بَاب الْأَذَانِ قَبْلَ الْفَجْرِ
بَاب الْأَذَانِ قَبْلَ الْفَجْرِ 621 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قَالَ : حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ أَوْ أَحَدًا مِنْكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ مِنْ سَحُورِهِ فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ أَوْ يُنَادِي بِلَيْلٍ لِيَرْجِعَ قَائِمَكُمْ وَلِيُنَبِّهَ نَائِمَكُمْ وَلَيْسَ أَنْ يَقُولَ الْفَجْرُ أَوْ الصُّبْحُ وَقَالَ بِأَصَابِعِهِ وَرَفَعَهَا إِلَى فَوْقُ وَطَأْطَأَ إِلَى أَسْفَلُ حَتَّى يَقُولَ هَكَذَا . وَقَالَ زُهَيْرٌ بِسَبَّابَتَيْهِ إِحْدَاهُمَا فَوْقَ الْأُخْرَى ثُمَّ مَدَّهَا عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ الْأَذَانِ قَبْلَ الْفَجْرِ ) أَيْ مَا حُكْمُهُ ؟ هَلْ يَشْرَعُ أَوْ لَا ؟ وَإِذَا شُرِعَ هَلْ يُكْتَفَى بِهِ عَنْ إِعَادَةِ الْأَذَانِ بَعْدَ الْفَجْرِ أَوْ لَا ؟ وَإِلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ مُطْلَقًا ذَهَبَ الْجُمْهُورُ .
وَخَالَفَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَمُحَمَّدٌ ، وَإِلَى الِاكْتِفَاءِ مُطْلَقًا ذَهَبَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ وَأَصْحَابُهُمْ ، وَخَالَفَ ابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَقَالَ بِهِ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ ، وَادَّعَى بَعْضُهُمْ أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي شَيْءٍ مِنَ الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى الِاكْتِفَاءِ ، وَتُعُقِّبَ بِحَدِيثِ الْبَابِ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مَسْكُوتٌ عَنْهُ فَلَا يَدُلُّ ، عَلَى التَّنَزُّلِ فَمَحَلُّهُ فِيمَا إِذَا لَمْ يَرِدْ نُطْقٌ بِخِلَافِهِ ، وَهُنَا قَدْ وَرَدَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ، وَعَائِشَةَ بِمَا يُشْعِرُ بِعَدَمِ الِاكْتِفَاءِ ، وَكَأَنَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي إِيرَادِ الْبُخَارِيِّ لِحَدِيثِهِمَا فِي هَذَا الْبَابِ عَقِبَ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، نَعَمْ حَدِيثُ زِيَادِ بْنِ الْحَارِثِ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ يَدُلُّ عَلَى الِاكْتِفَاءِ ، فَإِنَّ فِيهِ أَنَّهُ أَذَّنَ قَبْلَ الْفَجْرِ بِأَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَأَنَّهُ اسْتَأْذَنَهُ فِي الْإِقَامَةِ فَمَنَعَهُ ، إِلَى أَنْ طَلَعَ الْفَجْرُ فَأَمَرَهُ فَأَقَامَ ، لَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ . وَأَيْضًا فَهِيَ وَاقِعَةُ عَيْنٍ وَكَانَتْ فِي سَفَرٍ ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : إِنَّهُ مَذْهَبٌ وَاضِحٌ ، غَيْرَ أَنَّ الْعَمَلَ الْمَنْقُولَ بِالْمَدِينَةِ عَلَى خِلَافِهِ . انْتَهَى .
فَلَمْ يُرِدْهُ إِلَّا بِالْعَمَلِ عَلَى قَاعِدَةِ الْمَالِكِيَّةِ . وَادَّعَى بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ - كَمَا حَكَاهُ السُّرُوجِيُّ مِنْهُمْ - أَنَّ النِّدَاءَ قَبْلَ الْفَجْرِ لَمْ يَكُنْ بِأَلْفَاظِ الْأَذَانِ ، وَإِنَّمَا كَانَ تَذْكِيرًا أَوْ تَسْحِيرًا كَمَا يَقَعُ لِلنَّاسِ الْيَوْمَ ، وَهَذَا مَرْدُودٌ ، لَكِنَّ الَّذِي يَصْنَعُهُ النَّاسُ الْيَوْمَ مُحْدَثٌ قَطْعًا وَقَدْ تَضَافَرَتِ الطُّرُقُ عَلَى التَّعْبِيرِ بِلَفْظِ الْأَذَانِ ، فَحَمْلُهُ عَلَى مَعْنَاهُ الشَّرْعِيِّ مُقَدَّمٌ ، وَلِأَنَّ الْأَذَانَ الْأَوَّلَ لَوْ كَانَ بِأَلْفَاظٍ مَخْصُوصَةٍ لَمَا الْتَبَسَ عَلَى السَّامِعِينَ . وَسِيَاقُ الْخَبَرِ يَقْتَضِي أَنَّهُ خَشِيَ عَلَيْهِمُ الِالْتِبَاسَ .
وَادَّعَى ابْنُ الْقَطَّانِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي رَمَضَانَ خَاصَّةً وَفِيهِ نَظَرٌ . قَوْلُهُ : ( زُهَيْرٌ ) هُوَ ابْنُ مُعَاوِيَةَ الْجُعْفِيُّ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي عُثْمَانَ ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِيهِ حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ وَلَمْ أَرَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي عُثْمَانَ عَنْهُ ، وَلَا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي عُثْمَانَ إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْهُ .
وَاشْتُهِرَ عَنْ سُلَيْمَانَ ، وَلَهُ شَاهِدٌ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ . قَوْلُهُ : ( أَحَدُكُمْ أَوْ أُحُدٌ مِنْكُمْ ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي وَكِلَاهُمَا يُفِيدُ الْعُمُومَ وَإِنِ اخْتَلَفَتِ الْحَيْثِيَّةُ . قَوْلُهُ : ( مِنْ سَحُورِهِ ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ اسْمٌ لِمَا يُؤْكَلُ فِي السَّحَرِ ، وَيَجُوزُ الضَّمُّ وَهُوَ اسْمُ الْفِعْلِ .
قَوْلُهُ : ( لِيَرْجِعَ ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْجِيمِ الْمُخَفَّفَةِ يُسْتَعْمَلُ هَذَا لَازِمًا وَمُتَعَدِّيًا ، يُقَالُ رَجَعَ زَيْدٌ وَرَجَعَتُ زَيْدًا وَلَا يُقَالُ فِي الْمُتَعَدِّي بِالتَّثْقِيلِ . فَعَلَى هَذَا مَنْ رَوَاهُ بِالضَّمِّ وَالتَّثْقِيلِ أَخْطَأَ فَإِنَّهُ يَصِيرُ مِنَ التَّرْجِيعِ وَهُوَ التَّرْدِيدُ ، وَلَيْسَ مُرَادَنَا هُنَا ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ يَرِدُ الْقَائِمُ - أَيِ الْمُتَهَجِّدُ - إِلَى رَاحَتِهِ لِيَقُومَ إِلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ نَشِيطًا ، أَوْ يَكُونَ لَهُ حَاجَةٌ إِلَى الصِّيَامِ فَيَتَسَحَّرُ ، وَيُوقِظُ النَّائِمَ لِيَتَأَهَّبَ لَهَا بِالْغُسْلِ وَنَحْوِهِ ، وَتَمَسَّكَ الطَّحَاوِيُّ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ هَذَا لِمَذْهَبِهِ فَقَالَ : فَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّ ذَلِكَ النِّدَاءَ كَانَ لِمَا ذُكِرَ لَا لِلصَّلَاةِ . وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ قَوْلَهُ : لَا لِلصَّلَاةِ زِيَادَةٌ فِي الْخَبَرِ ، وَلَيْسَ فِيهِ حَصْرٌ فِيمَا ذُكِرَ ، فَإِنْ قِيلَ : تَقَدَّمَ فِي تَعْرِيفِ الْأَذَانِ الشَّرْعِيِّ أَنَّهُ إِعْلَامٌ بِدُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ بِأَلْفَاظٍ مَخْصُوصَةٍ وَالْأَذَانُ قَبْلَ الْوَقْتِ ، لَيْسَ إِعْلَامًا بِالْوَقْتِ ، فَالْجَوَابُ أَنَّ الْإِعْلَامَ بِالْوَقْتِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ إِعْلَامًا بِأَنَّهُ دَخَلَ أَوْ قَارَبَ أَنْ يَدْخُلَ ، وَإِنَّمَا اخْتَصَّتِ الصُّبْحُ بِذَلِكَ مِنْ بَيْنِ الصَّلَوَاتِ لِأَنَّ الصَّلَاةَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا مُرَغَّبٌ فِيهِ ، وَالصُّبْحُ يَأْتِي غَالِبًا عَقِبَ نَوْمٍ فَنَاسَبَ أَنْ يُنَصَّبَ مَنْ يُوقِظُ النَّاسَ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا لِيَتَأَهَّبُوا وَيُدْرِكُوا فَضِيلَةَ أَوَّلِ الْوَقْتِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَوْلُهُ : ( وَلَيْسَ أَنْ يَقُولَ الْفَجْرُ ) فِيهِ إِطْلَاقُ الْقَوْلِ عَلَى الْفِعْلِ أَيْ يَظْهَرُ ، وَكَذَا قَوْلُهُ : ( وَقَالَ بِأَصَابِعِهِ وَرَفَعَهَا ) أَيْ أَشَارَ . وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ . بِإِصْبَعَيْهِ وَرَفَعَهُمَا .
قَوْلُهُ : ( إِلَى فَوْقُ ) بِالضَّمِّ عَلَى الْبِنَاءِ ، وَكَذَا ( أَسْفَلُ ) لِنِيَّةِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ دُونَ لَفْظِهِ نَحْوُ لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ زُهَيْرٌ ) أَيِ الرَّاوِي ، وَهِيَ أَيْضًا بِمَعْنَى أَشَارَ ، وَكَأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ ثُمَّ فَرَّقَهُمَا لِيَحْكِيَ صِفَةَ الْفَجْرِ الصَّادِقِ لِأَنَّهُ يَطْلُعُ مُعْتَرِضًا ثُمَّ يَعُمُّ الْأُفُقَ ذَاهِبًا يَمِينًا وَشِمَالًا ، بِخِلَافِ الْفَجْرِ الْكَاذِبِ وَهُوَ الَّذِي تُسَمِّيهِ الْعَرَبُ ذَنَبُ السِّرْحَانِ فَإِنَّهُ يَظْهَرُ فِي أَعْلَى السَّمَاءِ ثُمَّ يَنْخَفِضُ وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ رَفَعَ وَطَأْطَأَ رَأْسَهُ ، وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ عِيسَى بْنِ يُونُسَ ، عَنْ سُلَيْمَانَ فَإِنَّ الْفَجْرَ لَيْسَ هَكَذَا وَلَا هَكَذَا ، وَلَكِنَّ الْفَجْرَ هَكَذَا فَكَأَنَّ أَصْلَ الْحَدِيثِ كَانَ بِهَذَا اللَّفْظِ مَقْرُونًا بِالْإِشَارَةِ الدَّالَّةِ عَلَى الْمُرَادِ ، وَبِهَذَا اخْتَلَفَتْ عِبَارَةُ الرُّوَاةِ ، وَأَخْصَرُ مَا وَقَعَ فِيهَا رِوَايَةُ جَرِيرٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَلَيْسَ الْفَجْرَ الْمُعْتَرِضَ وَلَكِنِ الْمُسْتَطِيلَ .