بَاب الرُّخْصَةِ إِنْ لَمْ يَحْضُرْ الْجُمُعَةَ فِي الْمَطَرِ
بَاب الرُّخْصَةِ إِنْ لَمْ يَحْضُرْ الْجُمُعَةَ فِي الْمَطَرِ 901 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ : أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ صَاحِبُ الزِّيَادِيِّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ ابْنُ عَمِّ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِمُؤَذِّنِهِ فِي يَوْمٍ مَطِيرٍ : إِذَا قُلْتَ : أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، فَلَا تَقُلْ : حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ ، قُلْ : صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ . فَكَأَنَّ النَّاسَ اسْتَنْكَرُوا قَالَ : فَعَلَهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي ، إِنَّ الْجُمْعَةَ عَزْمَةٌ ، وَإِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أُحْرِجَكُمْ فَتَمْشُونَ فِي الطِّينِ وَالدَّحَضِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ الرُّخْصَةِ إِنْ لَمْ يَحْضُرِ الْجُمُعَةَ فِي الْمَطَرِ ) ضُبِطَ فِي رِوَايَتِنَا بِكَسْرِ إِنْ وَهِيَ الشَّرْطِيَّةُ ، وَيَحْضُرُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ أَيِ الرَّجُلُ .
وَضَبَطَهُ الْكِرْمَانِيُّ بِفَتْحِ أَنْ وَيَحْضُرُ بِلَفْظِ الْمَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ ، وَهُوَ مُتَّجَهٌ أَيْضًا . وَأَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ هُنَا حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ عُلَيَّةَ ، وَهُوَ مُنَاسِبٌ لِمَا تَرْجَمَ لَهُ ، وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ قَلِيلِ الْمَطَرِ وَكَثِيرِهِ . وَعَنْ مَالِكٍ : لَا يُرَخَّصُ فِي تَرْكِهَا بِالْمَطَرِ .
وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا حُجَّةٌ فِي الْجَوَازِ . وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : الظَّاهِرُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَا يُرَخِّصُ فِي تَرْكِ الْجُمُعَةِ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ : صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ فَإِشَارَةٌ مِنْهُ إِلَى الْعَصْرِ ، فَرَخَّصَ لَهُمْ فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ فِيهَا ، وَأَمَّا الْجُمُعَةُ فَقَدْ جَمَعَهُمْ لَهَا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ جَمَّعَ بِهِمْ فِيهَا . قَالَ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ جَمَّعَهُمْ لِلْجُمُعَةِ لِيُعْلِمَهُمْ بِالرُّخْصَةِ فِي تَرْكِهَا فِي مِثْلِ ذَلِكَ لِيَعْمَلُوا بِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ .
انْتَهَى . وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ لَمْ يُجَمِّعْهُمْ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ : صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ مُخَاطَبَةَ مَنْ لَمْ يَحْضُرْ وَتَعْلِيمَ مَنْ حَضَرَ . قَوْلُهُ : ( إِنَّ الْجُمُعَةَ عَزْمَةٌ ) اسْتَشْكَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فَقَالَ : لَا أَخَالُهُ صَحِيحًا ، فَإِنَّ أَكْثَرَ الرِّوَايَاتِ بِلَفْظِ : إِنَّهَا عَزْمَةٌ أَيْ : كَلِمَةُ الْمُؤَذِّنِ وَهِيَ : حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ ، لِأَنَّهَا دُعَاءٌ إِلَى الصَّلَاةِ تَقْتَضِي لِسَامِعِهِ الْإِجَابَةَ ، وَلَوْ كَانَ مَعْنَى الْجُمُعَةُ عَزْمَةٌ لَكَانَتْ الْعَزِيمَةُ لَا تَزُولُ بِتَرْكِ بَقِيَّةِ الْأَذَانِ .
انْتَهَى . وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ بَقِيَّةَ الْأَذَانِ ، وَإِنَّمَا أَبْدَلَ قَوْلِهِ : حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ بِقَوْلِهِ : صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : إِنَّ الْجُمُعَةَ عَزْمَةٌ أَيْ : فَلَوْ تَرَكْتَ الْمُؤَذِّنَ يَقُولُ : حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ ، لَبَادَرَ مَنْ سَمِعَهُ إِلَى الْمَجِيءِ فِي الْمَطَرِ فَيَشُقُّ عَلَيْهِمْ فَأَمَرْتُهُ أَنْ يَقُولَ : صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ ، لِتَعْلَمُوا أَنَّ الْمَطَرَ مِنَ الْأَعْذَارِ الَّتِي تُصِيرُ الْعَزِيمَةَ رُخْصَةً . قَوْلُهُ : ( وَالدَّحْضُ ) بِفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ - وَيَجُوزُ فَتْحُهَا - وَآخِرِهِ ضَادٌ مُعْجَمَةٌ هُوَ الزَّلِقُ ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ أَنَّ فِي رِوَايَةِ الْقَابِسِيِّ بِالرَّاءِ بَدَلَ الدَّالِ وَهُوَ الْغُسْلُ ، قَالَ : وَلَا مَعْنَى لَهُ هُنَا إِلَّا إِنْ حُمِلَ عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ حِينَ أَصَابَهَا الْمَطَرُ كَالْمُغْتَسَلِ وَالْجَامِعِ بَيْنَهُمَا الزَّلِقُ .
وَقَدْ تَقَدَّمَتْ بَقِيَّةُ مَبَاحِثِ الْحَدِيثِ فِي أَبْوَابِ الْأَذَانِ . ( تَنْبِيهٌ ) : وَقَعَ فِي السِّيَاقِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ ابْنِ عَمِّ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، وَأَنْكَرَهُ الدِّمْيَاطِيُّ فَقَالَ : كَانَ زَوْجَ بِنْتِ سِيرِينَ فَهُوَ صِهْرُ ابْنِ سِيرِينَ لَا ابْنُ عَمِّهِ . قُلْتُ : مَا الْمَانِعُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ سِيرِينَ ، وَالْحَارِثِ أُخُوَّةٌ مِنْ رَضَاعٍ وَنَحْوِهِ ، فَلَا يَنْبَغِي تَغْلِيطُ الرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ مَعَ وُجُودِ الِاحْتِمَالِ الْمَقْبُولِ .