حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب قِيَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّيْلَ حَتَّى تَرِمَ قَدَمَاه

بَاب قِيَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّيْلَ وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : كَانَ يَقُومُ حَتَّى تَفَطَّرَ قَدَمَاهُ ، وَالْفُطُورُ : الشُّقُوقُ ، انْفَطَرَتْ : انْشَقَّتْ . 1130 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ ، عَنْ زِيَادٍ قَالَ : سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ : إِنْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيَقُومُ - أو لِيُصَلِّيَ : حَتَّى تَرِمُ قَدَمَاهُ - أَوْ سَاقَاهُ - فَيُقَالُ لَهُ ، فَيَقُولُ : أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا ؟ قَوْلُهُ : ( بَابُ قِيَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّيْلَ ) كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ مِنْ طَرِيقَيْنِ عَنْهُ ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ : حَتَّى تَرِمَ قَدَمَاهُ . وَلِلْبَاقِينَ : قِيَامُ اللَّيْلِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

قَوْلُهُ : ( وَقَالَتْ عَائِشَةُ : كَانَ يَقُومُ ) كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ ، وَلِغَيْرِهِ : قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَوْلُهُ : ( حَتَّى تَفَطَّرَ ) بِتَاءٍ وَاحِدَةٍ ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ : تَتْفَطَّرُ بِمُثَنَّاتَيْنِ . قَوْلُهُ : ( وَالْفُطُورُ الشُّقُوقُ ) كَذَا ذَكَرَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي الْمَجَازِ .

قَوْلُهُ : ( انْفَطَرَتْ : انْشَقَّتْ ) هَذَا التَّفْسِيرُ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مَوْصُولًا ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، قَالَ : وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَغَيْرِهِمَا ذَلِكَ ، وَكَذَا حَكَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ الشَّامِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ وَصَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْفَتْحِ . قَوْلُهُ : ( عَنْ زِيَادٍ ) هُوَ ابْنُ عِلَاقَةَ ، وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الرِّقَاقِ ، عَنْ خَلَّادِ بْنِ يَحْيَى ، عَنْ مِسْعَرٍ : حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ عِلَاقَةَ . ( تَنْبِيهٌ ) : هَكَذَا رَوَاهُ الْحُفَّاظُ مِنْ أَصْحَابِ مِسْعَرٍ عَنْهُ ، وَخَالَفَهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ وَحْدَهُ ، فَرَوَاهُ عَنْ مِسْعَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ ، أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ ، وَقَالَ : الصَّوَابُ ، عَنْ مِسْعَرٍ ، عَنْ زِيَادٍ ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي قَتَادَةَ الْحَرَّانِيِّ ، عَنْ مِسْعَرٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْأَقْمَرِ ، عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ ، وَأَخْطَأَ فِيهِ أَيْضًا ، وَالصَّوَابُ مِسْعَرٌ ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ .

قَوْلُهُ : ( إِنْ كَانَ لَيَقُومُ أَوْ لَيُصَلِّي ) إِنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ ، وَ لَيَقُومُ بِفَتْحِ اللَّامِ ، وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ : لَيَقُومُ يُصَلِّي ، وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ : كَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ . قَوْلُهُ : ( حَتَّى تَرِمُ ) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ ، وَكَسْرِ الرَّاءِ ، وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ بِلَفْظِ الْمُضَارِعِ مِنَ الْوَرَمِ ، هَكَذَا سُمِعَ ، وَهُوَ نَادِرٌ ، وَفِي رِوَايَةِ خَلَّادِ بْنِ يَحْيَى : حَتَّى تَرِمَ أَوْ تَنْتَفِخَ قَدَمَاهُ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ ، عَنْ زِيَادٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ : حَتَّى انْتَفَخَتْ قَدَمَاهُ . قَوْلُهُ : ( قَدَمَاهُ أَوْ سَاقَاهُ ) ، وَفِي رِوَايَةِ خَلَّادٍ : قَدَمَاهُ وَلَمْ يَشُكَّ ، وَلِلْمُصَنِّفِ فِي تَفْسِيرِ الْفَتْحِ : حَتَّى تَوَرَّمَتْ ، وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : حَتَّى تَزْلَعَ قَدَمَاهُ بِزَايٍ وَعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ ، وَلَا اخْتِلَافَ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ ، فَإِنَّهُ إِذَا حَصَلَ الِانْتِفَاخُ أَوِ الْوَرَمُ حَصَلَ الزَّلَعُ وَالتَّشَقُّقُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

قَوْلُهُ : ( فَيُقَالُ لَهُ ) لَمْ يَذْكُرِ الْمَقُولَ ، وَلَمْ يُسَمِّ الْقَائِلَ ، وَفِي تَفْسِيرِ الْفَتْحِ : فَقِيلَ لَهُ : غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ . وَفِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ : فَقِيلَ لَهُ : أَتَتَكَلَّفُ هَذَا . وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ : فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ : لِمَ تَصْنَعُ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ ؟ .

وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ الْبَزَّارِ : فَقِيلَ لَهُ : تَفْعَلُ هَذَا ، وَقَدْ جَاءَكَ مِنَ اللَّهِ أَنْ قَدْ غَفَرَ لَكَ ؟ قَوْلُهُ : ( أَفَلَا أَكُونُ ) فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ : أَفَلَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ ( عَبْدًا شَكُورًا ) ، وَزَادَتْ فِيهِ : فَلَمَّا كَثُرَ لَحْمُهُ صَلَّى جَالِسًا ، الْحَدِيثَ . وَالْفَاءُ فِي قَوْلِهِ : أَفَلَا أَكُونُ ؛ لِلسَّبَبِيَّةِ ، وَهِيَ عَنْ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ : أَأَتْرُكُ تَهَجُّدِي ، فَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمَغْفِرَةَ سَبَبٌ لِكَوْنِ التَّهَجُّدِ شُكْرًا ، فَكَيْفَ أَتْرُكُهُ ؟ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَخْذُ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ بِالشِّدَّةِ فِي الْعِبَادَةِ ، وَإِنْ أَضَرَّ ذَلِكَ بِبَدَنِهِ ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ مَعَ عِلْمِهِ بِمَا سَبَقَ لَهُ ، فَكَيْفَ بِمَنْ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ ، فَضْلًا عَمَّنْ لَمْ يَأْمَنْ أَنَّهُ اسْتَحَقَّ النَّارَ . انْتَهَى .

وَمَحَلُّ ذَلِكَ مَا إِذَا لَمْ يُفْضِ إِلَى الْمَلَالِ ؛ لِأَنَّ حَالَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ أَكْمَلَ الْأَحْوَالِ ، فَكَانَ لَا يَمَلُّ مِنْ عِبَادَةِ رَبِّهِ ، وَإِنْ أَضَرَّ ذَلِكَ بِبَدَنِهِ ، بَلْ صَحَّ أَنَّهُ قَالَ : وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ ، كَمَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ، فَأَمَّا غَيْرُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا خَشِيَ الْمَلَلَ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُكْرِهَ نَفْسَهُ ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : خُذُوا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا . وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ الصَّلَاةِ لِلشُّكْرِ ، وَفِيهِ أَنَّ الشُّكْرَ يَكُونُ بِالْعَمَلِ ، كَمَا يَكُونُ بِاللِّسَانِ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : ظَنَّ مَنْ سَأَلَهُ عَنْ سَبَبِ تَحَمُّلِهِ الْمَشَقَّةَ فِي الْعِبَادَةِ أَنَّهُ إِنَّمَا يَعْبُدُ اللَّهَ خَوْفًا مِنَ الذُّنُوبِ ، وَطَلَبًا لِلْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ ، فَمَنْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ غُفِرَ لَهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى ذَلِكَ ، فَأَفَادَهُمْ أَنَّ هُنَاكَ طَرِيقًا آخَرَ لِلْعِبَادَةِ ، وَهُوَ الشُّكْرُ عَلَى الْمَغْفِرَةِ وَإِيصَالُ النِّعْمَةِ لِمَنْ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ فِيهَا شَيْئًا ، فَيَتَعَيَّنُ كَثْرَةُ الشُّكْرِ عَلَى ذَلِكَ ، وَالشُّكْرُ : الِاعْتِرَافُ بِالنِّعْمَةِ ، وَالْقِيَامُ بِالْخِدْمَةِ ، فَمَنْ كَثُرَ ذَلِكَ مِنْهُ سُمِّيَ شَكُورًا ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ . وَفِيهِ مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ مِنَ الِاجْتِهَادِ فِي الْعِبَادَةِ وَالْخَشْيَةِ مِنْ رَبِّهِ ، قَالَ الْعُلَمَاءُ : إِنَّمَا أَلْزَمَ الْأَنْبِيَاءُ أَنْفُسَهُمْ بِشِدَّةِ الْخَوْفِ لِعِلْمِهِمْ بِعَظِيمِ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ ، وَأَنَّهُ ابْتَدَأَهُمْ بِهَا قَبْلَ اسْتِحْقَاقِهَا ، فَبَذَلُوا مَجْهُودَهُمْ فِي عِبَادَتِهِ لِيُؤَدُّوا بَعْضَ شُكْرِهِ ، مَعَ أَنَّ حُقُوقَ اللَّهِ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَقُومَ بِهَا الْعِبَادُ .

وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ( تَكْمِلَةٌ ) : قِيلَ : أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ لِيُنَبِّهَ عَلَى أَنَّ قِيَامَ جَمِيعِ اللَّيْلِ غَيْرُ مَكْرُوهٍ ، وَلَا تُعَارِضُهُ الْأَحَادِيثُ الْآتِيَةُ بِخِلَافِهِ ؛ لِأَنَّهُ يُجْمَعُ بَيْنَهَا ، بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يُدَاوِمُ عَلَى قِيَامِ جَمِيعِ اللَّيْلِ ، بَلْ كَانَ يَقُومُ وَيَنَامُ كَمَا أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ ، وَأَخْبَرَتْ عَنْهُ عَائِشَةُ أَيْضًا ، وَسَيَأْتِي نَقْلُ الْخِلَافِ فِي إِيجَابِ قِيَامِ اللَّيْلِ فِي بَابِ عَقْدِ الشَّيْطَانِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .

ورد في أحاديث4 أحاديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث