حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب الْأَذَانِ لِلْمُسَافِرِ إِذَا كَانُوا جَمَاعَةً وَالْإِقَامَةِ

حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا يَحْيَى ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي نَافِعٌ ، قَالَ : أَذَّنَ ابْنُ عُمَرَ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ بِضَجْنَانَ ، ثُمَّ قَالَ : صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ ، فَأَخْبَرَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْمُرُ مُؤَذِّنًا يُؤَذِّنُ ثُمَّ يَقُولُ عَلَى إِثْرِهِ : أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ فِي اللَّيْلَةِ الْبَارِدَةِ ، أَوْ الْمَطِيرَةِ ، فِي السَّفَرِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى ) هُوَ الْقَطَّانُ . قَوْلُهُ : ( بِضَجْنَانَ ) هُوَ بِفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالْجِيمِ بَعْدَهَا نُونٌ عَلَى وَزْنِ فَعْلَانَ ، غَيْرُ مَصْرُوفٍ ، قَالَ صَاحِبُ الصِّحَاحِ وَغَيْرُهُ : هُوَ جَبَلٌ بِنَاحِيَةِ مَكَّةَ .

وَقَالَ أَبُو مُوسَى فِي ذَيْلِ الْغَرِيبَيْنَ : هُوَ مَوْضِعٌ أَوْ جَبَلٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ . وَقَالَ صَاحِبُ الْمَشَارِقِ وَمَنْ تَبِعَهُ : هُوَ جَبَلٌ عَلَى بَرِيدٍ مِنْ مَكَّةَ . وَقَالَ صَاحِبُ الْفَائِقِ : بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ مِيلًا ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ وَادِي مُرَيْسِعَةٍ أَمْيَالٌ .

انْتَهَى . وَهَذَا الْقَدْرُ أَكْثَرُ مِنْ بَرِيدَيْنِ . وَضَبْطُهُ بِالْأَمْيَالِ يَدُلُّ عَلَى مَزِيدِ اعْتِنَاءٍ ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ مِمَّنْ شَاهَدَ تِلْكَ الْأَمَاكِنَ وَاعْتَنَى بِهَا ، خِلَافُ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِمَّنْ لَمْ يَرَهَا أَصْلًا .

وَيُؤَيِّدُهُ مَا حَكَاهُ أَبُو عَبِيدٍ الْبَكْرِيُّ ، قَالَ : وَبَيْنَ قُدَيْدٍ وَضَجْنَانَ يَوْمٌ . قَالَ مَعْبَدٌ الْخُزَاعِيُّ : قَدْ جَعَلْتُ مَاءَ قُدَيْدٍ مَوْعِدِي وَمَاءَ ضَجْنَانَ لَهَا ضُحَى الْغَدِ قَوْلُهُ : ( وَأَخْبَرَنَا ) أَيِ ابْنُ عُمَرَ . قَوْلُهُ : ( كَانَ يَأْمُرُ مُؤَذِّنًا ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ كَانَ يَأْمُرُ الْمُؤَذِّنَ .

قَوْلُهُ : ( ثُمَّ يَقُولُ عَلَى أَثَرِهِ ) صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْقَوْلَ الْمَذْكُورَ كَانَ بَعْدَ فَرَاغِ الْأَذَانِ ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : لَمَّا ذَكَرَ رِوَايَةَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ يَقُولُ فِي آخِرِ نِدَائِهِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ فِي آخِرِهِ قُبَيْلَ الْفَرَاغِ مِنْهُ ، جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ . انْتَهَى . وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي بَابِ الْكَلَامِ فِي الْأَذَانِ عَنِ ابْنِ خُزَيْمَةَ ، أَنَّهُ حَمَلَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى ظَاهِرِهِ ، وَأَنَّ ذَلِكَ يُقَالُ بَدَلًا مِنَ الْحَيْعَلَةِ نَظَرًا إِلَى الْمَعْنَى ، لِأَنَّ مَعْنَى حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ هَلُمُّوا إِلَيْهَا ، وَمَعْنَى الصَّلَاةَ فِي الرِّحَالِ : تَأَخَّرُوا عَنِ الْمَجِيءِ ، وَلَا يُنَاسِبُ إِيرَادَ اللَّفْظَيْنِ مَعًا ، لِأَنَّ أَحَدَهُمَا نَقِيضُ الْآخَرِ .

اهـ . وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ مَا ذُكِرَ بِأَنْ يَكُونَ مَعْنَى الصَّلَاةِ فِي الرِّحَالِ رُخْصَةٌ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَرَخَّصَ ، وَمَعْنَى هَلُمُّوا إِلَى الصَّلَاةِ نَدْبٌ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَكْمِلَ الْفَضِيلَةَ وَلَوْ تَحَمَّلَ الْمَشَقَّةَ . وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ حَدِيثُ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ قَالَ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَفَرٍ ، فَمُطِرْنَا ، فَقَالَ : لِيُصَلِّ مَنْ شَاءَ مِنْكُمْ فِي رَحْلِهِ .

قَوْلُهُ : ( فِي اللَّيْلَةِ الْبَارِدَةِ أَوِ الْمَطِيرَةِ ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى فَاعِلَةٍ ، وَإِسْنَادُ الْمَطَرِ إِلَيْهَا مَجَازٌ ، وَلَا يُقَالُ إِنَّهَا بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ - أَيْ مَمْطُورٌ فِيهَا - لِوُجُودِ الْهَاءِ فِي قَوْلِهِ مَطِيرَةٍ ، إِذْ لَا يَصِحُّ مَمْطُورَةٌ فِيهَا . اهـ . مُلَخَّصًا .

وَقَوْلُهُ : ( أَوْ ) لِلتَّنْوِيعِ لَا لِلشَّكِّ ، وَفِي صَحِيحِ أَبِي عَوَانَةَ لَيْلَةٌ بَارِدَةٌ أَوْ ذَاتُ مَطَرٍ أَوْ ذَاتُ رِيحٍ وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ كُلًّا مِنَ الثَّلَاثَةِ عُذْرٌ فِي التَّأَخُّرِ عَنِ الْجَمَاعَةِ ، وَنَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ فِيهِ الْإِجْمَاعَ ، لَكِنَّ الْمَعْرُوفَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ : أَنَّ الرِّيحَ عُذْرٌ فِي اللَّيْلِ فَقَطْ ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ اخْتِصَاصُ الثَّلَاثَةِ بِاللَّيْلِ ، لَكِنْ فِي السُّنَنِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ نَافِعٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي اللَّيْلَةِ الْمَطِيرَةِ وَالْغَدَاةِ الْقَرَّةِ ، وَفِيهَا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الْمَلِيحِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُمْ مُطِرُوا يَوْمًا ، فَرَخَّصَ لَهُمْ . وَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ التَّرَخُّصَ بِعُذْرِ الرِّيحِ فِي النَّهَارِ صَرِيحًا ، لَكِنَّ الْقِيَامَ يَقْتَضِي إِلْحَاقَهُ ، وَقَدْ نَقَلَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَجْهًا . قَوْلُهُ : ( فِي السَّفَرِ ) ظَاهِرُهُ اخْتِصَاصُ ذَلِكَ بِالسَّفَرِ ، وَرِوَايَةُ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ الْآتِيَةُ فِي أَبْوَابِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ مُطْلَقَةٌ ، وَبِهَا أَخَذَ الْجُمْهُورُ ، لَكِنَّ قَاعِدَةَ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ تَقْتَضِي أَنْ يَخْتَصَّ ذَلِكَ بِالْمُسَافِرِ مُطْلَقًا ، وَيُلْحَقُ بِهِ مَنْ تَلْحَقُهُ بِذَلِكَ مَشَقَّةٌ فِي الْحَضَرِ دُونَ مَنْ لَا تَلْحَقُهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

ورد في أحاديث5 أحاديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث