بَاب إِذَا بَكَى الْإِمَامُ فِي الصَّلَاةِ
بَاب إِذَا بَكَى الْإِمَامُ فِي الصَّلَاةِ وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ : سَمِعْتُ نَشِيجَ عُمَرَ وَأَنَا فِي آخِرِ الصُّفُوفِ يَقْرَأُ : إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ 716 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ - أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي مَرَضِهِ : مُرُوا أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ ، قَالَتْ عَائِشَةُ : قُلْتُ : إِنَّ أَبَا بَكْرٍ إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يُسْمِعِ النَّاسَ ؛ مِنَ الْبُكَاءِ ، فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ ، فَقَالَ : مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ ، قَالَتْ عَائِشَةُ لِحَفْصَةَ : قُولِي لَهُ : إِنَّ أَبَا بَكْرٍ إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يُسْمِعِ النَّاسَ ؛ مِنَ الْبُكَاءِ ، فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ ، فَفَعَلَتْ حَفْصَةُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَهْ ، إِنَّكُنَّ لَأَنْتُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ ، مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ ، قَالَتْ حَفْصَةُ لِعَائِشَةَ : مَا كُنْتُ لِأُصِيبَ مِنْكِ خَيْرًا . قَوْلُهُ : ( بَابُ إِذَا بَكَى الْإِمَامُ فِي الصَّلَاةِ ) أَيْ : هَلْ تَفْسُدُ أَوْ لَا ؟ وَالْأَثَرُ وَالْخَبَرُ اللَّذَانِ فِي الْبَابِ يَدُلَّانِ عَلَى الْجَوَازِ ، وَعَنِ الشَّعْبِيِّ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ أَنَّ الْبُكَاءَ وَالْأَنِينَ يُفْسِدُ الصَّلَاةَ . وَعَنِ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ إِنْ كَانَ لِذِكْرِ النَّارِ وَالْخَوْفِ لَمْ يُفْسِدْ ، وَفِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ؛ أَصَحُّهَا إِنْ ظَهَرَ مِنْهُ حَرْفَانِ أَفْسَدَ وَإِلَّا فَلَا .
ثَانِيهَا : وَحُكِيَ عَنْ نَصِّهِ فِي الْإِمْلَاءِ أَنَّهُ لَا يُفْسِدُ مُطْلَقًا ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْكَلَامِ ، وَلَا يَكَادُ يَبِينُ مِنْهُ حَرْفٌ مُحَقَّقٌ ، فَأَشْبَهَ الصَّوْتَ الْغُفْلَ . ثَالِثُهَا عَنِ الْقَفَّالِ : إِنْ كَانَ فَمُهُ مُطْبَقًا لَمْ يُفْسِدْ ، وَإِلَّا أَفْسَدَ إِنْ ظَهَرَ مِنْهُ حَرْفَانِ ، وَبِهِ قَطَعَ الْمُتَوَلِّي . وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَقْوَى دَلِيلًا .
( فَائِدَةٌ ) : أَطْلَقَ جَمَاعَةٌ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الضَّحِكِ وَالْبُكَاءِ ، وَقَالَ الْمُتَوَلِّي : لَعَلَّ الْأَظْهَرَ فِي الضَّحِكِ الْبُطْلَانُ مُطْلَقًا ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ هَتْكِ حُرْمَةِ الصَّلَاةِ ، وَهَذَا أَقْوَى مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ ) أَيِ : ابْنُ الْهَادِ ، وَهُوَ تَابِعِيٌّ كَبِيرٌ لَهُ رُؤْيَةٌ ، وَلِأَبِيهِ صُحْبَةٌ . قَوْلُهُ : ( سَمِعْتُ نَشِيجَ عُمَرَ ) النَّشِيجُ - بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَآخِرُهُ جِيمٌ - قَالَ ابْنُ فَارِسٍ : نَشَجَ الْبَاكِي يَنْشِجُ نَشِيجًا إِذَا غُصَّ بِالْبُكَاءِ فِي حَلْقِهِ مِنْ غَيْرِ انْتِحَابٍ .
وَقَالَ الْهَرَوِيُّ : النَّشِيجُ صَوْتٌ مَعَهُ تَرْجِيعٌ ، كَمَا يُرَدِّدُ الصَّبِيُّ بُكَاءَهُ فِي صَدْرِهِ . وَفِي الْمُحْكَمِ : هُوَ أَشَدُّ الْبُكَاءِ . وَهَذَا الْأَثَرُ وَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ شَدَّادٍ بِهَذَا وَزَادَ : فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ .
وَأَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ عُمَرَ نَحْوَهُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ وَقَوْلُهُ فِيهِ : مِنَ الْبُكَاءِ أَيْ : لِأَجْلِ الْبُكَاءِ . وَفِي الْبَابِ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي بِنَا ، وَفِي صَدْرِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الْمِرْجَلِ مِنَ الْبُكَاءِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَالتِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ وَإِسْنَادُهُ قَوِيٌّ ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ ، وَوَهِمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُسْلِمًا أَخْرَجَهُ . وَالْمِرْجَلُ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْجِيمِ : الْقِدْرُ إِذَا غَلَتْ .
وَالْأَزِيزُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ بَعْدَهَا زَايٌ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ زَايٌ أَيْضًا : وَهُوَ صَوْتُ الْقِدْرِ إِذَا غَلَتْ وَفِي لَفْظٍ : كَأَزِيزِ الرَّحَى .