بَاب مَا يُتَخَيَّرُ مِنْ الدُّعَاءِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ
بَاب مَا يُتَخَيَّرُ مِنْ الدُّعَاءِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ 835 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، حَدَّثَنِي شَقِيقٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : كُنَّا إِذَا كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ قُلْنَا : السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ مِنْ عِبَادِهِ ، السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ وَفُلَانٍ . فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَقُولُوا السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ ، وَلَكِنْ قُولُوا : التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَة اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ ؛ فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمْ : أَصَابَ كُلَّ عَبْدٍ فِي السَّمَاءِ أَوْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ . ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنْ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ فَيَدْعُو .
قَوْلُهُ : ( بَابُ مَا يَتَخَيَّرُ مِنَ الدُّعَاءِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ ) يُشِيرُ إِلَى أَنَّ الدُّعَاءَ السَّابِقَ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ لَا يَجِبُ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ وَرَدَ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ كَمَا أَشَرْتُ إِلَيْهِ ، لِقَوْلِهِ فِي آخِرِ حَدِيثِ التَّشَهُّدِ : ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ ، وَالْمَنْفِيُّ وُجُوبُهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الدُّعَاءَ الَّذِي لَا يَجِبُ دُعَاءٌ مَخْصُوصٌ ، وَهَذَا وَاضِحٌ مُطَابِقٌ لِلْحَدِيثِ ، وَإِنْ كَانَ التَّخْيِيرُ مَأْمُورًا بِهِ . وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَنْفِيُّ التَّخْيِيرَ ، وَيُحْمَلُ الْأَمْرُ الْوَارِدُ بِهِ عَلَى النَّدْبِ ، وَيَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ . قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ : لَيْسَ التَّخْيِيرُ فِي آحَادِ الشَّيْءِ بِدَالٍّ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ ، فَقَدْ يَكُونُ أَصْلُ الشَّيْءِ وَاجِبًا وَيَقَعُ التَّخْيِيرُ فِي وَصْفِهِ .
وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : قَوْلُهُ : ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ ، وَإِنْ كَانَ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ لَكِنَّهَا كَثِيرًا مَا تَرِدُ لِلنَّدْبِ ، وَادَّعَى بَعْضُهُمُ الْإِجْمَاعَ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ، فَقَدْ أَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ طَاوُسٍ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَرَى وُجُوبَ الِاسْتِعَاذَةِ الْمَأْمُورِ بِهَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَهُ : هَلْ قَالَهَا بَعْدَ التَّشَهُّدِ ؟ فَقَالَ : لَا ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ . وَبِهِ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ . وَأَفْرَطَ ابْنُ حَزْمٍ فَقَالَ بِوُجُوبِهَا فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ أَيْضًا ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : لَوْلَا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ : ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ مِنَ الدُّعَاءِ ، لَقُلْتُ بِوُجُوبِهَا ، وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ التَّشَهُّدِ ، وَادَّعَى أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ مِنْ أَتْبَاعِهِ وَالطَّحَاوِيُّ وَآخَرُونَ أَنَّهُ لَمْ يُسْبَقْ إِلَى ذَلِكَ ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى نَدْبِيَّتِهَا بِحَدِيثِ الْبَابِ مَعَ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ وَرَدَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ ، وَالشَّعْبِيِّ وَغَيْرِهِمَا مَا يَدُلُّ عَلَى الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ .
وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ صَحَّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَاوِي حَدِيثِ الْبَابِ مَا يَقْتَضِيهِ ، فَعِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إِلَى أَبِي الْأَحْوَصِ قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : يَتَشَهَّدُ الرَّجُلُ فِي الصَّلَاةِ ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، ثُمَّ يَدْعُو لِنَفْسِهِ بَعْدُ . وَقَدْ وَافَقَ الشَّافِعِيُّ ، أَحْمَدَ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ وَبَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ ، وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ أَيْضًا بِالْوُجُوبِ ، لَكِنْ قَالَ : إِنْ تَرَكَهَا نَاسِيًا رَجَوْتُ أَنْ يُجْزِئَهُ ، فَقِيلَ : إِنَّ لَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَيْنِ كَأَحْمَدَ ، وَقِيلَ : بَلْ كَانَ يَرَاهَا وَاجِبَةً لَا شَرْطًا . وَمِنْهُمْ مَنْ قَيَّدَ تَفَرُّدَ الشَّافِعِيِّ بِكَوْنِهِ عَيَّنَهَا بَعْدَ التَّشَهُّدِ لَا قَبْلَهُ وَلَا فِيهِ ، حَتَّى لَوْ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَثْنَاءِ التَّشَهُّدِ مَثَلًا لَمْ يُجْزِئْ عِنْدَهُ .
وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِهَذَا فِي كِتَابِ الدَّعَوَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ فَيَدْعُو ) ، زَادَ أَبُو دَاوُدَ ، عَنْ مُسَدَّدٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ : فَيَدْعُو بِهِ ، وَنَحْوَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ بِلَفْظِ : فَلْيَدْعُ بِهِ ، وَلِإِسْحَاقَ ، عَنْ عِيسَى ، عَنْ الْأَعْمَشِ : ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ مِنَ الدُّعَاءِ مَا أَحَبَّ ، وَفِي رِوَايَةِ مَنْصُورٍ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الدَّعَوَاتِ : ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ مِنَ الثَّنَاءِ مَا شَاءَ ، وَنَحْوُهُ لِمُسْلِمٍ بِلَفْظِ : مِنَ الْمَسْأَلَةِ ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ بِمَا اخْتَارَ الْمُصَلِّي مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : خَالَفَ فِي ذَلِكَ النَّخَعِيُّ ، وَطَاوُسٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ؛ فَقَالُوا : لَا يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ إِلَّا بِمَا يُوجَدُ فِي الْقُرْآنِ ، كَذَا أَطْلَقَ هُوَ وَمَنْ تَبِعَهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالْمَعْرُوفُ فِي كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ لَا يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ إِلَّا بِمَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ أَوْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ ، وَعِبَارَةُ بَعْضِهِمْ : مَا كَانَ مَأْثُورًا ، قَالَ قَائِلهُمْ : وَالْمَأْثُورُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا أَوْ غَيْرَ مَرْفُوعٍ ، لَكِنَّ ظَاهِرَ حَدِيثِ الْبَابِ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ ، وَكذا يَرُدُّ عَلَى قَوْلِ ابْنِ سِيرِينَ : لَا يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ إِلَّا بِأَمْرِ الْآخِرَةِ ، وَاسْتَثْنَى بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ مَا يُقَبَّحُ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا ، فَإِنْ أَرَادَ الْفَاحِشَ مِنَ اللَّفْظِ فَمُحْتَمَلٌ ، وَإِلَّا فَلَا شَكَّ أَنَّ الدُّعَاءَ بِالْأُمُورِ الْمُحَرَّمَةِ مُطْلَقًا لَا يَجُوزُ ، وَقَدْ وَرَدَ فِيمَا يُقَالُ بَعْدَ التَّشَهُّدِ أَخْبَارٌ مِنْ أَحْسَنِهَا مَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عُمَيْرِ بْنِ سَعْدٍ ، قَالَ : كَانَ عَبْدُ اللَّهِ - يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ - يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ فِي الصَّلَاةِ ، ثُمَّ يَقُولُ : إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنَ التَّشَهُّدِ فَلْيَقُلِ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنَ الْخَيْرِ كُلِّهِ مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّرِّ كُلِّهِ مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ . اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا سَأَلَكَ مِنْهُ عِبَادُكَ الصَّالِحُونَ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا اسْتَعَاذَكَ مِنْهُ عِبَادُكَ الصَّالِحُونَ .
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً الْآيَةُ . قَالَ : وَيَقُولُ : لَمْ يَدْعُ نَبِيٌّ وَلَا صَالِحٌ بِشَيْءٍ إِلَّا دَخَلَ فِي هَذَا الدُّعَاءِ . وَهَذَا مِنَ الْمَأْثُورِ غَيْرِ مَرْفُوعٍ ، وَلَيْسَ هُوَ مِمَّا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ .
وَقَدِ اسْتَدَلَّ الْبَيْهَقِيُّ بِالْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ : ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ فَيَدْعُو بِهِ . وَبِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ : إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنَ التَّشَهُّدِ فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ . الْحَدِيثَ .
وَفِي آخِرِهِ : ثُمَّ يَدْعُو لِنَفْسِهِ بِمَا بَدَا لَهُ ، هَكَذَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ ، وَأَصْلُ الْحَدِيثِ فِي مُسْلِمٍ ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ صَحِيحَةٌ لِأَنَّهَا مِنَ الطَّرِيقِ الَّتِي أَخْرَجَهَا مُسْلِمٌ .