حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ عِنْدَ الْإِقَامَةِ وَبَعْدَهَا

بَاب تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ عِنْدَ الْإِقَامَةِ وَبَعْدَهَا 717 - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ : أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ قَالَ : سَمِعْتُ سَالِمَ بْنَ أَبِي الْجَعْدِ قَالَ : سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ . قَوْلُهُ : ( بَابُ تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ عِنْدَ الْإِقَامَةِ وَبَعْدَهَا ) لَيْسَ فِي حَدِيثَيِ الْبَابِ دَلَالَةٌ عَلَى تَقْيِيدِ التَّسْوِيَةِ بِمَا ذُكِرَ ، لَكِنْ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا فِي بَعْضِ الطُّرُقِ كَعَادَتِهِ ، فَفِي حَدِيثِ النُّعْمَانِ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ ذَلِكَ عِنْدَمَا كَادَ أَنْ يُكَبِّرَ ، وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَ هَذَا : أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَأَقْبَلَ عَلَيْنَا فَقَالَ . قَوْلُهُ : ( لَتُسَوُّنَّ ) بِضَمِّ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ وَفَتْحِ السِّينِ وَضَمِّ الْوَاوِ الْمُشَدَّدَةِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ ، وَلِلْمُسْتَمْلِي لَتُسَوُّونَ بِوَاوَيْنِ .

قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ : هَذِهِ اللَّامُ هِيَ الَّتِي يُتَلَقَّى بِهَا الْقَسَمُ ، وَالْقَسَمُ هُنَا مُقَدَّرٌ ، وَلِهَذَا أَكَّدَهُ بِالنُّونِ الْمُشَدَّدَةِ . انْتَهَى . وَسَيَأْتِي مِنْ رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ قَرِيبًا إِبْرَازُ الْقَسَمِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ .

قَوْلُهُ : ( أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ ) أَيْ : إِنْ لَمْ تُسَوُّوا ، وَالْمُرَادُ بِتَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ اعْتِدَالُ الْقَائِمِينَ بِهَا عَلَى سَمْتٍ وَاحِدٍ ، أَوْ يُرَادُ بِهَا سَدُّ الْخَلَلِ الَّذِي فِي الصَّفِّ كَمَا سَيَأْتِي . وَاخْتُلِفَ فِي الْوَعِيدِ الْمَذْكُورِ فَقِيلَ : هُوَ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَالْمُرَادُ تَسْوِيَةُ الْوَجْهِ بِتَحْوِيلِ خَلْقِهِ عَنْ وَضْعِهِ بِجَعْلِهِ مَوْضِعَ الْقَفَا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ ، فَهُوَ نَظِيرُ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْوَعِيدِ فِيمَنْ رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ ، وَفِيهِ مِنَ اللَّطَائِفِ وُقُوعُ الْوَعِيدِ مِنْ جِنْسِ الْجِنَايَةِ وَهِيَ الْمُخَالَفَةُ ، وَعَلَى هَذَا فَهُوَ وَاجِبٌ ، وَالتَّفْرِيطُ فِيهِ حَرَامٌ ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي بَابِ إِثْمِ مَنْ لَمْ يُتِمَّ الصُّفُوفَ قَرِيبًا ، وَيُؤَيِّدُ حَمْلَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ : لَتُسَوُّنَّ الصُّفُوفَ أَوْ لَتُطْمَسَنَّ الْوُجُوهُ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ ، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : الظَّاهِرُ أَنَّهُ مِثْلُ الْوَعِيدِ الْمَذْكُورِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا وَحَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى الْمَجَازِ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : مَعْنَاهُ يُوقِعُ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ وَاخْتِلَافَ الْقُلُوبِ ، كَمَا تَقُولُ : تَغَيَّرَ وَجْهُ فُلَانٍ عَلَيَّ ، أَيْ : ظَهَرَ لِي مِنْ وَجْهِهِ كَرَاهِيَةٌ ؛ لِأَنَّ مُخَالَفَتَهُمْ فِي الصُّفُوفِ مُخَالَفَةٌ فِي ظَوَاهِرِهِمْ ، وَاخْتِلَافُ الظَّوَاهِرِ سَبَبٌ لِاخْتِلَافِ الْبَوَاطِنِ . وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ بِلَفْظِ : أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا .

وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : مَعْنَاهُ تَفْتَرِقُونَ ، فَيَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ وَجْهًا غَيْرَ الَّذِي أَخَذَ صَاحِبُهُ ؛ لِأَنَّ تَقَدُّمَ الشَّخْصِ عَلَى غَيْرِهِ مَظِنَّةُ الْكِبْرِ الْمُفْسِدِ لِلْقَلْبِ الدَّاعِي إِلَى الْقَطِيعَةِ . وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَجْهِ إِنْ حُمِلَ عَلَى الْعُضْوِ الْمَخْصُوصِ ، فَالْمُخَالَفَةُ إِمَّا بِحَسَبِ الصُّورَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ أَوِ الصِّفَةِ أَوْ جَعْلِ الْقُدَّامَ وَرَاءَ ، وَإِنْ حُمِلَ عَلَى ذَاتِ الشَّخْصِ فَالْمُخَالَفَةُ بِحَسَبِ الْمَقَاصِدِ . أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الْكِرْمَانِيُّ .

وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالْمُخَالَفَةِ فِي الْجَزَاءِ فَيُجَازِي الْمُسَوِّيَ بِخَيْرٍ وَمَنْ لَا يُسَوِّي بِشَرٍّ .

ورد في أحاديث1 حديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث