بَاب لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِالنَّبِيذِ وَلَا الْمُسْكِرِ
بَاب لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِالنَّبِيذِ وَلَا الْمُسْكِرِ وَكَرِهَهُ الْحَسَنُ وَأَبُو الْعَالِيَةِ وَقَالَ عَطَاءٌ : التَّيَمُّمُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ الْوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ وَاللَّبَنِ 242 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ : حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ . قَوْلُهُ : ( بَابُ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِالنَّبِيذِ وَلَا الْمُسْكِرِ ) هُوَ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ ، أَوِ الْمُرَادُ بِالنَّبِيذِ مَا لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ الْإِسْكَارِ . قَوْلُهُ : ( وَكَرِهَهُ الْحَسَنُ ) أَيِ الْبَصْرِيُّ ، رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقَيْنِ عَنْهُ قَالَ : لَا تَوَضُّؤَ بِنَبِيذٍ وَرَوَى أَبُو عُبَيْدٍ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْهُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ ، فَعَلَى هَذَا فَكَرَاهَتُهُ عِنْدَهُ عَلَى التَّنْزِيهِ .
قَوْلُهُ : ( وَأَبُو الْعَالِيَةِ ) رَوَى أَبُو دَاوُدَ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي خَلْدَةَ قَالَ : سَأَلْتُ أَبَا الْعَالِيَةِ عَنْ رَجُلٍ أَصَابَتْهُ جَنَابَةٌ وَلَيْسَ عِنْدَهُ مَاءٌ أَيَغْتَسِلُ بِهِ ؟ قَالَ : لَا . وَفِي رِوَايَةِ أَبِي عُبَيْدٍ : فَكَرِهَهُ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ عَطَاءٌ ) هُوَ ابْنُ أَبِي رَبَاحٍ ، رَوَى أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْهُ أَنَّهُ كَرِهَ الْوُضُوءَ بِالنَّبِيذِ وَاللَّبَنِ وَقَالَ : إِنَّ التَّيَمُّمَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ ، وَذَهَبَ الْأَوْزَاعِيُّ إِلَى جَوَازِ الْوُضُوءِ بِالْأَنْبِذَةِ كُلِّهَا ، وَهُوَ قَوْلُ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَلَمْ يَصِحَّ عَنْهُمَا ، وَقَيَّدَهُ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ بِنَبِيذِ التَّمْرِ ، وَاشْتَرَطَ أَنْ لَا يَكُونَ بِحَضْرَةِ مَاءٍ وَأَنْ يَكُونَ خَارِجَ الْمِصْرِ أَوِ الْقَرْيَةِ ، وَخَالَفَهُ صَاحِبَاهُ فَقَالَ مُحَمَّدٌ : يَجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّيَمُّمِ ، قِيلَ إِيجَابًا وَقِيلَ اسْتِحْبَابًا ، وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ بِقَوْلِ الْجُمْهُورِ : لَا يُتَوَضَّأُ بِهِ بِحَالٍ ، وَاخْتَارَهُ الطَّحَاوِيُّ ، وَذَكَرَ قَاضِيخَانَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ رَجَعَ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ ، لَكِنْ فِي الْمُقَيَّدِ مِنْ كُتُبِهِمْ إِذَا أَلْقَى فِي الْمَاءِ تَمَرَاتٍ فَحَلَا وَلَمْ يَزُلْ عَنْهُ اسْمُ الْمَاءِ جَازَ الْوُضُوءُ بِهِ بِلَا خِلَافٍ ، يَعْنِي عِنْدَهُمْ ، وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ حَيْثُ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْلَةَ الْجِنِّ : مَا فِي إِدَاوَتِكَ ؟ قَالَ : نَبِيذٌ .
قَالَ : ثَمَرَةٌ طَيِّبَةٌ وَمَاءٌ طَهُورٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَزَادَ فَتَوَضَّأَ بِهِ وَهَذَا الْحَدِيثُ أَطْبَقَ عُلَمَاءُ السَّلَفِ عَلَى تَضْعِيفِهِ ، وَقِيلَ - عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ - : إِنَّهُ مَنْسُوخٌ ; لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِمَكَّةَ ، وَنُزُولُ قَوْلِهِ تَعَالَى فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا إِنَّمَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ بِلَا خِلَافٍ ، أَوْ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَاءٍ أَلْقَيْتَ فِيهِ تَمَرَاتٍ يَابِسَةً لَمْ تُغَيِّرْ لَهُ وَصْفًا ، وَإِنَّمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ذَلِكَ ; لِأَنَّ غَالِبَ مِيَاهِهِمْ لَمْ تَكُنْ حُلْوَةً . قَوْلُهُ : ( عَنِ الزُّهْرِيِّ ) كَذَا لِلْأَصِيلِيِّ وَغَيْرِهِ ، وَلِأَبِي ذَرٍّ حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ . قَوْلُهُ : ( كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ ) أَيْ كَانَ مِنْ شَأْنِهِ الْإِسْكَارُ سَوَاءٌ حَصَلَ بِشُرْبِهِ السُّكْرُ أَمْ لَا ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ قَلِيلَ الْمُسْكِرِ وَكَثِيرَهُ حَرَامٌ مِنْ أَيِّ نَوْعٍ كَانَ ; لِأَنَّهَا صِيغَةُ عُمُومٍ أُشِيرَ بِهَا إِلَى جِنْسِ الشَّرَابِ الَّذِي يَكُونُ مِنْهُ السُّكْرُ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ : كُلُّ طَعَامٍ أَشْبَعَ فَهُوَ حَلَالٌ ، فَإِنَّهُ يَكُونُ دَالًّا عَلَى حِلِّ كُلِّ طَعَامٍ مِنْ شَأْنِهِ الْإِشْبَاعُ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلِ الشِّبَعُ بِهِ لِبَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ ، وَوَجْهُ احْتِجَاجِ الْبُخَارِيِّ بِهِ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّ الْمُسْكِرَ لَا يَحِلُّ شُرْبُهُ ، وَمَا لَا يَحِلُّ شُرْبُهُ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ اتِّفَاقًا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى حُكْمِ شُرْبِ النَّبِيذِ فِي الْأَشْرِبَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .