بَاب مَا جَاءَ فِي التَّقْصِيرِ وَكَمْ يُقِيمُ حَتَّى يَقْصُرَ
كِتَاب تَقْصِيرِ الصَّلَاةِ 1 - بَاب مَا جَاءَ فِي التَّقْصِيرِ ، وَكَمْ يُقِيمُ حَتَّى يَقْصُرَ 1080 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ عَاصِمٍ ، وَحُصَيْنٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : أَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِسْعَةَ عَشَرَ يَقْصُرُ ، فَنَحْنُ إِذَا سَافَرْنَا تِسْعَةَ عَشَرَ قَصَرْنَا ، وَإِنْ زِدْنَا أَتْمَمْنَا . قَوْلُهُ : ( أَبْوَابُ التَّقْصِيرِ ) ثَبَتَتْ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ لِلْمُسْتَمْلِي . وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْوَقْتِ أَبْوَابُ تَقْصِيرِ الصَّلَاةِ ، وَثَبَتَتِ الْبَسْمَلَةُ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ وَالْأَصِيلِيِّ .
قَوْلُهُ : ( بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّقْصِيرِ ) تَقُولُ : قَصَرْتُ الصَّلَاةَ بِفَتْحَتَيْنِ مُخَفَّفًا قَصْرًا ، وَقَصَّرْتُهَا بِالتَّشْدِيدِ تَقْصِيرًا ، وَأَقْصَرْتُهَا إِقْصَارًا ، وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ فِي الِاسْتِعْمَالِ . وَالْمُرَادُ بِهِ تَخْفِيفُ الرُّبَاعِيَّةِ إِلَى رَكْعَتَيْنِ . وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنْ لَا تَقْصِيرَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ وَلَا فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ : ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ الْقَصْرُ فِي كُلِّ سَفَرٍ مُبَاحٍ .
وَذَهَبَ بَعْضُ السَّلَفِ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْقَصْرِ الْخَوْفُ فِي السَّفَرِ ، وَبَعْضُهُمْ كَوْنُهُ سَفَرَ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ جِهَادٍ ، وَبَعْضُهُمْ كَوْنُهُ سَفَرَ طَاعَةٍ ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيِّ فِي كُلِّ سَفَرٍ سَوَاءٌ كَانَ طَاعَةً أَوْ مَعْصِيَةً . قَوْلُهُ : ( وَكَمْ يُقِيمُ حَتَّى يَقْصُرَ ) فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِشْكَالٌ ؛ لِأَنَّ الْإِقَامَةَ لَيْسَتْ سَبَبًا لِلْقَصْرِ ، وَلَا الْقَصْرَ غَايَةٌ لِلْإِقَامَةِ ، قَالَهُ الْكِرْمَانِيُّ وَأَجَابَ بِأَنَّ عَدَدَ الْأَيَّامِ الْمَذْكُورَةِ سَبَبٌ لِمَعْرِفَةِ جَوَازِ الْقَصْرِ فِيهَا وَمَنْعِ الزِّيَادَةِ عَلَيْهَا ، وَأَجَابَ غَيْرُهُ بِأَنَّ الْمَعْنَى وَكَمْ أَقَامَتُهُ الْمُغَيَّاةُ بِالْقَصْرِ ؟ وَحَاصِلُهُ كَمْ يُقِيمُ مُقْصِرٌ ؟ وَقِيلَ الْمُرَادُ كَمْ يَقْصُرُ حَتَّى يُقِيمَ ؟ أَيْ حَتَّى يُسَمَّى مُقِيمًا فَانْقَلَبَ اللَّفْظُ ، أَوْ حَتَّى هُنَا بِمَعْنَى حِينَ أَيْ كَمْ يُقِيمُ حِينَ يَقْصُرُ ؟ وَقِيلَ فَاعِلُ يُقِيمُ هُوَ الْمُسَافِرُ ، وَالْمُرَادُ إِقَامَتُهُ فِي بَلَدٍ مَا غَايَتُهَا الَّتِي إِذَا حَصَلَتْ يَقْصُرُ . قَوْلُهُ : ( عَنْ عَاصِمٍ ) هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ ، وَحُصَيْنٌ بِالضَّمِّ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ .
قَوْلُهُ : ( تِسْعَةَ عَشَرَ ) أَيْ يَوْمًا بِلَيْلَتِهِ ، زَادَ فِي الْمَغَازِي مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَاصِمٍ وَحْدَهُ بِمَكَّةَ ، وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ سَبْعَةَ عَشَرَ بِتَقْدِيمِ السِّينِ ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ، عَنْ عَاصِمٍ قَالَ : وَقَالَ عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ : تِسْعَ عَشْرَةَ كَذَا ذَكَرَهَا مُعَلَّقَةً ، وَقَدْ وَصَلَهَا الْبَيْهَقِيُّ . وَلِأَبِي دَاوُدَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَ الْفَتْحِ فَأَقَامَ بِمَكَّةَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ لَيْلَةً لَا يُصَلِّي إِلَّا رَكْعَتَيْنِ وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ ، وَجَمَعَ الْبَيْهَقِيُّ بَيْنَ هَذَا الِاخْتِلَافِ بِأَنَّ مَنْ قَالَ تِسْعَ عَشْرَةَ عَدَّ يَوْمَيِ الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ ، وَمَنْ قَالَ سَبْعَ عَشْرَةَ حَذَفَهُمَا ، وَمَنْ قَالَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ عَدَّ أَحَدَهُمَا . وَأَمَّا رِوَايَةُ خَمْسَةَ عَشَرَ فَضَعَّفَهَا النَّوَوِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ ، وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ لِأَنَّ رُوَاتَهَا ثِقَاتٌ ، وَلَمْ يَنْفَرِدْ بِهَا ابْنُ إِسْحَاقَ فَقَدْ أَخْرَجَهَا النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ كَذَلِكَ ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهَا صَحِيحَةٌ فَلْيُحْمَلْ عَلَى أَنَّ الرَّاوِيَ ظَنَّ أَنَّ الْأَصْلَ رِوَايَةُ سَبْعَةَ عَشَرَ فَحَذَفَ مِنْهَا يَوْمَيِ الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ فَذَكَرَ أَنَّهَا خَمْسَةَ عَشَرَ ، وَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ رِوَايَةَ تِسْعَةَ عَشَرَ أَرْجَحُ الرِّوَايَاتِ ، وَبِهَذَا أَخَذَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ ، وَيُرَجِّحُهَا أَيْضًا أَنَّهَا أَكْثَرُ مَا وَرَدَتْ بِهِ الرِّوَايَاتُ الصَّحِيحَةُ ، وَأَخَذَ الثَّوْرِيُّ وَأَهْلُ الْكُوفَةِ بِرِوَايَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ لِكَوْنِهَا أَقَلَّ مَا وَرَدَ ، فَيُحْمَلُ مَا زَادَ عَلَى أَنَّهُ وَقَعَ اتِّفَاقًا .
وَأَخَذَ الشَّافِعِيُّ بِحَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ لَكِنْ مَحَلُّهُ عِنْدَهُ فِيمَنْ لَمْ يُزْمِعِ الْإِقَامَةَ ، فَإِنَّهُ إِذَا مَضَتْ عَلَيْهِ الْمُدَّةُ الْمَذْكُورَةُ وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِتْمَامُ ، فَإِنْ أَزْمَعَ الْإِقَامَةَ فِي أَوَّلِ الْحَالِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ أَتَمَّ ، عَلَى خِلَافٍ بَيْنَ أَصْحَابِهِ فِي دُخُولِ يَوْمَيِ الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ فِيهَا أَوْ لَا ، وَحُجَّتُهُ حَدِيثُ أَنَسٍ الَّذِي يَلِيهِ . قَوْلُهُ : ( فَنَحْنُ إِذَا سَافَرْنَا تِسْعَ عَشَرَ قَصَرْنَا ، وَإِنْ زِدْنَا أَتْمَمْنَا ) ظَاهِرُهُ أَنَّ السَّفَرَ إِذَا زَادَ عَلَى تِسْعَةَ عَشَرَ لَزِمَ الْإِتْمَامُ وَلَيْسَ ذَلِكَ الْمُرَادَ ، وَقَدْ صَرَّحَ أَبُو يَعْلَى ، عَنْ شَيْبَانَ ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِالْمُرَادِ وَلَفْظِهِ إِذَا سَافَرْنَا فَأَقَمْنَا فِي مَوْضِعٍ تِسْعَةَ عَشَرَ وَيُؤَيِّدُهُ صَدْرُ الْحَدِيثِ وَهُوَ قَوْلُهُ : أَقَامَ وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَاصِمٍ : فَإِذَا أَقَمْنَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ صَلَّيْنَا أَرْبَعًا . قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ : خَرَجْنَا مِنَ الْمَدِينَةِ فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ عِنْدَ مُسْلِمٍ إِلَى الْحَجِّ .