بَاب الْجَهْرِ بِقِرَاءَةِ صَلَاةِ الْفَجْرِ
بَاب الْجَهْرِ بِقِرَاءَةِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ : طُفْتُ وَرَاءَ النَّاسِ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي وَيَقْرَأُ بِالطُّورِ 773 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : انْطَلَقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ وَقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّيَاطِينِ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ ، وَأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمْ الشُّهُبُ فَرَجَعَتْ الشَّيَاطِينُ إِلَى قَوْمِهِمْ فَقَالُوا : مَا لَكُمْ ؟ فَقَالُوا : حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ ، وَأُرْسِلَتْ عَلَيْنَا الشُّهُبُ ، قَالُوا : مَا حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ إِلَّا شَيْءٌ حَدَثَ فَاضْرِبُوا مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا فَانْظُرُوا مَا هَذَا الَّذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ ، فَانْصَرَفَ أُولَئِكَ الَّذِينَ تَوَجَّهُوا نَحْوَ تِهَامَةَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِنَخْلَةَ عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ وَهُوَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ صَلَاةَ الْفَجْرِ ، فَلَمَّا سَمِعُوا الْقُرْآنَ اسْتَمَعُوا لَهُ فَقَالُوا : هَذَا وَاللَّهِ الَّذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ ، فَهُنَالِكَ حِينَ رَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ وَقَالُوا يَا قَوْمَنَا : إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا ﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا ﴾فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ وَإِنَّمَا أُوحِيَ إِلَيْهِ قَوْلُ الْجِنِّ . قَوْلُهُ : ( بَابُ الْجَهْرِ بِقِرَاءَةِ صَلَاةِ الصُّبْحِ ) وَلِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِلتَّرْجَمَةِ الْمَاضِيَةِ ، وَعَلَى رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ فَلَعَلَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّهَا تُسَمَّى بِالْأَمْرَيْنِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ إِلَخْ ) وَصَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ طَوَافِ النِّسَاءِ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ زَيْنَبَ عَنْ أُمِّهَا أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ : شَكَوْتُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنِّي أَشْتَكِي - أَيْ أَنَّ بِهَا مَرَضًا - فَقَالَ : طُوفِي وَرَاءَ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ .
قَالَتْ : فَطُفْتُ حِينَئِذٍ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يصلي الْحَدِيثَ ، وَلَيْسَ فِيهِ بَيَانُ أَنَّ الصَّلَاةَ حِينَئِذٍ كَانَتِ الصُّبْحَ ، وَلَكِنْ تَبَيَّنَ ذَلِكَ مِنْ رِوَايَةٍ أُخْرَى أَوْرَدَهَا بَعْدَ سِتَّةِ أَبْوَابٍ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ أَبِي زَكَرِيَّا الْغَسَّانِيِّ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ وَلَفْظُهُ : فَقَالَ : إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ لِلصُّبْحِ فَطُوفِي . وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ حَسَّانَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ هِشَامٍ ، وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، وَابْنِ لَهِيعَةَ جَمِيعًا عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ فِيهِ : قَالَتْ وَهُوَ يَقْرَأُ فِي الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ فَشَاذٌّ ، وَأَظُنُّ سِيَاقَهُ لَفْظَ ابْنِ لَهِيعَةَ ، لِأَنَّ ابْنَ وَهْبٍ رَوَاهُ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ مَالِكٍ فَلَمْ يُعَيِّنِ الصَّلَاةَ كَمَا رَوَاهُ أَصْحَابُ مَالِكٍ كُلُّهُمْ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْمُوَطَّآتِ لَهُ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ عَنْ مَالِكٍ ، مِنْهَا رِوَايَةُ ابْنِ وَهْبٍ الْمَذْكُورَةُ . وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَابْنُ لَهِيعَةَ لَا يُحْتَجُّ بِهِ إِذَا انْفَرَدَ فَكَيْفَ إِذَا خَالَفَ ، وَعُرِفَ بِهَذَا انْدِفَاعُ الِاعْتِرَاضِ الَّذِي حَكَاهُ ابْنُ التِّينِ عَنْ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ حَيْثُ أَنْكَرَ أَنْ تَكُونَ الصَّلَاةُ الْمَذْكُورَةُ صَلَاةَ الصُّبْحِ فَقَالَ : لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ بَيَانُهَا ، وَالْأَوْلَى أَنْ تُحْمَلَ عَلَى النَّافِلَةِ لِأَنَّ الطَّوَافَ يَمْتَنِعُ إِذَا كَانَ الْإِمَامُ فِي صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ .
انْتَهَى . وَهُوَ رَدٌّ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ ، بَلْ يُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ جَوَازُ مَا مَنَعَهُ ، بَلْ يُسْتَفَادُ مِنَ الْحَدِيثِ التَّفْصِيلُ فَنَقُولُ : إِنْ كَانَ الطَّائِفُ بِحَيْثُ يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّينَ فَيَمْتَنِعُ كَمَا قَالَ وَإِلَّا فَيَجُوزُ ، وَحَالُ أُمِّ سَلَمَةَ هُوَ الثَّانِي لِأَنَّهَا طَافَتْ مِنْ وَرَاءِ الصُّفُوفِ . وَيُسْتَنْبَطُ مِنْهُ أَنَّ الْجَمَاعَةَ فِي الْفَرِيضَةِ لَيْسَتْ فَرْضًا عَلَى الْأَعْيَانِ ، إِلَّا أَنْ يُقَالَ : كَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ حِينَئِذٍ شَاكِيَةً فَهِيَ مَعْذُورَةٌ ، أَوِ الْوُجُوبُ يَخْتَصُّ بِالرِّجَالِ .
وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ مَبَاحِثِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الْحَجِّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَقَالَ ابْنُ رَشِيدٍ : لَيْسَ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ نَصٌّ عَلَى مَا تُرْجِمَ لَهُ مِنَ الْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ ، إِلَّا أَنَّهُ يُؤْخَذُ بِالِاسْتِنْبَاطِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ قَوْلَهَا : طُفْتُ وَرَاءَ النَّاسِ يَسْتَلْزِمُ الْجَهْرَ بِالْقِرَاءَةِ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ سَمَاعُهَا لِلطَّائِفِ مِنْ وَرَائِهِمْ إِلَّا إِنْ كَانَتْ جَهْرِيَّةً ، قَالَ : وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ جَوَازُ إِطْلَاقِ قَرَأَ وَإِرَادَةُ جَهَرَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ثُمَّ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ سَمَاعِ الْجِنِّ الْقُرْآنَ ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي مَوْضِعِهِ مِنَ التَّفْسِيرِ ، وَيَأْتِي بَيَانُ عُكَاظٍ فِي كِتَابِ الْحَجِّ فِي شَرْحِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا : كَانَتْ عُكَاظٌ مِنْ أَسْوَاقِ الْجَاهِلِيَّةِ الْحَدِيثَ .
وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ هُنَا قَوْلُهُ : وَهُوَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ صَلَاةَ الْفَجْرِ فَلَمَّا سَمِعُوا الْقُرْآنَ اسْتَمَعُوا لَهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي الْجَهْرِ ، ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا قَالَ : قَرَأَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا أُمِرَ وَسَكَتَ فِيمَا أُمِرَ : وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ، وَوَجْهُ الْمُنَاسَبَةِ مِنْهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ إِطْلَاقِ قَرَأَ عَلَى جَهَرَ ، لَكِنْ كَانَ يَبْقَى خُصُوصُ تَنَاوُلِ ذَلِكَ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ فَيُسْتَفَادُ ذَلِكَ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ ، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ : هَذَا الْإِجْمَالُ هُنَا مُفَسَّرٌ بِالْبَيَانِ فِي الَّذِي قَبْلَهُ ، لِأَنَّ الْمُحَدِّثَ بِهِمَا وَاحِدٌ ، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ ابْنُ رَشِيدٍ . وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الْبُخَارِيِّ بِهَذَا خَتْمَ تَرَاجِمِ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَوَاتِ إِشَارَةً مِنْهُ إِلَى أَنَّ الْمُعْتَمَدَ فِي ذَلِكَ هُوَ فِعْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُغَيِّرَ شَيْئًا مِمَّا صَنَعَهُ . وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ : إِيرَادُ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ هُنَا يُغَايِرُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ إِثْبَاتِ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَوَاتِ ، لِأَنَّ مَذْهَبَ ابْنِ عَبَّاسٍ كَانَ تَرْكَ الْقِرَاءَةِ فِي السِّرِّيَّةِ .
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْحَدِيثَ الَّذِي أَوْرَدَهُ الْبُخَارِيُّ لَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى التَّرْكِ ، وَأَمَّا ابْنُ عَبَّاسٍ فَكَانَ يَشُكُّ فِي ذَلِكَ تَارَةً وَيَنْفِي الْقِرَاءَةَ أُخْرَى وَرُبَّمَا أَثْبَتَهَا ، أَمَّا نَفْيُهُ فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عَمِّهِ أَنَّهُمْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا لَهُ : هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ ؟ قَالَ : لَا . قِيلَ : لَعَلَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي نَفْسِهِ ؟ قَالَ : هَذِهِ شَرٌّ مِنَ الْأُولَى ، كَانَ عَبْدًا مَأْمُورًا بَلَّغَ مَا أُمِرَ بِهِ وَأَمَّا شَكُّهُ فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا وَالطَّبَرِيُّ مِنْ رِوَايَةِ حُصَيْنٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : مَا أَدْرِي أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ أَمْ لَا انْتَهَى . وَقَدْ أَثْبَتَ قِرَاءَتَهُ فِيهِمَا خَبَّابٌ ، وَأَبُو قَتَادَةَ وَغَيْرُهُمَا كَمَا تَقَدَّمَ ، فَرِوَايَتُهُمْ مُقَدَّمَةٌ عَلَى مَنْ نَفَى ، فَضْلًا عَلَى مَنْ شَكَّ .
وَلَعَلَّ الْبُخَارِيَّ أَرَادَ بِإِيرَادِ هَذَا إِقَامَةَ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ ، لِأَنَّهُ احْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فَيُقَالُ لَهُ : قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ قَرَأَ فَيَلْزَمُكَ أَنْ تَقْرَأَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ جَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِثْبَاتُ ذَلِكَ أَيْضًا رَوَاهُ أَيُّوبُ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ الْبَرَّاءِ قَالَ : سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ : أَقَرَأَ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ ؟ قَالَ : هُوَ أَمَامَكَ اقْرَأْ مِنْهُ مَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ . أَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَالطَّحَاوِيُّ وَغَيْرُهُمَا .