بَاب إِذَا طَوَّلَ الْإِمَامُ وَكَانَ لِلرَّجُلِ حَاجَةٌ فَخَرَجَ فَصَلَّى
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ عَمْرٍو قَالَ : سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : كَانَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ يَرْجِعُ فَيَؤُمُّ قَوْمَهُ ، فَصَلَّى الْعِشَاءَ ، فَقَرَأَ بِالْبَقَرَةِ ، فَانْصَرَفَ الرَّجُلُ ، فَكَأَنَّ مُعَاذًا تَنَاوَلَ مِنْهُ ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : فَتَّانٌ فَتَّانٌ فَتَّانٌ ، ثَلَاثَ مِرَارٍ ، أَوْ قَالَ : فَاتِنًا فَاتِنًا فَاتِنًا ، وَأَمَرَهُ بِسُورَتَيْنِ مِنْ أَوْسَطِ الْمُفَصَّلِ . قَالَ عَمْرٌو : لَا أَحْفَظُهُمَا . قَوْلُهُ : ( فَصَلَّى الْعِشَاءَ ) كَذَا فِي مُعْظَمِ الرِّوَايَاتِ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِأَبِي عَوَانَةَ ، وَالطَّحَاوِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُحَارِبٍ : صَلَّى بِأَصْحَابِهِ الْمَغْرِبَ ، وَكَذَا لِعَبْدِ الرَّزَّاقِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الزُّبَيْرِ ، فَإِنْ حُمِلَ عَلَى تَعَدُّدِ الْقِصَّةِ كَمَا سَيَأْتِي أَوْ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَغْرِبِ الْعِشَاءُ مَجَازًا تَمَّ ، وَإِلَّا فَمَا فِي الصَّحِيحِ أَصَحُّ .
قَوْلُهُ : ( فَقَرَأَ بِالْبَقَرَةِ ) اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى مَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَقُولَ الْبَقَرَةَ بَلْ سُورَةُ الْبَقَرَةِ ، لَكِنْ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سُفْيَانَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ : فَقَرَأَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ ، وَلِمُسْلِمٍ ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ نَحْوُهُ ، وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الْأَدَبِ فَقَرَأَ بِهِمُ الْبَقَرَةَ فَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ تَصَرُّفَاتِ الرُّوَاةِ ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ ابْتَدَأَ فِي قِرَاءَتِهَا ، وَبِهِ صَرَّحَ مُسْلِمٌ وَلَفْظُهُ : فَافْتَتَحَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ ، وَفِي رِوَايَةِ مُحَارِبٍ : فَقَرَأَ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ أَوِ النِّسَاءِ عَلَى الشَّكِّ ، وَلِلسَّرَّاجِ مِنْ رِوَايَةِ مِسْعَرٍ ، عَنْ مُحَارِبٍ : فَقَرَأَ بِالْبَقَرَةِ وَالنِّسَاءِ ، كَذَا رَأَيْتُهُ بِخَطِّ الزَّكِيِّ الْبَرْزَالِيِّ بِالْوَاوِ ، فَإِنْ كَانَ ضَبَطَهُ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ قَرَأَ فِي الْأُولَى بِالْبَقَرَةِ ، وَفِي الثَّانِيَةِ بِالنِّسَاءِ ، وَوَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ : فَقَرَأَ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ ، وَهِيَ شَاذَّةٌ إِلَّا إِنْ حُمِلَ عَلَى التَّعَدُّدِ ، وَلَمْ يَقَعْ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ الْمُتَقَدِّمَةِ تَسْمِيَةُ هَذَا الرَّجُلِ ، لَكِنْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ وَالْبَزَّارُ مِنْ طَرِيقِهِ عَنْ طَالِبِ بْنِ حَبِيبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : مَرَّ حَزْمُ بْنُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، بِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ، وَهُوَ يُصَلِّي بِقَوْمِهِ صَلَاةَ الْعَتَمَةِ ، فَافْتَتَحَ بِسُورَةٍ طَوِيلَةٍ ، وَمَعَ حَزْمٍ نَاضِحٌ لَهُ الْحَدِيثَ . قَالَ الْبَزَّارُ : لَا نَعْلَمُ أَحَدًا سَمَّاهُ عَنْ جَابِرٍ إِلَّا ابْنَ جَابِرٍ ، اهـ . وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي السُّنَنِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ طَالِبٍ ، فَجَعَلَهُ عَنِ ابْنِ جَابِرٍ ، عَنْ حَزْمٍ صَاحِبِ الْقِصَّةِ ، وَابْنُ جَابِرٍ لَمْ يُدْرِكْ حَزْمًا .
وَوَقَعَ عِنْدَهُ : صَلَاةُ الْمَغْرِبِ وَهُوَ نَحْوُ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الِاخْتِلَافِ فِي رِوَايَةِ مُحَارِبٍ ، وَرَوَاهُ ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ فَسَمَّاهُ حَازِمًا وَكَأَنَّهُ صَحَّفَهُ ، أَخْرَجَهُ ابْنُ شَاهِينَ مِنْ طَرِيقِهِ ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَأَبُو يَعْلَى ، وَابْنُ السَّكَنِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : كَانَ مُعَاذٌ يَؤُمُّ قَوْمَهُ ، فَدَخَلَ حَرَامٌ ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَسْقِيَ نَخْلَهُ ، الْحَدِيثَ ، كَذَا فِيهِ بِرَاءٍ بَعْدَهَا أَلِفٌ ، وَظَنَّ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ حَرَامُ بْنُ مِلْحَانَ خَالُ أَنَسٍ ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْخَطِيبُ فِي الْمُبْهَمَاتِ ، لَكِنْ لَمْ أَرَهُ مَنْسُوبًا فِي الرِّوَايَةِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَصْحِيفًا مِنْ حَزْمٍ فَتَجْتَمِعُ هَذِهِ الرِّوَايَاتُ ، وَإِلَى ذَلِكَ يُومِئُ صَنِيعُ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ ؛ فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي الصَّحَابَةِ حَرَامَ بْنَ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَذَكَرَ لَهُ هَذِهِ الْقِصَّةَ ، وَعَزَا تَسْمِيَتَهُ لِرِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، وَلَمْ أَقِفْ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَلَى تَسْمِيَةِ أَبِيهِ ، وَكَأَنَّهُ بَنَى عَلَى أَنَّ اسْمَهُ تَصَحَّفَ وَالْأَبُ وَاحِدٌ ، سَمَّاهُ جَابِرٌ وَلَمْ يُسَمِّهِ أَنَسٌ . وَجَاءَ فِي تَسْمِيَتِهِ قَوْلٌ آخَرُ ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ مُعَاذِ بْنِ رِفَاعَةَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ يُقَالُ لَهُ : سُلَيْمٌ ، أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّا نَظَلُّ فِي أَعْمَالِنَا ، فَنَأْتِي حِينَ نُمْسِي فَنُصَلِّي ، فَيَأْتِي مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ فَيُنَادِي بِالصَّلَاةِ ، فَنَأْتِيهِ فَيُطَوِّلُ عَلَيْنَا ، الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ أَنَّهُ اسْتُشْهِدَ بِأُحُدٍ ، وَهَذَا مُرْسَلٌ ؛ لِأَنَّ مُعَاذَ بْنَ رِفَاعَةَ لَمْ يُدْرِكْهُ ، وَقَدْ رَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ عَنْ مُعَاذِ بْنِ رِفَاعَةَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي سَلِمَةَ ، فَذَكَرَهُ مُرْسَلًا ، وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ جَابِرٍ ، وَسَمَّاهُ سُلَيْمًا أَيْضًا ، لَكِنْ وَقَعَ عِنْدَ ابْنِ حَزْمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَنَّ اسْمَهُ سَلْمٌ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ اللَّامِ ، وَكَأَنَّهُ تَصْحِيفٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ هَذَا الِاخْتِلَافِ بِأَنَّهُمَا وَاقِعَتَانِ ، وَأَيَّدَ ذَلِكَ بِالِاخْتِلَافِ فِي الصَّلَاةِ هَلْ هِيَ الْعِشَاءُ أَوِ الْمَغْرِبُ ، وَبِالِاخْتِلَافِ فِي السُّورَةِ هَلْ هِيَ الْبَقَرَةُ أَوِ اقْتَرَبَتْ ، وَبِالِاخْتِلَافِ فِي عُذْرِ الرَّجُلِ هَلْ هُوَ لِأَجْلِ التَّطْوِيلِ فَقَطْ ؛ لِكَوْنِهِ جَاءَ مِنَ الْعَمَلِ وَهُوَ تَعْبَانٌ ، أَوْ لِكَوْنِهِ أَرَادَ أَنْ يَسْقِيَ نَخْلَهُ إِذْ ذَاكَ ، أَوْ لِكَوْنِهِ خَافَ عَلَى الْمَاءِ فِي النَّخْلِ كَمَا فِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ .
وَاسْتُشْكِلَ هَذَا الْجَمْعُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُظَنُّ بِمُعَاذٍ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْمُرُهُ بِالتَّخْفِيفِ ثُمَّ يَعُودُ إِلَى التَّطْوِيلِ ، وَيُجَابُ عَنْ ذَلِكَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ قَرَأَ أَوَّلًا بِالْبَقَرَةِ ، فَلَمَّا نَهَاهُ قَرَأَ اقْتَرَبَتْ وَهِيَ طَوِيلَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى السُّوَرِ الَّتِي أَمَرَهُ أَنْ يَقْرَأَ بِهَا ، كَمَا سَيَأْتِي ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ أَوَّلًا وَقَعَ لِمَا يُخْشَى مِنْ تَنْفِيرِ بَعْضِ مَنْ يَدْخُلُ فِي الْإِسْلَامِ ، ثُمَّ لَمَّا اطْمَأَنَّتْ نُفُوسُهُمْ بِالْإِسْلَامِ ظَنَّ أَنَّ الْمَانِعَ زَالَ فَقَرَأَ بِاقْتَرَبَتْ ؛ لِأَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ فَصَادَفَ صَاحِبَ الشُّغْلِ ، وَجَمَعَ النَّوَوِيُّ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ قَرَأَ فِي الْأُولَى بِالْبَقَرَةِ فَانْصَرَفَ رَجُلٌ ، ثُمَّ قَرَأَ اقْتَرَبَتْ فِي الثَّانِيَةِ فَانْصَرَفَ آخَرُ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الزُّبَيْرِ عِنْدَ مُسْلِمٍ : فَانْطَلَقَ رَجُلٌ مِنَّا وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ ، وَيُقَوِّي رِوَايَةَ مَنْ سَمَّاهُ سُلَيْمًا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( فَانْصَرَفَ الرَّجُلُ ) اللَّامُ فِيهِ لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْجِنْسُ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : وَاحِدٌ مِنَ الرِّجَالِ ؛ لِأَنَّ الْمُعَرَّفَ تَعْرِيفَ الْجِنْسِ كَالنَّكِرَةِ فِي مُؤَدَّاهُ .
وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ : فَقَامَ رَجُلٌ فَانْصَرَفَ ، وَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمِ بْنِ حَيَّانَ : فَتَجَوَّزَ رَجُلٌ فَصَلَّى صَلَاةً خَفِيفَةً ، وَلِابْنِ عُيَيْنَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ : فَانْحَرَفَ رَجُلٌ فَسَلَّمَ ثُمَّ صَلَّى وَحْدَهُ ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ قَطَعَ الصَّلَاةَ ، لَكِنْ ذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبَّادٍ شَيْخَ مُسْلِمٍ تَفَرَّدَ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ بِقَوْلِهِ : ثُمَّ سَلَّمَ ، وَأَنَّ الْحُفَّاظَ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ عُيَيْنَةَ وَكَذَا مِنْ أَصْحَابِ شَيْخِهِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَكَذَا مِنْ أَصْحَابِ جَابِرٍ لَمْ يَذْكُرُوا السَّلَامَ ، وَكَأَنَّهُ فَهِمَ أَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ قَطَعَ الصَّلَاةَ ؛ لِأَنَّ السَّلَامَ يُتَحَلَّلُ بِهِ مِنَ الصَّلَاةِ ، وَسَائِرُ الرِّوَايَاتِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَطَعَ الْقُدْوَةَ فَقَطْ وَلَمْ يَخْرُجْ مِنَ الصَّلَاةِ بَلِ اسْتَمَرَّ فِيهَا مُنْفَرِدًا . قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي شَرْحِ الْمُسْنَدِ فِي الْكَلَامِ عَلَى رِوَايَةِ الشَّافِعِيِّ ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : فَتَنَحَّى رَجُلٌ مِنْ خَلْفِهِ فَصَلَّى وَحْدَهُ . هَذَا يُحْتَمَلُ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ أَنَّهُ قَطَعَ الصَّلَاةَ وَتَنَحَّى عَنْ مَوْضِعِ صَلَاتِهِ وَاسْتَأْنَفَهَا لِنَفْسِهِ ، لَكِنَّهُ غَيْرُ مَحْمُولٍ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ لَا يُقْطَعُ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِ ، انْتَهَى .
وَلِهَذَا اسْتَدَلَّ بِهِ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّ لِلْمَأْمُومِ أَنْ يَقْطَعَ الْقُدْوَةَ وَيُتِمَّ صَلَاتَهُ مُنْفَرِدًا . وَنَازَعَ النَّوَوِيُّ فِيهِ فَقَالَ : لَا دَلَالَةَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ فَارَقَهُ وَبَنَى عَلَى صَلَاتِهِ ، بَلْ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي فِيهَا أَنَّهُ سَلَّمَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ قَطَعَ الصَّلَاةَ مِنْ أَصْلِهَا ثُمَّ اسْتَأْنَفَهَا ، فَيَدُلُّ عَلَى جَوَازِ قَطْعِ الصَّلَاةِ وَإِبْطَالِهَا لِعُذْرٍ . قَوْلُهُ : ( فَكَأَنَّ مُعَاذًا يَنَالُ مِنْهُ ) وَلِلْمُسْتَمْلِي : تَنَاوَلَ مِنْهُ وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ : فَكَأَنَّ - بِهَمْزَةٍ وَنُونٍ مُشَدَّدَةٍ - مُعَاذًا تَنَاوَلَ مِنْهُ وَالْأُولَى تَدُلُّ عَلَى كَثْرَةِ ذَلِكَ مِنْهُ بِخِلَافِ الثَّانِيَةِ ، وَمَعْنَى يَنَالُ مِنْهُ أَوْ تَنَاوَلَهُ : ذَكَرَهُ بِسُوءٍ ، وَقَدْ فَسَّرَهُ فِي رِوَايَةِ سُلَيْمِ بْنِ حَيَّانَ وَلَفْظُهُ : فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعَاذًا فَقَالَ : إِنَّهُ مُنَافِقٌ وَكَذَا لِأَبِي الزُّبَيْرِ ، وَلِابْنِ عُيَيْنَةَ فَقَالُوا لَهُ : أَنَافَقْتَ يَا فُلَانُ ؟ قَالَ : لَا ، وَاللَّهِ لَآتِيَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَأُخْبِرَنَّهُ وَكَأَنَّ مُعَاذًا قَالَ ذَلِكَ أَوَّلًا ، ثُمَّ قَالَهُ أَصْحَابُ مُعَاذٍ لِلرَّجُلِ .
قَوْلُهُ : ( فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) بَيَّنَ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِي رِوَايَتِهِ وَكَذَا مُحَارِبٌ ، وَأَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ الَّذِي جَاءَ فَاشْتَكَى مِنْ مُعَاذٍ ، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ : فَقَالَ مُعَاذٌ : لَئِنْ أَصْبَحْتُ لَأَذْكُرَنَّ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَقَالَ : مَا حَمَلَكَ عَلَى الَّذِي صَنَعْتَ ؟ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ عَمِلْتُ عَلَى نَاضِحٍ لِي ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَكَأَنَّ مُعَاذًا سَبَقَهُ بِالشَّكْوَى ، فَلَمَّا أَرْسَلَ إِلَيْهِ جَاءَ فَاشْتَكَى مِنْ مُعَاذٍ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ : فَتَّانٌ ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ : أَفَتَّانٌ أَنْتَ ؟ زَادَ مُحَارِبٌ : ثَلَاثًا . قَوْلُهُ : ( أَوْ قَالَ : فَاتِنًا ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي ، وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ كَانَ الْمُقَدَّرَةِ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الزُّبَيْرِ : أَتُرِيدُ أَنْ تَكُونَ فَاتِنًا ؟ وَلِأَحْمَدَ فِي حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ رِفَاعَةَ الْمُتَقَدِّمِ : يَا مُعَاذُ ، لَا تَكُنْ فَاتِنًا ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ : لَا تُطَوِّلْ بِهِمْ ، وَمَعْنَى الْفِتْنَةِ هَاهُنَا أَنَّ التَّطْوِيلَ يَكُونُ سَبَبًا لِخُرُوجِهِمْ مِنَ الصَّلَاةِ ، وَلِلتَّكَرُّهِ لِلصَّلَاةِ فِي الْجَمَاعَةِ ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عُمَرَ قَالَ : لَا تُبَغِّضُوا إِلَى اللَّهِ عِبَادَهُ ، يَكُونُ أَحَدُكُمْ إِمَامًا فَيُطَوِّلُ عَلَى الْقَوْمِ الصَّلَاةَ حَتَّى يُبَغِّضَ إِلَيْهِمْ مَا هُمْ فِيهِ .
وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ : فَتَّانٌ ، أَيْ : مُعَذِّبٌ ؛ لِأَنَّهُ عَذَّبَهُمْ بِالتَّطْوِيلِ ، وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ قِيلَ : مَعْنَاهُ عَذَّبُوهُمْ . قَوْلُهُ : ( وَأَمَرَهُ بِسُورَتَيْنِ مِنْ أَوْسَطِ الْمُفَصَّلِ ، قَالَ عَمْرٌو ) أَيِ : ابْنُ دِينَارٍ ( لَا أَحْفَظُهُمَا ) وَكَأَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ فِي حَالِ تَحْدِيثِهِ لِشُعْبَةَ ، وَإِلَّا فَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمِ بْنِ حَيَّانَ ، عَنْ عَمْرٍو : اقْرَأْ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ، وَ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾وَنَحْوَهَا . وَقَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ : اقْرَأْ بِكَذَا وَاقْرَأْ بِكَذَا ، قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ : فَقُلْتُ لِعَمْرٍو : إِنَّ أَبَا الزُّبَيْرِ حَدَّثَنَا عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ قَالَ : اقْرَأْ بِالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى ﴾وَبِ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾.
فَقَالَ عَمْرٌو نَحْوَ هَذَا ، وَجَزَمَ بِذَلِكَ مُحَارِبٌ فِي حَدِيثِهِ عَنْ جَابِرٍ ، وَفِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عِنْدَ مُسْلِمٍ مَعَ الثَّلَاثَةِ : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ، زَادَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ : وَالضُّحَى ، أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَفِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ مَعَ الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ : ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ ﴾وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ وَفِي الْمُرَادِ بِالْمُفَصَّلِ أَقْوَالٌ سَتَأْتِي فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ ، أَصَحُّهَا أَنَّهُ مِنْ أَوَّلِ ق إِلَى آخِرِ الْقُرْآنِ . قَوْلُهُ : ( أَوْسَطُ ) يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْمُتَوَسِّطَ وَالسُّوَرَ الَّتِي مَثَّلَ بِهَا مِنْ قِصَارِ الْمُتَوَسِّطِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْمُعْتَدِلَ ، أَيِ : الْمُنَاسِبَ لِلْحَالِ مِنَ الْمُفَصَّلِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى صِحَّةِ اقْتِدَاءِ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ ؛ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مُعَاذًا كَانَ يَنْوِي بِالْأُولَى الْفَرْضَ وَبِالثَّانِيَةِ النَّفْلَ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَالطَّحَاوِيُّ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُمْ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ جَابِرٍ فِي حَدِيثِ الْبَابِ ، زَادَ : هِيَ لَهُ تَطَوُّعٌ وَلَهُمْ فَرِيضَةٌ وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ ، وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ جُرَيْجٍ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِسَمَاعِهِ فِيهِ فَانْتَفَتْ تُهْمَةُ تَدْلِيسِهِ ، فَقَوْلُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ : إِنَّهُ لَا يَصِحُّ مَرْدُودٌ ، وَتَعْلِيلُ الطَّحَاوِيِّ لَهُ بِأَنَّ ابْنَ عُيَيْنَةَ سَاقَهُ عَنْ عَمْرٍو أَتَمَّ مِنْ سِيَاقِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، وَلَمْ يَذْكُرْ هَذِهِ الزِّيَادَةَ لَيْسَ بِقَادِحٍ فِي صِحَّتِهِ ؛ لِأَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَسَنُّ وَأَجَلُّ مِنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ وَأَقْدَمُ أَخْذًا عَنْ عَمْرٍو مِنْهُ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَهِيَ زِيَادَةٌ مِنْ ثِقَةٍ حَافِظٍ ، لَيْسَتْ مُنَافِيَةً لِرِوَايَةِ مَنْ هُوَ أَحْفَظُ مِنْهُ وَلَا أَكْثَرُ عَدَدًا ، فَلَا مَعْنَى لِلتَّوَقُّفِ فِي الْحُكْمِ بِصِحَّتِهَا .
وَأَمَّا رَدُّ الطَّحَاوِيِّ لَهَا بِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ مُدْرَجَةٌ ، فَجَوَابُهُ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْإِدْرَاجِ حَتَّى يَثْبُتَ التَّفْصِيلُ ، فَمَهْمَا كَانَ مَضْمُومًا إِلَى الْحَدِيثِ فَهُوَ مِنْهُ ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا رُوِيَ مِنْ وَجْهَيْنِ ، وَالْأَمْرُ هُنَا كَذَلِكَ ؛ فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ أَخْرَجَهَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ جَابِرٍ مُتَابِعًا لِعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْهُ ، وَقَوْلُ الطَّحَاوِيِّ : هُوَ ظَنٌّ مِنْ جَابِرٍ مَرْدُودٌ ؛ لِأَنَّ جَابِرًا كَانَ مِمَّنْ يُصَلِّي مَعَ مُعَاذٍ ، فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْهُ ، وَلَا يُظَنُّ بِجَابِرٍ أَنَّهُ يُخْبِرُ عَنْ شَخْصٍ بِأَمْرٍ غَيْرِ مُشَاهَدٍ إِلَّا بِأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الشَّخْصُ أَطْلَعَهُ عَلَيْهِ . وَأَمَّا احْتِجَاجُ أَصْحَابِنَا لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ فَلَيْسَ بِجَيِّدٍ ؛ لِأَنَّ حَاصِلَهُ النَّهْيُ عَنِ التَّلَبُّسِ بِصَلَاةٍ غَيْرِ الَّتِي أُقِيمَتْ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِنِيَّةِ فَرْضٍ أَوْ نَفْلٍ ، وَلَوْ تَعَيَّنَتْ نِيَّةُ الْفَرِيضَةِ لَامْتَنَعَ عَلَى مُعَاذٍ أَنْ يُصَلِّيَ الثَّانِيَةَ بِقَوْمِهِ ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ حِينَئِذٍ فَرْضًا لَهُ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِنَا : لَا يُظَنُّ بِمُعَاذٍ أَنْ يَتْرُكَ فَضِيلَةَ الْفَرْضِ خَلْفَ أَفْضَلِ الْأَئِمَّةِ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي هُوَ مِنْ أَفْضَلِ الْمَسَاجِدِ ؛ فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ نَوْعُ تَرْجِيحٍ لَكِنْ لِلْمُخَالِفِ أَنْ يَقُولَ : إِذَا كَانَ ذَلِكَ بِأَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَمْتَنِعْ أَنْ يَحْصُلَ لَهُ الْفَضْلُ بِالِاتِّبَاعِ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ الْخَطَّابِيِّ : إِنَّ الْعِشَاءَ فِي قَوْلِهِ : كَانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْعِشَاءَ حَقِيقَةٌ فِي الْمَفْرُوضَةِ ، فَلَا يُقَالُ : كَانَ يَنْوِي بِهَا التَّطَوُّعَ ؛ لِأَنَّ لِمُخَالِفِهِ أَنْ يَقُولَ : هَذَا لَا يُنَافِي أَنْ يَنْوِيَ بِهَا التَّنَفُّلَ . وَأَمَّا قَوْلُ ابْنُ حَزْمٍ : إِنَّ الْمُخَالِفِينَ لَا يُجِيزُونَ لِمَنْ عَلَيْهِ فَرْضٌ إِذَا أُقِيمَ أَنْ يُصَلِّيَهُ مُتَطَوِّعًا ، فَكَيْفَ يَنْسُبُونَ إِلَى مُعَاذٍ مَا لَا يَجُوزُ عِنْدَهُمْ ؟ فَهَذَا إِنْ كَانَ كَمَا قَالَ نَقْضٌ قَوِيٌّ ، وَأَسْلَمُ الْأَجْوِبَةِ التَّمَسُّكُ بِالزِّيَادَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ .
وَأَمَّا قَوْلُ الطَّحَاوِيِّ : لَا حُجَّةَ فِيهَا ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ بِأَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا تَقْرِيرِهِ . فَجَوَابُهُ أَنَّهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَنَّ رَأْيَ الصَّحَابِيِّ إِذَا لَمْ يُخَالِفْهُ غَيْرُهُ حُجَّةٌ ، وَالْوَاقِعُ هُنَا كَذَلِكَ ؛ فَإِنَّ الَّذِينَ كَانَ يُصَلِّي بِهِمْ مُعَاذٌ كُلُّهمْ صَحَابَةٌ وَفِيهِمْ ثَلَاثُونَ عَقَبِيًّا وَأَرْبَعُونَ بَدْرِيًّا ، قَالَهُ ابْنُ حَزْمٍ ، قَالَ : وَلَا يُحْفَظُ عَنْ غَيْرِهِمْ مِنَ الصَّحَابَةِ امْتِنَاعُ ذَلِكَ ، بَلْ قَالَ مَعَهُمْ بِالْجَوَازِ عُمَرُ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ ، وَأَنَسٌ وَغَيْرُهُمْ . وَأَمَّا قَوْلُ الطَّحَاوِيِّ : لَوْ سَلَّمْنَا جَمِيعَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حُجَّةٌ لِاحْتِمَالِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي كَانَتِ الْفَرِيضَةُ فِيهِ تُصَلَّى مَرَّتَيْنِ ، أَيْ : فَيَكُونُ مَنْسُوخًا ، فَقَدْ تَعَقَّبَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ بِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ إِثْبَاتَ النَّسْخِ بِالِاحْتِمَالِ وَهُوَ لَا يَسُوغُ ، وَبِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ إِقَامَةُ الدَّلِيلِ عَلَى مَا ادَّعَاهُ مِنْ إِعَادَةِ الْفَرِيضَةِ ، اهـ .
وَكَأَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى كِتَابِهِ ؛ فَإِنَّهُ قَدْ سَاقَ فِيهِ دَلِيلَ ذَلِكَ وَهُوَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ رَفَعَهُ : لَا تُصَلُّوا الصَّلَاةَ فِي الْيَوْمِ مَرَّتَيْنِ ، وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ مُرْسَلٍ : إِنَّ أَهْلَ الْعَالِيَةِ كَانُوا يُصَلُّونَ فِي بُيُوتِهِمْ ، ثُمَّ يُصَلُّونَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَبَلَغَهُ ذَلِكَ فَنَهَاهُمْ ، فَفِي الِاسْتِدْلَالِ بِذَلِكَ عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ نَظَرٌ ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ عَنْ أَنْ يُصَلُّوهَا مَرَّتَيْنِ عَلَى أَنَّهَا فَرِيضَةٌ ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْبَيْهَقِيُّ جَمْعًا بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ ، بَلْ لَوْ قَالَ قَائِلٌ : هَذَا النَّهْيُ مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ مُعَاذٍ ، لَمْ يَكُنْ بَعِيدًا ، وَلَا يُقَالُ الْقِصَّةُ قَدِيمَةٌ ؛ لِأَنَّ صَاحِبَهَا اسْتُشْهِدَ بِأُحُدٍ ؛ لِأَنَّا نَقُولُ : كَانَتْ أُحُدٌ فِي أَوَاخِرِ الثَّالِثَةِ فَلَا مَانِعَ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ فِي الْأُولَى وَالْإِذْنُ فِي الثَّالِثَةِ مَثَلًا ، وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ لَمْ يُصَلِّيَا مَعَهُ : إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَصَلِّيَا مَعَهُمْ ؛ فَإِنَّهَا نَافِلَةٌ ، أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ الْأَسْوَدِ الْعَامِرِيِّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُ . وَكَانَ ذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فِي أَوَاخِرِ حَيَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَيَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ أَيْضًا أَمْرُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَنْ أَدْرَكَ الْأَئِمَّةَ الَّذِينَ يَأْتُونَ بَعْدَهُ وَيُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ مِيقَاتِهَا أَنْ صَلُّوهَا فِي بُيُوتِكُمْ فِي الْوَقْتِ ، ثُمَّ اجْعَلُوهَا مَعَهُمْ نَافِلَةً . وَأَمَّا اسْتِدْلَالُ الطَّحَاوِيِّ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى مُعَاذًا عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ سُلَيْمِ بْنِ الْحَارِثِ : إِمَّا أَنْ تُصَلِّيَ مَعِي ، وَإِمَّا أَنْ تُخَفِّفَ بِقَوْمِكَ ، وَدَعْوَاهُ أَنَّ مَعْنَاهُ إِمَّا أَنْ تُصَلِّيَ مَعِي وَلَا تُصَلِّ بِقَوْمِكَ ، وَإِمَّا أَنْ تُخَفِّفَ بِقَوْمِكَ وَلَا تُصَلِّ مَعِي ، فَفِيهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّ لِمُخَالِفِهِ أَنْ يَقُولَ : بَلِ التَّقْدِيرُ إِمَّا أَنْ تُصَلِّي مَعِي فَقَطْ إِذَا لَمْ تُخَفِّفْ ، وَإِمَّا أَنْ تُخَفِّفَ بِقَوْمِكَ فَتُصَلِّي مَعِيَ ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ تَقْدِيرِهِ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ مُقَابَلَةِ التَّخْفِيفِ بِتَرْكِ التَّخْفِيفِ ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَسْئُولُ عَنْهُ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ ، وَأَمَّا تَقْوِيَةُ بَعْضِهِمْ بِكَوْنِهِ مَنْسُوخًا بِأَنَّ صَلَاةَ الْخَوْفِ وَقَعَتْ مِرَارًا عَلَى صِفَةٍ فِيهَا مُخَالَفَةٌ ظَاهِرَةٌ بِالْأَفْعَالِ الْمُنَافِيَةِ فِي حَالِ الْأَمْنِ ، فَلَوْ جَازَتْ صَلَاةُ الْمُفْتَرِضِ خَلْفَ الْمُتَنَفِّلِ لَصَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهِمْ مَرَّتَيْنِ عَلَى وَجْهٍ لَا تَقَعُ فِيهِ مُنَافَاةٌ ، فَلَمَّا لَمْ يَفْعَلْ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى الْمَنْعِ ، فَجَوَابُهُ أَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى بِهِمْ صَلَاةَ الْخَوْفِ مَرَّتَيْنِ ، كَمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ صَرِيحًا ، وَلِمُسْلِمٍ ، عَنْ جَابِرٍ نَحْوُهُ ، وَأَمَّا صَلَاتُهُ بِهِمْ عَلَى نَوْعٍ مِنَ الْمُخَالَفَةِ فَلِبَيَانِ الْجَوَازِ .
وَأَمَّا قَوْلُ بَعْضِهِمْ : كَانَ فِعْلُ مُعَاذٍ لِلضَّرُورَةِ ؛ لِقِلَّةِ الْقُرَّاءِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ . فَهُوَ ضَعِيفٌ كَمَا قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ ؛ لِأَنَّ الْقَدْرَ الْمُجْزِئَ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ كَانَ حَافِظُوهُ كَثِيرًا ، وَمَا زَادَ لَا يَكُونُ سَبَبًا لِارْتِكَابِ أَمْرٍ مَمْنُوعٍ مِنْهُ شَرْعًا فِي الصَّلَاةِ . وَفِي حَدِيثِ الْبَابِ مِنَ الْفَوَائِدِ أَيْضًا اسْتِحْبَابُ تَخْفِيفِ الصَّلَاةِ مُرَاعَاةً لِحَالِ الْمَأْمُومِينَ ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ : لَا يُكْرَهُ التَّطْوِيلُ إِذَا عَلِمَ رِضَاءَ الْمَأْمُومِينَ ، فَيُشْكِلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْإِمَامَ قَدْ لَا يَعْلَمُ حَالَ مَنْ يَأْتِي فَيَأْتَمُّ بِهِ بَعْدَ دُخُولِهِ فِي الصَّلَاةِ كَمَا فِي حَدِيثِ الْبَابِ ، فَعَلَى هَذَا يُكْرَهُ التَّطْوِيلُ مُطْلَقًا إِلَّا إِذَا فُرِضَ فِي مُصَلٍّ بِقَوْمٍ مَحْصُورِينَ رَاضِينَ بِالتَّطْوِيلِ فِي مَكَانٍ لَا يَدْخُلُهُ غَيْرُهُمْ .
وَفِيهِ أَنَّ الْحَاجَةَ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا عُذْرٌ فِي تَخْفِيفِ الصَّلَاةِ ، وَجَوَازُ إِعَادَةِ الْوَاحِدَةِ فِي الْيَوْمِ الْوَاحِدِ مَرَّتَيْنِ ، وَجَوَازُ خُرُوجِ الْمَأْمُومِ مِنَ الصَّلَاةِ لِعُذْرٍ ، وَأَمَّا بِغَيْرِ عُذْرٍ فَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهُمْ وَتُعُقِّبَ ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِأَمْرِ الْأَئِمَّةِ بِالتَّخْفِيفِ فَائِدَةٌ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّ فَائِدَةَ الْأَمْرِ بِالتَّخْفِيفِ الْمُحَافَظَةُ عَلَى صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ ، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ جَوَازُ الصَّلَاةِ مُنْفَرِدًا ، وَهَذَا كَمَا اسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ بِالْقِصَّةِ عَلَى وُجُوبِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ وَفِيهِ نَحْوُ هَذَا النَّظَرِ . وَفِيهِ جَوَازُ صَلَاةِ الْمُنْفَرِدِ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ بِالْجَمَاعَةُ إِذَا كَانَ بِعُذْرٍ . وَفِيهِ الْإِنْكَارُ بِلُطْفٍ ؛ لِوُقُوعِهِ بِصُورَةِ الِاسْتِفْهَامِ ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ تَعْزِيزُ كُلِّ أَحَدٍ بِحَسْبِهِ ، وَالِاكْتِفَاءُ فِي التَّعْزِيزِ بِالْقَوْلِ ، وَالْإِنْكَارُ فِي الْمَكْرُوهَاتِ ، وَأَمَّا تَكْرَارُهُ ثَلَاثًا فَلِلتَّأْكِيدِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْعِلْمِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُعِيدُ الْكَلِمَةَ ثَلَاثًا لِتُفْهَمَ عَنْهُ .
وَفِيهِ اعْتِذَارُ مَنْ وَقَعَ مِنْهُ خَطَأٌ فِي الظَّاهِرِ ، وَجَوَازُ الْوُقُوعِ فِي حَقِّ مَنْ وَقَعَ فِي مَحْذُورٍ ظَاهِرٍ وَإِنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ بَاطِنٌ لِلتَّنْفِيرِ عَنْ فِعْلِ ذَلِكَ ، وَأَنَّهُ لَا لَوْمَ عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مُتَأَوِّلًا ، وَأَنَّ التَّخَلُّفَ عَنِ الْجَمَاعَةِ مِنْ صِفَةِ الْمُنَافِقِ .