ بِالْمَاءِ ) أَيْ لَا حَرَجَ فِي اسْتِعْمَالِهِ فِي كُلِّ حَالَةٍ ، فَهُوَ مَحْكُومٌ بِطَهَارَتِهِ مَا لَمْ يُغَيِّرْهُ طَعْمٌ أَيْ مِنْ شَيْءٍ نَجِسٍ أَوْ رِيحٍ مِنْهُ أَوْ لَوْنٍ ، وَلَفْظُ يُونُسَ عَنْهُ كُلُّ مَا فِيهِ قُوَّةٌ عَمَّا يُصِيبُهُ مِنَ الْأَذَى حَتَّى لَا يُغَيِّرَ ذَلِكَ طَعْمَهُ وَلَا رِيحَهُ وَلَا لَوْنَهُ فَهُوَ طَاهِرٌ ، وَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّهُ لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ إِلَّا بِالْقُوَّةِ الْمَانِعَةِ لِلْمُلَاقِي أَنْ يُغَيِّرَ أَحَدٌ أَوْصَافَهُ ، فَالْعِبْرَةُ عِنْدَهُ بِالتَّغَيُّرِ وَعَدَمِهِ ، وَمَذْهَبُ الزُّهْرِيِّ هَذَا صَارَ إِلَيْهِ طَوَائِفُ مِنَ الْعُلَمَاءِ ، وَقَدْ تَعَقَّبَهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الطَّهُورِ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ بَالَ فِي إِبْرِيقٍ وَلَمْ يُغَيِّرْ لِلْمَاءِ وَصْفًا أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ التَّطَهُّرُ بِهِ ، وَهُوَ مُسْتَبْشَعٌ ، وَلِهَذَا نَصَرَ قَوْلَ التَّفْرِيقِ بِالْقُلَّتَيْنِ ، وَإِنَّمَا لَمْ يُخَرِّجْهُ الْبُخَارِيُّ لِاخْتِلَافٍ وَقَعَ فِي إِسْنَادِهِ ، لَكِنَّ رُوَاتَهُ ثِقَاتٌ .
وَصَحَّحَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ ، إِلَّا أَنَّ مِقْدَارَ الْقُلَّتَيْنِ لَمْ يَتَّفِقْ عَلَيْهِ ، وَاعْتَبَرَهُ الشَّافِعِيُّ بِخَمْسِ قِرَبٍ مِنْ قِرَبِ الْحِجَازِ احْتِيَاطًا ، وَخَصَّصَ بِهِ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُمْ ، وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِلْقَوْلِ فِي هَذَا فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ . وَقَوْلُ الزُّهْرِيِّ هَذَا وَرَدَ فِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ قَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يُثْبِتُ أَهْلُ الْحَدِيثِ مِثْلَهُ ، لَكِنْ لَا أَعْلَمُ فِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافًا ، يَعْنِي فِي تَنْجِيسِ الْمَاءِ إِذَا تَغَيَّرَ أَحَدُ أَوْصَافِهِ بِالنَّجَاسَةِ ، وَالْحَدِيثُ الْمُشَارُ إِلَيْهِ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ وَفِيهِ اضْطِرَابٌ أَيْضًا . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ حَمَّادٌ ) هُوَ ابْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ الْفَقِيهُ الْكُوفِيُّ .
قَوْلُهُ : ( لَا بَأْسَ بِرِيشِ الْمَيْتَةِ ) أَيْ لَيْسَ نَجِسًا وَلَا يَنْجُسُ الْمَاءُ بِمُلَاقَاتِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ رِيشَ مَأْكُولٍ أَوْ غَيْرِهِ ، وَأَثَرُهُ هَذَا وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْهُ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ الزُّهْرِيُّ فِي عِظَامِ الْمَوْتَى نَحْوِ الْفِيلِ وَغَيْرِهِ ) أَيْ مِمَّا لَا يُؤْكَلُ ( أَدْرَكْتُ نَاسًا ) أَيْ كَثِيرًا وَالتَّنْوِينُ لِلتَّكْثِيرِ . قَوْلُهُ : ( وَيَدَّهِنُونَ ) بِتَشْدِيدِ الدَّالِ مِنْ بَابِ الِافْتِعَالِ ، وَيَجُوزُ ضَمُّ أَوَّلِهِ وَإِسْكَانُ الدَّالِ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ بِطَهَارَتِهِ ، وَسَنَذْكُرُ الْخِلَافَ فِيهِ قَرِيبًا .
قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ ، وَإِبْرَاهِيمُ ) لَمْ يَذْكُرِ السَّرْخَسِيُّ ، إِبْرَاهِيمَ فِي رِوَايَتِهِ وَلَا أَكْثَرُ الرُّوَاةِ عَنِ الْفَرَبْرِيِّ ، وَأَثَرُ ابْنِ سِيرِينَ وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِلَفْظِ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بِالتِّجَارَةِ فِي الْعَاجِ بَأْسًا وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَرَاهُ طَاهِرًا ; لِأَنَّهُ لَا يُجِيزُ بَيْعَ النَّجِسِ وَلَا الْمُتَنَجِّسِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ تَطْهِيرُهُ بِدَلِيلِ قِصَّتِهِ الْمَشْهُورَةِ فِي الزَّيْتِ . وَالْعَاجُ هُوَ نَابُ الْفِيلِ ، قَالَ ابْنُ سِيدَهْ : لَا يُسَمَّى غَيْرُهُ عَاجًا ، وَقَالَ الْقَزَّازُ : أَنْكَرَ الْخَلِيلُ أَنْ يُسَمَّى غَيْرُ نَابِ الْفِيلِ عَاجًا ، وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ ، وَالْجَوْهَرِيُّ : الْعَاجُ عَظْمُ الْفِيلِ ، فَلَمْ يُخَصِّصَاهُ بِالنَّابِ . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ تَبَعًا لِابْنِ قُتَيْبَةَ : الْعَاجُ الذَّبْلُ وَهُوَ ظَهْرُ السُّلَحْفَاءِ الْبَحْرِيَّةِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ فَفِي الصِّحَاحِ : الْمِسْكُ السِّوَارُ مِنْ عَاجٍ أَوْ ذَبْلٍ ، فَغَايَرَ بَيْنَهُمَا .
لَكِنْ قَالَ الْقَالِي : الْعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ عَظْمٍ عَاجًا ، فَإِنْ ثَبَتَ هَذَا فَلَا حُجَّةَ فِي الْأَثَرِ الْمَذْكُورِ عَلَى طَهَارَةِ عَظْمِ الْفِيلِ ، لَكِنَّ إِيرَادَ الْبُخَارِيِّ لَهُ عَقِبَ أَثَرِ الزُّهْرِيِّ فِي عَظْمِ الْفِيلِ يَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ مَا قَالَ الْخَلِيلُ . وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي عَظْمِ الْفِيلِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعَظْمَ هَلْ تُحِلُّهُ الْحَيَاةُ أَمْ لَا ، فَذَهَبَ إِلَى الْأَوَّلِ الشَّافِعِيُّ ، وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ فَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْعَظْمَ تُحِلُّهُ الْحَيَاةُ ، وَذَهَبَ إِلَى الثَّانِي أَبُو حَنِيفَةَ وَقَالَ بِطَهَارَةِ الْعِظَامِ مُطْلَقًا ، وَقَالَ مَالِكٌ : هُوَ طَاهِرٌ إِنْ ذُكِّيَ بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِ إِنَّ غَيْرَ الْمَأْكُولِ يَطْهُرُ بِالتَّذْكِيَةِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ) هُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ .
قَوْلُهُ : ( عَنْ مَيْمُونَةَ ) هِيَ بِنْتُ الْحَارِثِ خَالَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ . قَوْلُهُ : ( سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ ) بِهَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ وَالسَّائِلُ عَنْ ذَلِكَ هِيَ مَيْمُونَةُ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى الْقَطَّانِ ، وَجُوَيْرِيَةَ ، عَنْ مَالِكٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ مَيْمُونَةَ اسْتَفْتَتْ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ .
قَوْلُهُ : ( سَقَطَتْ فِي سَمْنٍ ) زَادَ النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيِّ عَنْ مَالِكٍ فِي سَمْنٍ جَامِدٍ ، وَزَادَ الْمُصَنِّفُ فِي الذَّبَائِحِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فَمَاتَتْ . قَوْلُهُ : ( وَمَا حَوْلَهَا ) أَيْ مِنَ السَّمْنِ .