بَاب الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ مُلْتَحِفًا بِهِ
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّ أَبَا مُرَّةَ مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ أَخْبَرَهُ ، أَنَّهُ سَمِعَ أُمَّ هَانِئٍ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ تَقُولُ : ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الْفَتْحِ ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ وَفَاطِمَةُ ابْنَتُهُ تَسْتُرُهُ . قَالَتْ : فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ : مَنْ هَذِهِ ؟ فَقُلْتُ : أَنَا أُمُّ هَانِئٍ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ ، فَقَالَ : مَرْحَبًا بِأُمِّ هَانِئٍ ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ قَامَ فَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، زَعَمَ ابْنُ أُمِّي أَنَّهُ قَاتِلٌ رَجُلًا قَدْ أَجَرْتُهُ فُلَانَ بْنَ هُبَيْرَةَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ ، قَالَتْ أُمُّ هَانِئٍ : وَذَاكَ ضُحًى . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي النَّضْرِ ) هُوَ الْمَدَنِيُّ ، وَأَبُو مُرَّةَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي الْعِلْمِ ، وَعُرِفَ هُنَا بِأَنَّهُ مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ وَهُنَاكَ بِأَنَّهُ مَوْلَى عَقِيلٍ ، وَهُوَ مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ حَقِيقَةً ، وَأَمَّا عَقِيلٌ فَلِكَوْنِهِ أَخَاهَا فَنُسِبَ إِلَى وَلَائِهِ مَجَازًا بِأَدْنَى مُلَابَسَةٍ ، أَوْ لِكَوْنِهِ كَانَ يُكْثِرُ مُلَازَمَةَ عَقِيلٍ كَمَا وَقَعَ لِمِقْسَمٍ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى أَوَائِلِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْغُسْلِ فِي بَابِ التَّسَتُّرِ ، وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ أَيْضًا فِي صَلَاةِ الضُّحَى : وَمَوْضِعُ الْحَاجَةِ مِنْهُ هُنَا أَنَّ أُمَّ هَانِئٍ وَصَفَتْ الِالْتِحَافَ الْمَذْكُورَ فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ الْمَوْصُولَةِ بِأَنَّهُ الْمُخَالَفَةُ بَيْنَ طَرَفَيِ الثَّوْبِ عَلَى الْعَاتِقَيْنِ فِي الرِّوَايَةِ الْمُعَلَّقَةِ قَبْلُ ، فَطَابَقَ التَّفْسِيرَ الْمُتَقَدِّمَ فِي التَّرْجَمَةِ . قَوْلُهُ : ( زَعَمَ ابْنُ أُمِّي ) هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، وَفِي رِوَايَةِ الْحَمَوِيِّ ابْنُ أَبِي وَهُوَ صَحِيحٌ فِي الْمَعْنَى فَإِنَّهُ شَقِيقُهَا ، وَ زَعَمَ هُنَا بِمَعْنَى ادَّعَى ، وَقَوْلُهَا ( قَاتَلَ رَجُلًا ) فِيهِ إِطْلَاقُ اسْمِ الْفَاعِلِ عَلَى مَنْ عَزَمَ عَلَى التَّلَبُّسِ بِالْفَعْلَةِ . قَوْلُهُ : ( فُلَانَ بْنَ هُبَيْرَةَ ) بِالنَّصْبِ عَلَى الْبَدَلِ أَوِ الرَّفْعِ عَلَى الْحَذْفِ ، وَعِنْدَ أَحْمَدَ ، وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ أَبِي مُرَّةَ عَنْ أُمِّ هَانِئٍ إِنِّي أَجَرْتُ حَمَوَيْنِ لِي قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ وَغَيْرُهُ : هُمَا جَعْدَةُ بْنُ هُبَيْرَةَ وَرَجُلٌ آخَرُ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ كَانَا فِيمَنْ قَاتَلَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ وَلَمْ يَقْبَلَا الْأَمَانَ ، فَأَجَارَتْهُمَا أُمُّ هَانِئٍ وَكَانَا مِنْ أَحْمَائِهَا .
وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : إِنْ كَانَ ابْنُ هُبَيْرَةَ مِنْهُمَا فَهُوَ جَعْدَةُ كَذَا قَالَ ، وَجَعْدَةُ مَعْدُودٌ فِيمَنْ لَهُ رُؤْيَةٌ وَلَمْ تَصِحَّ لَهُ صُحْبَةٌ ، وَقَدْ ذَكَرَهُ مِنْ حَيْثُ الرِّوَايَةُ فِي التَّابِعِينَ الْبُخَارِيُّ ، وَابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُمَا ، فَكَيْفَ يَتَهَيَّأُ لِمَنْ هَذِهِ سَبِيلُهُ فِي صِغَرِ السِّنِّ أَنْ يَكُونَ عَامَ الْفَتْحِ مُقَاتِلًا حَتَّى يَحْتَاجَ إِلَى الْأَمَانِ ؟ ثُمَّ لَوْ كَانَ وَلَدَ أُمِّ هَانِئٍ لَمْ يَهْتَمَّ عَلِيٌّ بِقَتْلِهِ ; لِأَنَّهَا كَانَتْ قَدْ أَسْلَمَتْ وَهَرَبَ زَوْجُهَا وَتَرَكَ وَلَدَهَا عِنْدَهَا ، وَجَوَّزَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنْ يَكُونَ ابْنًا لِهُبَيْرَةَ مِنْ غَيْرِهَا ، مَعَ نَقْلِهِ عَنْ أَهْلِ النَّسَبِ أَنَّهُمْ لَمْ يَذْكُرُوا لِهُبَيْرَةَ وَلَدًا مِنْ غَيْرِ أُمِّ هَانئٍ ، وَجَزَمَ ابْنُ هِشَامٍ فِي تَهْذِيبِ السِّيرَةِ بِأَنَّ اللَّذَيْنِ أَجَارَتْهُمَا أُمُّ هَانِئٍ هُمَا الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ ، وَزُهَيْرُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ الْمَخْزُومِيَّانِ . وَرَوَى الْأَزْرَقُ بِسَنَدٍ فِيهِ الْوَاقِدِيُّ فِي حَدِيثِ أُمِّ هَانِئٍ هَذَا أَنَّهُمَا الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ ، وَحَكَى بَعْضُهُمْ أَنَّهُمَا الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ ، وَهُبَيْرَةُ بْنُ أَبِي وَهْبٍ ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ ; لِأَنَّ هُبَيْرَةَ هَرَبَ عِنْدَ فَتْحِ مَكَّةَ إِلَى نَجْرَانَ فَلَمْ يَزَلْ بِهَا مُشْرِكًا حَتَّى مَاتَ ، كَذَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ فَلَا يَصِحُّ ذِكْرُهُ فِيمَنْ أَجَارَتْهُ أُمُّ هَانِئٍ . وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : قَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ : فُلَانُ بْنُ هُبَيْرَةَ هُوَ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ .
انْتَهَى . وَقَدْ تُصُرِّفَ فِي كَلَامِ الزُّبَيْرِ وَإِنَّمَا وَقَعَ عِنْدَ الزُّبَيْرِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ مَوْضِعُ فُلَانِ بْنِ هُبَيْرَةَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ ، وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ فِي رِوَايَةِ الْبَابِ حَذْفًا ، كَأَنَّهُ كَانَ فِيهِ فُلَانُ ابْنُ عَمِّ هُبَيْرَةَ فَسَقَطَ لَفْظُ عَمٍّ أَوْ كَانَ فِيهِ فُلَانُ قَرِيبُ هُبَيْرَةَ فَتَغَيَّرَ لَفْظُ قَرِيبٍ بِلَفْظِ ابْنِ ، وَكُلٌّ مِنَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ ، وَزُهَيْرِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ يَصِحُّ وَصْفُهُ بِأَنَّهُ ابْنُ عَمِّ هُبَيْرَةَ وَقَرِيبُهُ ، لِكَوْنِ الْجَمِيعِ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ . وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِأَمَانِ الْمَرْأَةِ فِي آخِرِ كِتَابِ الْجِهَادِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .