بَاب أَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي لَا يُتِمُّ رُكُوعَهُ بِالْإِعَادَةِ
بَاب أَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي لَا يُتِمُّ رُكُوعَهُ بِالْإِعَادَةِ 793 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ الْمَسْجِدَ ، فَدَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى ، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَرَدَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ السَّلَامَ ، فَقَالَ : ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ ، فَصَلَّى ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ ثَلَاثًا ، فَقَالَ : وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ فَمَا أُحْسِنُ غَيْرَهُ فَعَلِّمْنِي ، قَالَ : إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا ، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا ، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا ، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا ، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا ، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا ، قَوْلُهُ : ( بَابُ أَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِي لَا يُتِمُّ الرُّكُوعَ بِالْإِعَادَةِ ) ، قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : هَذِهِ مِنَ التَّرَاجِمِ الْخَفِيَّةِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْخَبَرَ لَمْ يَقَعْ فِيهِ بَيَانُ مَا نَقَصَهُ الْمُصَلِّي الْمَذْكُورُ ، لَكِنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا قَالَ لَهُ : ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا إِلَى آخِرِ مَا ذَكَرَ لَهُ مِنَ الْأَرْكَانِ ، اقْتَضَى ذَلِكَ تَسَاوِيَهَا فِي الْحُكْمِ لِتَنَاوُلِ الْأَمْرِ كُلَّ فَرْدٍ مِنْهَا ، فَكُلُّ مَنْ لَمْ يُتِمَّ رُكُوعَهُ أَوْ سُجُودَهُ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا ذُكِرَ مَأْمُورٌ بِالْإِعَادَةِ . قُلْتُ : وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ : دَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى صَلَاةً خَفِيفَةً لَمْ يُتِمَّ رُكُوعَهَا وَلَا سُجُودَهَا ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ أَشَارَ بِالتَّرْجَمَةِ إِلَى ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ) هُوَ ابْنُ عُمَرَ الْعُمَرِيُّ .
قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِيهِ ) قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : خَالَفَ يَحْيَى الْقَطَّانُ أَصْحَابَ عُبَيْدِ اللَّهِ كُلَّهُمْ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَقُولُوا عَنْ أَبِيهِ ؛ وَيَحْيَى حَافِظٌ ، قَالَ : فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ عُبَيْدُ اللَّهِ حَدَّثَ بِهِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ . وَقَالَ الْبَزَّارُ : لَمْ يُتَابَعْ يَحْيَى عَلَيْهِ ، وَرَجَّحَ التِّرْمِذِيُّ رِوَايَةَ يَحْيَى . قُلْتُ : لِكُلٍّ مِنَ الرِّوَايَتَيْنِ وَجْهٌ مُرَجَّحٌ ، أَمَّا رِوَايَةُ يَحْيَى فَلِلزِّيَادَةِ مِنَ الْحَافِظِ ، وَأَمَّا الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى فَلِلْكَثْرَةِ ، وَلِأَنَّ سَعِيدًا لَمْ يُوصَفْ بِالتَّدْلِيسِ وَقَدْ ثَبَتَ سَمَاعُهُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَمِنْ ثَمَّ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ الطَّرِيقَيْنِ .
فَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ طَرِيقَ يَحْيَى هُنَا ، وَفِي بَابِ وُجُوبِ الْقِرَاءَةِ ، وَأَخْرَجَ فِي الِاسْتِئْذَانِ طَرِيقَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ النُّمَيْرِ ، وَفِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ طَرِيقَ أُسَامَةَ كِلَاهُمَا عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ لَيْسَ فِيهِ عَنْ أَبِيهِ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ الثَّلَاثَةِ . وَلِلْحَدِيثِ طَرِيقٌ أُخْرَى مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَخْرَجَهَا أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ ، وَدَاوُدَ بْنِ قَيْسٍ كُلِّهِمْ عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَلَّادِ بْنِ رَافِعٍ الزُّرَقِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَمِّهِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ ، فَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُسَمِّ رِفَاعَةَ ، قَالَ : عَنْ عَمٍّ لَهُ بَدْرِيٍّ ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَقُلْ عَنْ أَبِيهِ ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ رِفَاعَةَ ، لَكِنْ لَمْ يَقُلِ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِيهِ ، وَفِيهِ اخْتِلَافٌ آخَرُ نَذْكُرُهُ قَرِيبًا . قَوْلُهُ : ( فَدَخَلَ رَجُلٌ ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ نُمَيْرٍ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَالِسٌ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ ، وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَالِسٌ وَنَحْنُ حَوْلَهُ ، وَهَذَا الرَّجُلُ هُوَ خَلَّادُ بْنُ رَافِعٍ جَدُّ عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى رَاوِي الْخَبَرِ ، بَيَّنَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ الْعَوَّامِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى ، عَنْ رِفَاعَةَ أَنَّ خَلَّادًا دَخَلَ الْمَسْجِدَ .
وَرَوَى أَبُو مُوسَى فِي الذَّيْلِ مِنْ جِهَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَلَّادٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ دَخَلَ الْمَسْجِدَ اهـ . وَفِيهِ أَمْرَانِ : زِيَادَةُ عَبْدِ اللَّهِ فِي نَسَبِ عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى ، وَجَعْلُ الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ خَلَّادٍ جَدِّ عَلِيٍّ . فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَوَهْمٌ مِنَ الرَّاوِي عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، وَأَمَّا الثَّانِي فَمِنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ لِأَنَّ سَعِيدَ بْنَ مَنْصُورٍ قَدْ رَوَاهُ عَنْهُ كَذَلِكَ لَكِنْ بِإِسْقَاطِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَالْمَحْفُوظُ أَنَّهُ مِنْ حَدِيثِ رِفَاعَةَ ، كَذَلِكَ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ الْقَطَّانِ ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ أَبِي خَالِدٍ .
الْأَحْمَرِ كِلَاهُمَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ . وَأَمَّا مَا وَقَعَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ كَالْبَدْوِيِّ فَصَلَّى فَأَخَفَّ صَلَاتَهُ ، فَهَذَا لَا يَمْنَعُ تَفْسِيرَهُ بِخَلَّادٍ ؛ لِأَنَّ رِفَاعَةَ شَبَّهَهُ بِالْبَدْوِيِّ لِكَوْنِهِ أَخَفَّ الصَّلَاةَ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( فَصَلَّى ) زَادَ النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ دَاوُدَ بْنِ قَيْسٍ رَكْعَتَيْنِ ، وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُ صَلَّى نَفْلًا .
وَالْأَقْرَبُ أَنَّهَا تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ ، وَفِي الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَرْمُقُهُ فِي صَلَاتِهِ ، زَادَ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ وَلَا نَدْرِي مَا يَعِيبُ مِنْهَا ، وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي خَالِدٍ يَرْمُقُهُ وَنَحْنُ لَا نَشْعُرُ ، وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى حَالِهِمْ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى ، وَهُوَ مُخْتَصَرٌ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ ، كَأَنَّهُ قَالَ : وَلَا نَشْعُرُ بِمَا يَعِيبُ مِنْهَا . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ ) فِي رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ فَجَاءَ فَسَلَّمَ ، وَهِيَ أَوْلَى لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ صَلَاتِهِ وَمَجِيئِهِ تَرَاخٍ . قَوْلُهُ : ( فَرَدَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ نُمَيْرٍ فِي الِاسْتِئْذَانِ ، فَقَالَ : وَعَلَيْكَ السَّلَامُ .
وَفِي هَذَا تَعَقُّبٌ عَلَى ابْنِ الْمُنِيرِ حَيْثُ قَالَ فِيهِ أنَّ الْمَوْعِظَةَ فِي وَقْتِ الْحَاجَةِ أَهَمُّ مِنْ رَدِّ السَّلَامِ ، وَلِأَنَّهُ لَعَلَّهُ لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ تَأْدِيبًا عَلَى جَهْلِهِ ، فَيُؤْخَذُ مِنْهُ التَّأْدِيبُ بِالْهَجْرِ وَتَرْكِ السَّلَامِ اهـ . وَالَّذِي وَقَفْنَا عَلَيْهِ مِنْ نُسَخِ الصَّحِيحَيْنِ ثُبُوتُ الرَّدِّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَغَيْرِهِ ، إِلَّا الَّذِي فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ ، وَقَدْ سَاقَ الْحَدِيثَ صَاحِبُ الْعُمْدَةِ بِلَفْظِ الْبَابِ إِلَّا أَنَّهُ حَذَفَ مِنْهُ فَرَدَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَلَعَلَّ ابْنَ الْمُنِيرِ اعْتَمَدَ عَلَى النُّسْخَةِ الَّتِي اعْتَمَدَ عَلَيْهَا صَاحِبُ الْعُمْدَةِ . قَوْلُهُ : ( ارْجِعْ ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَجْلَانَ ، فَقَالَ أَعِدْ صَلَاتَكَ .
قَوْلُهُ : ( فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ ) ، قَالَ عِيَاضٌ : فِيهِ أَنَّ أَفْعَالَ الْجَاهِلِ فِي الْعِبَادَةِ عَلَى غَيْرِ عِلْمٍ لَا تُجْزِئُ ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّفْيِ نَفْيُ الْإِجْزَاءِ وَهُوَ الظَّاهِرُ ، وَمَنْ حَمَلَهُ عَلَى نَفْيِ الْكَمَالِ تَمَسَّكَ بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَأْمُرْهُ بَعْدَ التَّعْلِيمِ بِالْإِعَادَةِ ، فَدَلَّ عَلَى إِجْزَائِهَا وَإِلَّا لَزِمَ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ ، كَذَا قَالَهُ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَهُوَ الْمُهَلَّبُ وَمَنْ تَبِعَهُ ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ أَمَرَهُ فِي الْمَرَّةِ الْأَخِيرَةِ بِالْإِعَادَةِ ، فَسَأَلَهُ التَّعْلِيمَ فَعَلَّمَهُ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ لَهُ أَعِدْ صَلَاتَكَ عَلَى هَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ ، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ ابْنُ الْمُنِيرِ ، وَسَيَأْتِي فِي آخِرِ الْكَلَامِ عَلَى الْحَدِيثِ مَزِيدُ بَحْثٍ فِي ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( ثَلَاثًا ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ نُمَيْرٍ فَقَالَ فِي الثَّالِثَةِ أَوْ فِي الَّتِي بَعْدَهَا وَفِي رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ فَقَالَ فِي الثَّانِيَةِ أَوِ الثَّالِثَةِ ، وَتَتَرَجَّحُ الْأُولَى لِعَدَمِ وُقُوعِ الشَّكِّ فِيهَا وَلِكَوْنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ مِنْ عَادَتَهِ اسْتِعْمَالُ الثَّلَاثِ فِي تَعْلِيمِهِ غَالِبًا . قَوْلُهُ : ( فَعَلِّمْنِي ) فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ عَلِيٍّ ، فَقَالَ الرَّجُلُ : فَأَرِنِي وَعَلِّمْنِي فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أُصِيبُ وَأُخْطِئُ ، فَقَالَ : أَجَلْ .
قَوْلُهُ : ( إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ نُمَيْرٍ : إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَأَسْبِغِ الْوُضُوءَ ، ثُمَّ اسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ فَكَبِّرْ . وَفِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ عَلِيٍّ فَتَوَضَّأْ كَمَا أَمَرَكَ اللَّهُ ، ثُمَّ تَشَهَّدْ وَأَقِمْ . وَفِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ : إِنَّهَا لَمْ تَتِمَّ صَلَاةُ أَحَدِكُمْ حَتَّى يُسْبِغَ الْوُضُوءَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ ، فَيَغْسِلُ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ وَيَمْسَحُ رَأْسَهُ وَرِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ، ثُمَّ يُكَبِّرُ اللَّهَ وَيَحْمَدُهُ وَيُمَجِّدُهُ .
وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَيُثْنِي عَلَيْهِ بَدَلَ وَيُمَجِّدُهُ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ ) لَمْ تَخْتَلِفِ الرِّوَايَاتُ فِي هَذَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَمَّا رِفَاعَةُ فَفِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ الْمَذْكُورَةِ وَيَقْرَأُ مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ مِمَّا عَلَّمَهُ اللَّهُ ، وَفِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ عَلِيٍّ : فَإِنْ كَانَ مَعَكَ قُرْآنٌ فَاقْرَأْ وَإِلَّا فَاحْمَدِ اللَّهَ وَكَبِّرْهُ وَهَلِّلْهُ . وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ : ثُمَّ اقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ أَوْ بِمَا شَاءَ اللَّهُ .
وَلِأَحْمَدَ ، وَابْنِ حِبَّانَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ : ثُمَّ اقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ ثُمَّ اقْرَأْ بِمَا شِئْتَ . تَرْجَمَ لَهُ ابْنُ حِبَّانَ بِبَابِ فَرْضِ الْمُصَلِّي قِرَاءَةَ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ . قَوْلُهُ : ( حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا ) فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ هَذِهِ الْقَرِيبَةِ : فَإِذَا رَكَعْتَ فَاجْعَلْ رَاحَتَيْكَ عَلَى رُكْبَتَيْكَ ، وَامْدُدْ ظَهْركَ ، وَتَمَكَّنْ لِرُكُوعِكَ .
وَفِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ : ثُمَّ يُكَبِّرُ فَيَرْكَعُ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ وَيَسْتَرْخِي . قَوْلُهُ : ( حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ نُمَيْرٍ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ : حَتَّى تَطْمَئِنَّ قَائِمًا . أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُ ، وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ إِسْنَادَهُ بِعَيْنِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَكِنْ لَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ فَهُوَ عَلَى شَرْطِهِ ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ ، وَهُوَ فِي مُسْتَخْرَجِ أَبِي نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِهِ ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ السَّرَّاجُ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مُوسَى أَحَدِ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ ، فَثَبَتَ ذِكْرُ الطُّمَأْنِينَةِ فِي الِاعْتِدَالِ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ ، وَمِثْلُهُ فِي حَدِيثِ رِفَاعَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَابْنِ حِبَّانَ ، وَفِي لَفْظٍ لِأَحْمَدَ : فَأَقِمْ صُلْبَكَ حَتَّى تَرْجِعَ الْعِظَامُ إِلَى مَفَاصِلِهَا .
وَعُرِفَ بِهَذَا أَنَّ قَوْلَ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ : فِي الْقَلْبِ مِنْ إِيجَابِهَا - أَيِ الطُّمَأْنِينَةَ فِي الرَّفْعِ مِنَ الرُّكُوعِ - شَيْءٌ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُذْكَرْ فِي حَدِيثِ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ ، دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى هَذِهِ الطُّرُقِ الصَّحِيحَةِ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ اسْجُدْ ) فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ : ثُمَّ يُكَبِّرُ فَيَسْجُدُ حَتَّى يُمَكِّنَ وَجْهَهُ أَوْ جَبْهَتَهُ ، حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ وَتَسْتَرْخِيَ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ ارْفَعْ ) فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ الْمَذْكُورَةِ ، ثُمَّ يُكَبِّرُ فَيَرْكَعُ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا عَلَى مَقْعَدَتَهِ وَيُقِيمَ صُلْبَهُ .
وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو : فَإِذَا رَفَعْتَ رَأْسَكَ فَاجْلِسْ عَلَى فَخِذِكَ الْيُسْرَى . وَفِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ : فَإِذَا جَلَسْتَ فِي وَسَطِ الصَّلَاةِ فَاطْمَئِنَّ جَالِسًا ، ثُمَّ افْتَرِشْ فَخِذَكَ الْيُسْرَى ثُمَّ تَشَهَّدْ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا ) فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو : ثُمَّ اصْنَعْ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَسَجْدَةٍ .
( تَنْبِيهٌ ) : وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ نُمَيْرٍ فِي الِاسْتِئْذَانِ بَعْدَ ذِكْرِ السُّجُودِ الثَّانِي : ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا . وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ : هَذَا يَدُلُّ عَلَى إِيجَابِ جِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ ، وَأَشَارَ الْبُخَارِيُّ إِلَى أَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ وَهْمٌ ، فَإِنَّهُ عَقَّبَهُ بِأَنْ قَالَ : قَالَ أَبُو أُسَامَةَ فِي الْأَخِيرِ : حَتَّى تَسْتَوِيَ قَائِمًا ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ إِنْ كَانَ مَحْفُوظًا عَلَى الْجُلُوسِ لِلتَّشَهُّدِ ، وَيُقَوِّيهِ رِوَايَةُ إِسْحَاقَ الْمَذْكُورَةُ قَرِيبًا ، وَكَلَامُ الْبُخَارِيِّ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ أَبَا أُسَامَةَ خَالَفَ ابْنَ نُمَيْرٍ ، لَكِنْ رَوَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ كَمَا قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ بِلَفْظِ : ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا ، ثُمَّ اقْعُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ قَاعِدًا ، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا ، ثُمَّ اقْعُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ قَاعِدًا ، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ . وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ ، وَقَالَ : كَذَا قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ ، وَالصَّحِيحُ رِوَايَةُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ أَبِي قُدَامَةَ ، وَيُوسُفَ بْنِ مُوسَى ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ بِلَفْظِ : ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا ، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَسْتَوِيَ قَائِمًا ، ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ طَرِيقِ يُوسُفَ بْنِ مُوسَى كَذَلِكَ .
وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى وُجُوبِ الطُّمَأْنِينَةِ فِي أَرْكَانِ الصَّلَاةِ ، وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ ، وَاشْتُهِرَ عَنِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الطُّمَأْنِينَةَ سُنَّةٌ ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْ مُصَنِّفِيهِمْ ، لَكِنَّ كَلَامَ الطَّحَاوِيِّ كَالصَّرِيحِ فِي الْوُجُوبِ عِنْدَهُمْ ، فَإِنَّهُ تَرْجَمَ مِقْدَارَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ، ثُمَّ ذَكَرَ الْحَدِيثَ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ فِي قَوْلِهِ : سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ ثَلَاثًا فِي الرُّكُوعِ وَذَلِكَ أَدْنَاهُ . قَالَ : فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ هَذَا مِقْدَارُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لَا يُجْزِئُ أَدْنَى مِنْهُ ، قَالَ : وَخَالَفَهُمْ آخَرُونَ ، فَقَالُوا : إِذَا اسْتَوَى رَاكِعًا وَاطْمَأَنَّ سَاجِدًا أَجْزَأَ ، ثُمَّ قَالَ : وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٍ . قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : تَكَرَّرَ مِنَ الْفُقَهَاءِ الِاسْتِدْلَالُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى وُجُوبِ مَا ذُكِرَ فِيهِ وَعَلَى عَدَمِ وُجُوبِ مَا لَمْ يُذْكَرْ ، أَمَّا الْوُجُوبُ فَلِتَعَلُّقِ الْأَمْرِ بِهِ ، وَأَمَّا عَدَمُهُ فَلَيْسَ لِمُجَرَّدِ كَوْنِ الْأَصْلِ عَدَمُ الْوُجُوبِ ، بَلْ لِكَوْنِ الْمَوْضِعِ تَعْلِيمٍ وَبَيَانٍ لِلْجَاهِلِ ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي انْحِصَارَ الْوَاجِبَاتِ فِيمَا ذُكِرَ ، وَيَتَقَوَّى ذَلِكَ بِكَوْنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَكَرَ مَا تَعَلَّقَتْ بِهِ الْإِسَاءَةُ مِنْ هَذَا الْمُصَلِّي وَمَا لَمْ تَتَعَلَّقْ بِهِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُقْصِرِ الْمَقْصُودَ عَلَى مَا وَقَعَتْ بِهِ الْإِسَاءَةُ .
قَالَ : فَكُلُّ مَوْضِعٍ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِهِ وَكَانَ مَذْكُورًا فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَلَنَا أَنْ نَتَمَسَّكَ بِهِ فِي وُجُوبِهِ ، وَبِالْعَكْسِ . لَكِنْ يَحْتَاجُ أَوَّلًا إِلَى جَمْعِ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ وَإِحْصَاءِ الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ فِيهِ وَالْأَخْذِ بِالزَّائِدِ فَالزَّائِدِ ، ثُمَّ إِنْ عَارَضَ الْوُجُوبَ أَوْ عَدَمَهُ دَلِيلٌ أَقْوَى مِنْهُ عُمِلَ بِهِ ، وَإِنْ جَاءَتْ صِيغَةُ الْأَمْرِ فِي حَدِيثٍ آخَرَ بِشَيْءٍ لَمْ يُذْكَرْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قُدِّمَتْ . قُلْتُ : قَدِ امْتَثَلْتُ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ وَجَمَعْتُ طُرُقَهُ الْقَوِيَّةَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَرِفَاعَةَ ، وَقَدْ أَمْلَيْتُ الزِّيَادَاتِ الَّتِي اشْتَمَلَتْ عَلَيْهَا .
فَمِمَّا لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ صْرِيحًا مِنَ الْوَاجِبَاتِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا : النِّيَّةُ ، وَالْقُعُودُ الْأَخِيرُ وَمِنَ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ التَّشَهُّدُ الْأَخِيرُ وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ ، وَالسَّلَامُ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ . قَالَ النَّوَوِيُّ : وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مَعْلُومًا عِنْدَ الرَّجُلِ اهـ . وَهَذَا يَحْتَاجُ إِلَى تَكْمِلَةٍ ، وَهُوَ ثُبُوتُ الدَّلِيلِ عَلَى إِيجَابِ مَا ذُكِرَ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَفِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ نَظَرٌ .
قَالَ : وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِقَامَةَ وَالتَّعَوُّذَ وَدُعَاءَ الِافْتِتَاحِ وَرَفْعَ الْيَدَيْنِ فِي الْإِحْرَامِ وَغَيْرِهِ ، وَوَضْعَ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى ، وَتَكْبِيرَاتِ الِانْتِقَالَاتِ وَتَسْبِيحَاتِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ، وَهَيْئَاتِ الْجُلُوسِ ، وَوَضْعَ الْيَدِ عَلَى الْفَخِذِ ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ فِي الْحَدِيثِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ اهـ . وَهُوَ فِي مَعْرِضِ الْمَنْعِ لِثُبُوتِ بَعْضِ مَا ذُكِرَ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ ، فَيَحْتَاجُ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِوُجُوبِهِ إِلَى دَلِيلٍ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ . وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى تَعَيُّنِ لَفْظِ التَّكْبِيرِ ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ : يُجْزِئُ بِكُلِّ لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَى التَّعْظِيمِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي أَوَّلِ صِفَةِ الصَّلَاةِ .
قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : وَيَتَأَيَّدُ ذَلِكَ بِأَنَّ الْعِبَادَاتِ مَحَلُّ التَّعَبُّدَاتِ ، وَلِأَنَّ رُتَبَ هَذِهِ الْأَذْكَارِ مُخْتَلِفَةٌ ، فَقَدْ لَا يَتَأَدَّى بِرُتْبَةٍ مِنْهَا مَا يُقْصَدُ بِرُتْبَةٍ أُخْرَى . وَنَظِيرُهُ الرُّكُوعُ ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ التَّعْظِيمُ بِالْخُضُوعِ ، فَلَوْ أَبْدَلَهُ بِالسُّجُودِ لَمْ يُجْزِئْ ، مَعَ أَنَّهُ غَايَةُ الْخُضُوعِ . وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ لَا تَتَعَيَّنُ ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : وَوَجْهُهُ أَنَّهُ إِذَا تَيَسَّرَ فِيهِ غَيْرُ الْفَاتِحَةِ فَقَرَأَهُ يَكُونُ مُمْتَثِلًا فَيَخْرُجُ عَنِ الْعُهْدَةِ ، قَالَ : وَالَّذِينَ عَيَّنُوهَا أَجَابُوا بِأَنَّ الدَّلِيلَ عَلَى تَعَيُّنِهَا تَقْيِيدٌ لِلْمُطْلَقِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَهُوَ مُتَعَقَّبٌ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُطْلَقٍ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بَلْ هُوَ مُقَيَّدٌ بِقَيْدِ التَّيْسِيرِ الَّذِي يَقْتَضِي التَّخْيِيرَ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ مُطْلَقًا لَوْ قَالَ : اقْرَأْ قُرْآنًا ، ثُمَّ قَالَ : اقْرَأْ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ بَيَانٌ لِلْمُجْمَلِ ، وَهُوَ مُتَعَقَّبٌ أَيْضًا ، لِأَنَّ الْمُجْمَلَ مَا لَمْ تَتَّضِحْ دَلَالَتُهُ ، وَقَوْلُهُ مَا تَيَسَّرَ مُتَّضِحٌ لِأَنَّهُ ظَاهِرٌ فِي التَّخْيِيرِ ، قَالَ : وَإِنَّمَا يَقْرَبُ ذَلِكَ إِنْ جُعِلَتْ مَا مَوْصُولَةً ، وَأُرِيدَ بِهَا شَيْءٌ مُعَيَّنٌ وَهُوَ الْفَاتِحَةُ لِكَثْرَةِ حِفْظِ الْمُسْلِمِينَ لَهَا ، فَهِيَ الْمُتَيَسِّرَةُ . وَقِيلَ : هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ عَرَفَ مِنْ حَالِ الرَّجُلِ أَنَّهُ لَا يَحْفَظُ الْفَاتِحَةَ ، وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ كَانَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ قِرَاءَةَ مَا تَيَسَّرَ . وَقِيلَ : مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِالدَّلِيلِ عَلَى تَعْيِينِ الْفَاتِحَةِ ، وَلَا يَخْفَى ضَعْفُهُمَا .
لَكِنَّهُ مُحْتَمَلٌ ، وَمَعَ الِاحْتِمَالِ لَا يُتْرَكُ الصَّرِيحُ وَهُوَ قَوْلُهُ : لَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ لَا يُقْرَأُ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ ، وَقِيلَ : إِنَّ قَوْلَهُ مَا تَيَسَّرَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا زَادَ عَلَى الْفَاتِحَةِ جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ دَلِيلِ إِيجَابِ الْفَاتِحَةِ . وَيُؤَيِّدُهُ الرِّوَايَةُ الَّتِي تَقَدَّمَتْ لِأَحْمَدَ ، وَابْنِ حِبَّانَ حَيْثُ قَالَ فِيهَا : اقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ ، ثُمَّ اقْرَأْ بِمَا شِئْتَ ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى وُجُوبِ الطُّمَأْنِينَةِ فِي الْأَرْكَانِ . وَاعْتَذَرَ بَعْضُ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِهِ بِأَنَّهُ زِيَادَةٌ عَلَى النَّصِّ ، لِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ فِي الْقُرْآنِ مُطْلَقُ السُّجُودِ فَيَصْدُقُ بِغَيْرِ طُمَأْنِينَةٍ ، فَالطُّمَأْنِينَةُ زِيَادَةٌ ، وَالزِّيَادَةُ عَلَى الْمُتَوَاتِرِ بِالْآحَادِ لَا تُعْتَبَرُ .
وَعُورِضَ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ زِيَادَةً لَكِنْ بَيَانٌ لِلْمُرَادِ بِالسُّجُودِ ، وَأَنَّهُ خَالَفَ السُّجُودَ اللُّغَوِيَّ لِأَنَّهُ مُجَرَّدُ وَضْعِ الْجَبْهَةِ ، فَبَيَّنَتِ السُّنَّةُ أَنَّ السُّجُودَ الشَّرْعِيَّ مَا كَانَ بِالطُّمَأْنِينَةِ . وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ تَأْكِيدًا لِوُجُوبِ السُّجُودِ ، وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَنْ مَعَهُ يُصَلُّونَ قَبْلَ ذَلِكَ ، وَلَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي بِغَيْرِ طُمَأْنِينَةٍ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ : وُجُوبُ الْإِعَادَةِ عَلَى مَنْ أَخَلَّ بِشَيْءٍ مِنْ وَاجِبَاتِ الصَّلَاةِ .
وَفِيهِ أَنَّ الشُّرُوعَ فِي النَّافِلَةِ مُلْزِمٌ ، لَكِنْ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الصَّلَاةُ كَانَتْ فَرِيضَةً فَيَقِفُ الِاسْتِدْلَالُ . وَفِيهِ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ ، وَحُسْنُ التَّعْلِيمِ بِغَيْرِ تَعْنِيفٍ ، وَإِيضَاحُ الْمَسْأَلَةِ ، وَتَخْلِيصُ الْمَقَاصِدِ ، وَطَلَبُ الْمُتَعَلِّمِ مِنَ الْعَالِمِ أَنْ يُعَلِّمَهُ . وَفِيهِ تَكْرَارُ السَّلَامِ وَرَدُّهُ وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الْمَوْضِعِ إِذَا وَقَعَتْ صُورَةُ انْفِصَالٍ .
وَفِيهِ أَنَّ الْقِيَامَ فِي الصَّلَاةِ لَيْسَ مَقْصُودًا لِذَاتِهِ ، وَإِنَّمَا يُقْصَدُ لِلْقِرَاءَةِ فِيهِ . وَفِيهِ جُلُوسُ الْإِمَامِ فِي الْمَسْجِدِ وَجُلُوسُ أَصْحَابِهِ مَعَهُ . وَفِيهِ التَّسْلِيمُ لِلْعَالِمِ وَالِانْقِيَادُ لَهُ وَالِاعْتِرَافُ بِالتَّقْصِيرِ وَالتَّصْرِيحُ بِحُكْمِ الْبَشَرِيَّةِ فِي جَوَازِ الْخَطَأِ وَفِيهِ أَنَّ فَرَائِضَ الْوُضُوءِ مَقْصُورَةٌ عَلَى مَا وَرَدَ بِهِ الْقُرْآنُ لَا مَا زَادَتْهُ السُّنَّةُ فَيُنْدَبُ .
وَفِيهِ حُسْنُ خُلُقِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلُطْفُ مُعَاشَرَتِهِ ، وَفِيهِ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ فِي الْمَجْلِسِ لِلْمَصْلَحَةِ . وَقَدِ اسْتُشْكِلَ تَقْرِيرُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُ عَلَى صَلَاتِهِ وَهِيَ فَاسِدَةٌ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ أَخَلَّ بِبَعْضِ الْوَاجِبَاتِ ، وَأَجَابَ الْمَازِرِيُّ بِأَنَّهُ أَرَادَ اسْتِدْرَاجَهُ بِفِعْلِ مَا يَجْهَلُهُ مَرَّاتٍ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ فَعَلَهُ نَاسِيًا أَوْ غَافِلًا فَيَتَذَكَّرُهُ فَيَفْعَلُهُ مِنْ غَيْرِ تَعْلِيمٍ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ التَّقْرِيرِ الْخَطَأِ ، بَلْ مِنْ بَابِ تَحَقُّقِ الْخَطَأِ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ نَحْوَهُ ، قَالَ : وَإِنَّمَا لَمْ يُعَلِّمْهُ أَوَّلًا لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي تَعْرِيفِهِ وَتَعْرِيفِ غَيْرِهِ بِصِفَةِ الصَّلَاةِ الْمُجْزِئَةِ .
وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَرْدِيدُهُ لِتَفْخِيمِ الْأَمْرِ وَتَعْظِيمِهِ عَلَيْهِ ، وَرَأَى أَنَّ الْوَقْتَ لَمْ يَفُتْهُ ، فَرَأَى إِيقَاظَ الْفِطْنَةِ لِلْمَتْرُوكِ . وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : لَيْسَ التَّقْرِيرُ بِدَلِيلٍ عَلَى الْجَوَازِ مُطْلَقًا ، بَلْ لَا بُدَّ مِنِ انْتِفَاءِ الْمَوَانِعِ . وَلَا شَكَّ أَنَّ فِي زِيَادَةِ قَبُولِ الْمُتَعَلِّمِ لِمَا يُلْقَى إِلَيْهِ بَعْدَ تَكْرَارِ فِعْلِهِ وَاسْتِجْمَاعِ نَفْسِهِ وَتَوَجُّهِ سُؤَالِهِ مَصْلَحَةً مَانِعَةً مِنْ وُجُوبِ الْمُبَادَرَةِ إِلَى التَّعْلِيمِ ، لَا سِيَّمَا مَعَ عَدَمِ خَوْفِ الْفَوَاتِ ، إِمَّا بِنَاءً عَلَى ظَاهِرِ الْحَالِ ، أَوْ بِوَحْيٍ خَاصٍّ .
وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ : إِنَّمَا سَكَتَ عَنْ تَعْلِيمِهِ أَوَّلًا لِأَنَّهُ لَمَّا رَجَعَ لَمْ يَسْتَكْشِفِ الْحَالَ مِنْ مَوْرِدِ الْوَحْيِ ، وَكَأَنَّهُ اغْتَرَّ بِمَا عِنْدَهُ مِنَ الْعِلْمِ فَسَكَتَ عَنْ تَعْلِيمِهِ زَجْرًا لَهُ وَتَأْدِيبًا وَإِرْشَادًا إِلَى اسْتِكْشَافِ مَا اسْتَبْهَمَ عَلَيْهِ ، فَلَمَّا طَلَبَ كَشْفَ الْحَالِ مِنْ مَوْرِدِهِ أُرْشِدَ إِلَيْهِ . انْتَهَى . لَكِنْ فِيهِ مُنَاقَشَةٌ ، لِأَنَّهُ إِنْ تَمَّ لَهُ فِي الصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ لَمْ يَتِمَّ لَهُ فِي الْأُولَى ، لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَدَأَهُ لَمَّا جَاءَ أَوَّلَ مَرَّةٍ بِقَوْلِهِ : ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ .
فَالسُّؤَالُ وَارِدٌ عَلَى تَقْرِيرِهِ لَهُ عَلَى الصَّلَاةِ الْأُولَى : كَيْفَ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ فِي أَثْنَائِهَا ؟ لَكِنَّ الْجَوَابَ يَصْلُحُ بَيَانًا لِلْحِكْمَةِ فِي تَأْخِيرِ الْبَيَانِ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِيهِ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ أَجَازَ الْقِرَاءَةَ بِالْفَارِسِيَّةِ لِكَوْنِ مَا لَيْسَ بِلِسَانِ الْعَرَبِ لَا يُسَمَّى قُرْآنًا ، قَالَهُ عِيَاضٌ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : وَفِيهِ وُجُوبُ الْقِرَاءَةِ فِي الرَّكَعَاتِ كُلِّهَا ، وَأَنَّ الْمُفْتِيَ إِذَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ وَكَانَ هُنَاكَ شَيْءٌ آخَرُ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ السَّائِلُ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَذْكُرَهُ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَسْأَلْهُ عَنْهُ ، وَيَكُونُ مِنْ بَابِ النَّصِيحَةِ لَا مِنَ الْكَلَامِ فِيمَا لَا مَعْنَى لَهُ .
وَمَوْضِعُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ كَوْنُهُ قَالَ : عَلِّمْنِي ؛ أَيِ الصَّلَاةَ . فَعَلَّمَهُ الصَّلَاةَ وَمُقَدِّمَاتِهَا .