بَاب مَا جَاءَ فِي التَّقْصِيرِ وَكَمْ يُقِيمُ حَتَّى يَقْصُرَ
حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ : خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ ، فَكَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ ، حَتَّى رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ . قُلْتُ : أَقَمْتُمْ بِمَكَّةَ شَيْئًا ؟ قَالَ : أَقَمْنَا بِهَا عَشْرًا . قَوْلُهُ : ( فَكَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ ) فِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ عَاصِمٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَنَسٍ إِلَّا فِي الْمَغْرِبِ .
قَوْلُهُ : ( أَقَمْنَا بِهَا عَشْرًا ) لَا يُعَارِضُ ذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورُ ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ كَانَ فِي فَتْحِ مَكَّةَ وَحَدِيثَ أَنَسٍ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، وَسَيَأْتِي بَعْدَ بَابٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَدِمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابُهُ لِصُبْحٍ رَابِعَةٍ الْحَدِيثَ ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ صُبْحَ الرَّابِعَ عَشَرَ فَتَكُونُ مُدَّةُ الْإِقَامَةِ بِمَكَّةَ وَضَوَاحِيهَا عَشَرَةَ أَيَّامٍ بِلَيَالِيهَا كَمَا قَالَ أَنَسٌ ، وَتَكُونُ مُدَّةُ إِقَامَتِهِ بِمَكَّةَ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ سَوَاءً لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْهَا فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ فَصَلَّى الظُّهْرَ بِمِنًى ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الشَّافِعِيُّ : إِنَّ الْمُسَافِرَ إِذَا أَقَامَ بِبَلْدَةٍ قَصَرَ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ ، وَقَالَ أَحْمَدُ : إِحْدَى وَعِشْرِينَ صَلَاةً . وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ رَشِيدٍ : أَرَادَ الْبُخَارِيُّ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ حَدِيثَ أَنَسٍ دَاخِلٌ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ؛ لِأَنَّ إِقَامَةَ عَشْرٍ دَاخِلٌ فِي إِقَامَةِ تِسْعَ عَشْرَةَ - فَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ الْأَخْذَ بِالزَّائِدِ مُتَعَيِّنٌ - فَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَجِيءُ عَلَى اتِّحَادِ الْقِصَّتَيْنِ ، وَالْحَقُّ أَنَّهُمَا مُخْتَلِفَانِ ، فَالْمُدَّةُ الَّتِي فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَسُوغُ الِاسْتِدْلَالُ بِهَا عَلَى مَنْ لَمْ يَنْوِ الْإِقَامَةَ ، بَلْ كَانَ مُتَرَدِّدًا مَتَى يَتَهَيَّأُ لَهُ فَرَاغُ حَاجَتِهِ يَرْحَلُ ، وَالْمُدَّةُ الَّتِي فِي حَدِيثِ ابْنِ أَنَسٍ يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى مَنْ نَوَى الْإِقَامَةَ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَيَّامِ الْحَجِّ كَانَ جَازِمًا بِالْإِقَامَةِ تِلْكَ الْمُدَّةَ ، وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ . حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ لَمَّا كَانَ الْأَصْلُ فِي الْمُقِيمِ الْإِتْمَامَ ، فَلَمَّا لَمْ يَجِئْ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ أَقَامَ فِي حَالِ السَّفَرِ أَكْثَرَ مِنْ تِلْكَ الْمُدَّةِ جَعَلَهَا غَايَةً لِلْقَصْرِ ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ عَلَى أَقْوَالٍ كَثِيرَةٍ كَمَا سَيَأْتِي ، وَفِيهِ أَنَّ الْإِقَامَةَ فِي أَثْنَاءِ السَّفَرِ تُسَمَّى إِقَامَةً ، وَإِطْلَاقُ اسْمِ الْبَلَدِ عَلَى مَا جَاوَرَهَا وَقَرُبَ مِنْهَا لِأَنَّ مِنًى وَعَرَفَةَ لَيْسَا مِنْ مَكَّةَ ، أَمَّا عَرَفَةُ فَلِأَنَّهَا خَارِجُ الْحَرَمِ فَلَيْسَتْ مِنْ مَكَّةَ قَطْعًا ، وَأَمَّا مِنًى فَفِيهَا احْتِمَالٌ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ مَكَّةَ إِلَّا إِنْ قُلْنَا إِنَّ اسْمَ مَكَّةَ يَشْمَلُ جَمِيعَ الْحَرَمِ ، قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : لَيْسَ لِحَدِيثِ أَنَسٍ وَجْهٌ إِلَّا أَنَّهُ حَسَبَ أَيَّامَ إِقَامَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَجَّتِهِ مُنْذُ دَخَلَ مَكَّةَ إِلَى أَنْ خَرَجَ مِنْهَا لَا وَجْهَ لَهُ إِلَّا هَذَا .
وَقَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ : أُطْلِقَ عَلَى ذَلِكَ إِقَامَةٌ بِمَكَّةَ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْمَوَاضِعَ مَوَاضِعُ النُّسُكِ وَهِيَ فِي حُكْمِ التَّابِعِ لِمَكَّةَ ؛ لِأَنَّهَا الْمَقْصُودُ بِالْأَصَالَةِ لَا يَتَّجِهُ سِوَى ذَلِكَ كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَزَعَمَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ الشَّافِعِيَّ لَمْ يَسْبِقْ إِلَى أَنَّ الْمُسَافِرَ يَصِيرُ بِنِيَّةِ إِقَامَتِهِ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ مُقِيمًا ، وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ نَحْوَ مَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ .