بَاب وَقْتُ الْمَغْرِبِ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ سَعْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ : قَدِمَ الْحَجَّاجُ ، فَسَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ ، وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ نَقِيَّةٌ ، وَالْمَغْرِبَ إِذَا وَجَبَتْ ، وَالْعِشَاءَ أَحْيَانًا وَأَحْيَانًا : إِذَا رَآهُمْ اجْتَمَعُوا عَجَّلَ ، وَإِذَا رَآهُمْ أَبْطَئوا أَخَّرَ ، وَالصُّبْحَ - كَانُوا أَوْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّيهَا بِغَلَسٍ . قَوْله : ( مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ) هُوَ غُنْدَرٌ . قَوْله : ( عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ) فِي مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ مُعَاذٍ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ سَعْدٍ سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ .
قَوْله : ( قَدِمَ الْحَجَّاجُ ) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْجِيمِ وَآخِرُهُ جِيمٌ هُوَ ابْنُ يُوسُفَ الثَّقَفِيُّ ، وَزَعَمَ الْكِرْمَانِيُّ أَنَّ الرِّوَايَةَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ قَالَ : وَهُوَ جَمْعُ حَاجٍّ . انْتَهَى . وَهُوَ تَحْرِيفٌ بِلَا خِلَافٍ ، فَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طُرُقِ أَبِي النَّضْرِ ، عَنْ شُعْبَةَ : سَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فِي زَمَنِ الْحَجَّاجِ ، وَكَانَ يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ مُعَاذٍ ، عَنْ شُعْبَةَ : كَانَ الْحَجَّاجُ يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ .
( فَائِدَةٌ ) : كَانَ قُدُومُ الْحَجَّاجِ الْمَدِينَةَ أَمِيرًا عَلَيْهَا مِنْ قِبَلِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ وَذَلِكَ عَقِبَ قَتْلِ ابْنِ الزُّبَيْرِ ، فَأَمَّرَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ عَلَى الْحَرَمَيْنِ وَمَا مَعَهُمَا ، ثُمَّ نَقَلَهُ بَعْدَ هَذَا إِلَى الْعِرَاقِ . قَوْله : ( بِالْهَاجِرَةِ ) ظَاهِرُهُ يُعَارِضُ حَدِيثَ الْإِبْرَادِ ، لِأَنَّ قَوْلَهُ كَانَ يَفْعَلُ يُشْعِرُ بِالْكَثْرَةِ وَالدَّوَامِ عُرْفًا قَالَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ ، وَيُجْمَعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِأَنْ يَكُونَ أَطْلَقَ الْهَاجِرَةَ عَلَى الْوَقْتِ بَعْدَ الزَّوَالِ مُطْلَقًا ؛ لِأَنَّ الْإِبْرَادَ كَمَا تَقَدَّمَ مُقَيَّدٌ بِحَالِ شِدَّةِ الْحَرِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ ، فَإِنْ وُجِدَتْ شُرُوطُ الْإِبْرَادِ أَبْرَدَ وَإِلَّا عَجَّلَ ، فَالْمَعْنَى كَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ إِلَّا إِنِ احْتَاجَ إِلَى الْإِبْرَادِ . وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ مُرَادَهُ لَفَصَّلَ كَمَا فَصَّلَ فِي الْعِشَاءِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَوْله : ( نَقِيَّةٌ ) بِالنُّونِ أَوَّلَهُ ، أَيْ خَالِصَةً صَافِيَةً لَمْ تَدْخُلْهَا صُفْرَةٌ وَلَا تَغَيُّرٌ . قَوْلُهُ : ( إِذَا وَجَبَتْ ) أَيْ غَابَتْ ، وَأَصْلُ الْوُجُوبِ السُّقُوطُ ، وَالْمُرَادُ سُقُوطُ قُرْصِ الشَّمْسِ ، وَفَاعِلُ وَجَبَتْ مُسْتَتِرٌ وَهُوَ الشَّمْسُ . وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ وَالْمَغْرِبُ إِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَلِأَبِي عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي النَّضْرِ ، عَنْ شُعْبَةَ وَالْمَغْرِبُ حِينَ تَجِبُ الشَّمْسُ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ سُقُوطَ قُرْصِ الشَّمْسِ يَدْخُلُ بِهِ وَقْتُ الْمَغْرِبِ ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَحَلَّهُ مَا إِذَا كَانَ لَا يَحُولُ بَيْنَ رُؤْيَتِهَا غَارِبَةً وَبَيْنَ الرَّائِي حَائِلٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَوْله : ( وَالْعِشَاءُ أَحْيَانًا وَأَحْيَانًا ) وَلِمُسْلِمٍ : أَحْيَانًا يُؤَخِّرُهَا وَأَحْيَانًا يُعَجِّلُ ، كَانَ إِذَا رَآهُمْ قَدِ اجْتَمَعُوا إِلَخْ وَلِلْمُصَنِّفِ فِي بَابِ وَقْتِ الْعِشَاءِ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ شُعْبَةَ إِذَا كَثُرَ النَّاسُ عَجَّلَ ، وَإِذَا قَلُّوا أَخَّرَ وَنَحْوُهُ لِأَبِي عَوَانَةَ فِي رِوَايَةٍ . وَالْأَحْيَانُ جَمْعُ حِينٍ ، وَهُوَ اسْمٌ مُبْهَمٌ يَقَعُ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ مِنَ الزَّمَانِ عَلَى الْمَشْهُورِ ، وَقِيلَ الْحِينُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ وَقِيلَ أَرْبَعُونَ سَنَةً وَحَدِيثُ الْبَابِ يُقَوِّي الْمَشْهُورَ . وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى حُكْمِ وَقْتِ الْعِشَاءِ فِي بَابِهِ .
وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : إِذَا تَعَارَضَ فِي شَخْصٍ أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ يُقَدِّمَ الصَّلَاةَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ مُنْفَرِدًا أَوْ يُؤَخِّرَهَا فِي الْجَمَاعَةِ ، أَيُّهُمَا أَفْضَلُ ؟ الْأَقْرَبُ عِنْدِي أَنَّ التَّأْخِيرَ لِصَلَاةِ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ ، وَحَدِيثُ الْبَابِ يَدُلُّ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ : وَإِذَا رَآهُمْ أَبْطَئُوا أَخَّرَ فَيُؤَخِّرُ لِأَجْلِ الْجَمَاعَةِ مَعَ إِمْكَانِ التَّقْدِيمِ . قُلْتُ : وَرِوَايَةُ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الَّتِي تَقَدَّمَتْ تَدُلُّ عَلَى أَخَصِّ مِنْ ذَلِكَ ، وَهُوَ أَنَّ انْتِظَارَ مَنْ تَكْثُرُ بِهِمُ الْجَمَاعَةُ أَوْلَى مِنَ التَّقْدِيمِ ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ مَا إِذَا لَمْ يَفْحُشِ التَّأْخِيرُ وَلَمْ يَشُقَّ عَلَى الْحَاضِرِينَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْله : ( كَانُوا أَوْ كَانَ ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : الشَّكُّ مِنَ الرَّاوِي عَنْ جَابِرٍ ، وَمَعْنَاهُمَا مُتَلَازِمَانِ لِأَنَّ أَيَّهُمَا كَانَ يَدْخُلُ فِيهِ الْآخَرُ ، إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَالصَّحَابَةُ فِي ذَلِكَ كَانُوا مَعَهُ ، وَإِنْ أَرَادَ الصَّحَابَةُ فَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِمَامَهُمْ ، أَيْ كَانَ شَأْنُهُ التَّعْجِيلُ لَهَا دَائِمًا لَا كَمَا كَانَ يَصْنَعُ فِي الْعِشَاءِ مِنْ تَعْجِيلِهَا أَوْ تَأْخِيرِهَا .
وَخَبَرُ كَانُوا مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ يُصَلِّيهَا ، أَيْ كَانُوا يُصَلُّونَ . وَالْغَلَسُ بِفَتْحِ اللَّامِ ظُلْمَةُ آخِرِ اللَّيْلِ ، وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ مَا حَاصِلُهُ : فِيهِ حَذْفَانِ ، حَذْفُ خَبَرِ كَانُوا وَهُوَ جَائِزٌ كَحَذْفِ خَبَرِ الْمُبْتَدَأِ فِي قَوْلِهِ : وَاللائِي لَمْ يَحِضْنَ أَيْ فَعِدَّتُهُنَّ مِثْلُ ذَلِكَ ، وَالْحَذْفُ الثَّانِي حَذْفُ الْجُمْلَةِ الَّتِي بَعْدَ أَوْ تَقْدِيرُهُ : أَوْ لَمْ يَكُونُوا مُجْتَمِعِينَ . قَالَ ابْنُ التِّينِ : وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ كَانُوا هُنَا تَامَّةً غَيْرَ نَاقِصَةٍ بِمَعْنَى الْحُضُورِ وَالْوُقُوعِ ، فَيَكُونُ الْمَحْذُوفُ مَا بَعْدَ أَوْ خَاصَّةً .
وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ شَكًّا مِنَ الرَّاوِي هَلْ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَوْ كَانُوا . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَقْدِيرُهُ : وَالصُّبْحُ كَانُوا مُجْتَمِعِينَ مَعَ النَّبِيِّ ، أَوْ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَحْدَهُ يُصَلِّيهَا بِالْغَلَسِ . قُلْتُ : وَالتَّقْدِيرُ الْمُتَقَدِّمُ أَوْلَى .
وَالْحَقُّ أَنَّهُ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي ، فَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَالصُّبْحُ كَانُوا أَوْ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَفِيهِ حَذْفٌ وَاحِدٌ تَقْدِيرُهُ : وَالصُّبْحُ كَانُوا يُصَلُّونَهَا - أَوْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّيهَا بِغَلَسٍ ، فَقَوْلُهُ بِغَلَسٍ يَتَعَلَّقُ بِأَيِّ اللَّفْظَيْنِ كَانَ هُوَ الْوَاقِعُ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ قَوْلِهِ كَانُوا يُصَلُّونَهَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ ، وَلَا مِنْ قَوْلِهِ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ وَحْدَهُ ، بَلِ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ كَانُوا يُصَلُّونَهَا أَيِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَصْحَابِهِ ، وَهَكَذَا قَوْلُهُ : كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّيهَا أَيْ بِأَصْحَابِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .