بَاب الْجُمُعَةِ فِي الْقُرَى وَالْمُدُنِ
حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ : أَخْبَرَنَا يُونُسُ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ : أَخْبَرَنَا سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : كُلُّكُمْ رَاعٍ . وَزَادَ اللَّيْثُ : قَالَ يُونُسُ : كَتَبَ رُزَيْقُ بْنُ حُكَيْمٍ إِلَى ابْنِ شِهَابٍ وَأَنَا مَعَهُ يَوْمَئِذٍ بِوَادِي الْقُرَى : هَلْ تَرَى أَنْ أُجَمِّعَ ؟ وَرُزَيْقٌ عَامِلٌ عَلَى أَرْضٍ يَعْمَلُهَا وَفِيهَا جَمَاعَةٌ مِنْ السُّودَانِ وَغَيْرِهِمْ ، وَرُزَيْقٌ يَوْمَئِذٍ عَلَى أَيْلَةَ ، فَكَتَبَ ابْنُ شِهَابٍ - وَأَنَا أَسْمَعُ - يَأْمُرُهُ أَنْ يُجَمِّعَ ، يُخْبِرُهُ أَنَّ سَالِمًا حَدَّثَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ؛ الْإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا ، وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ - قَالَ : وَحَسِبْتُ أَنْ قَدْ قَالَ : - وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ، وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ . قَوْلُهُ : ( أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ ) هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَيُونُسُ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ الْأَيْلِيُّ .
قَوْلُهُ : ( كُلُّكُمْ رَاعٍ وَزَادَ اللَّيْثُ إِلَخْ ) فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ رِوَايَةَ اللَّيْثِ مُتَّفِقَةٌ مَعَ ابْنِ الْمُبَارَكِ إِلَّا فِي الْقِصَّةِ فَإِنَّهَا مُخْتَصَّةٌ بِرِوَايَةِ اللَّيْثِ ، وَرِوَايَةُ اللَّيْثِ مُعَلَّقَةٌ ، وَقَدْ وَصَلَهَا الذُّهْلِيُّ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ كَاتِبِ اللَّيْثِ عَنْهُ ، وَقَدْ سَاقَ الْمُصَنِّفُ رِوَايَةَ ابْنِ الْمُبَارَكِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فِي كِتَابِ الْوَصَايَا ، فَلَمْ يُخَالِفْ رِوَايَةَ اللَّيْثِ إِلَّا فِي إِعَادَةِ قَوْلِهِ فِي آخِرِهِ : وَكُلُّكُمْ رَاعٍ إِلَخْ . قَوْلُهُ : ( وَكَتَبَ رُزَيْقُ بْنُ حُكَيْمٍ ) هُوَ بِتَقْدِيمِ الرَّاءِ عَلَى الزَّايِ ، وَالتَّصْغِيرُ فِي اسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ فِي رِوَايَتِنَا ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي غَيْرِهَا ، وَقِيلَ : بِتَقْدِيمِ الزَّايِ وَبِالتَّصْغِيرِ فِيهِ دُونَ أَبِيهِ . قَوْلُهُ : ( أُجَمِّعُ ) أَيْ : أُصَلِّي بِمَنْ مَعِي الْجُمُعَةَ .
قَوْلُهُ : ( عَلَى أَرْضٍ يَعْمَلُهَا ) أَيْ : يَزْرَعُ فِيهَا . قَوْلُهُ : ( وَرُزَيْقٌ يَوْمَئِذٍ عَلَى أَيْلَةَ ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا لَامٌ ، بَلْدَةٌ مَعْرُوفَةٌ فِي طَرِيقِ الشَّامِ بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَمِصْرَ عَلَى سَاحِلِ الْقُلْزُمِ ، وَكَانَ رُزَيْقٌ أَمِيرًا عَلَيْهَا مِنْ قِبَلِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْأَرْضَ الَّتِي كَانَ يَزْرَعُهَا مِنْ أَعْمَالِ أَيْلَةَ ، وَلَمْ يَسْأَلْ عَنْ أَيْلَةَ نَفْسِهَا لِأَنَّهَا كَانَتْ مَدِينَةً كَبِيرَةً ذَاتَ قَلْعَةٍ ، وَهِيَ الْآنَ خَرَابٌ يَنْزِلُ بِهَا الْحَاجُّ الْمِصْرِيُّ وَالْغَزِّيُّ وَبَعْضُ آثَارِهَا ظَاهِرٌ . قَوْلُهُ : ( وَأَنَا أَسْمَعُ ) هُوَ قَوْلُ يُونُسَ ، وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ ، وَقَوْلُهُ : يَأْمُرُهُ حَالَةٌ أُخْرَى ، وَقَوْلُهُ : يُخْبِرُهُ حَالٌ مِنْ فَاعِلِ يَأْمُرُهُ ، وَالْمَكْتُوبُ هُوَ الْحَدِيثُ ، وَالْمَسْمُوعُ الْمَأْمُورُ بِهِ ، قَالَهُ الْكِرْمَانِيُّ .
وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمَكْتُوبَ هُوَ عَيْنُ الْمَسْمُوعِ ، وَهُوَ الْأَمْرُ وَالْحَدِيثُ مَعًا ، وَفِي قَوْلِهِ : كَتَبَ تَجَوُّزٌ كَأَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَمْلَاهُ عَلَى كَاتِبِهِ فَسَمِعَهُ يُونُسُ مِنْهُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الزُّهْرِيُّ كَتَبَهُ بِخَطِّهِ وَقَرَأَهُ بِلَفْظِهِ فَيَكُونُ فِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ : فَكَتَبَ ابْنُ شِهَابٍ وَقَرَأَهُ وَأَنَا أَسْمَعُ ، وَوَجْهُ مَا احْتُجَّ بِهِ عَلَى التَّجْمِيعِ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُلُّكُمْ رَاعٍ أَنَّ عَلَى مَنْ كَانَ أَمِيرًا إِقَامَةَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ - وَالْجُمُعَةُ مِنْهَا - وَكَانَ رُزَيْقٌ عَامِلًا عَلَى الطَّائِفَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا ، وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُرَاعِيَ حُقُوقَهُمْ وَمِنْ جُمْلَتِهَا إِقَامَةُ الْجُمُعَةِ . قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ الْجُمُعَةَ تَنْعَقِدُ بِغَيْرِ إِذْنٍ مِنَ السُّلْطَانِ إِذَا كَانَ فِي الْقَوْمِ مَنْ يَقُومُ بِمَصَالِحِهِمْ . وَفِيهِ إِقَامَةُ الْجُمُعَةِ فِي الْقُرَى خِلَافًا لِمَنْ شَرَطَ لَهَا الْمُدُنَ ، فَإِنْ قِيلَ ; قَوْلُهُ : كُلُّكُمْ رَاعٍ يَعُمُّ جَمِيعَ النَّاسِ فَيَدْخُلُ فِيهِ الْمَرْعِيُّ أَيْضًا ، فَالْجَوَابُ أَنَّهُ مَرْعِيٌّ بِاعْتِبَارٍ ، رَاعٍ بِاعْتِبَارٍ ، حَتَّى وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَحَدٌ كَانَ رَاعِيًا لِجَوَارِحِهِ وَحَوَاسِّهِ ، لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَقُومَ بِحَقِّ اللَّهِ وَحَقِّ عِبَادِهِ ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى بَقِيَّةِ فَوَائِدِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
قَوْلُهُ فِيهِ : ( قَالَ وَحَسِبْتُ أَنْ قَدْ قَالَ ) جَزَمَ الْكِرْمَانِيُّ بِأَنَّ فَاعِلَ قَالَ هُنَا هُوَ يُونُسُ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ سَالِمٌ ، ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّهُ ابْنُ عُمَرَ . وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ الِاسْتِقْرَاضِ بَيَانُ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَقَدْ رَوَاهُ اللَّيْثُ أَيْضًا عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .