بَاب مَنْ نَامَ عِنْدَ السَّحَر
بَاب مَنْ نَامَ عِنْدَ السَّحَرِ 1131 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ : أَنَّ عَمْرَو بْنَ أَوْسٍ أَخْبَرَهُ : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَخْبَرَهُ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ : أَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللَّهِ صَلَاةُ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام ، وَأَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ ، وَكَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ ، وَيَقُومُ ثُلُثَهُ ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ ، وَيَصُومُ يَوْمًا ، وَيُفْطِرُ يَوْمًا . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَنْ نَامَ عِنْدَ السَّحَرِ ) فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ ، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ : السُّحُورِ ، وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا وَجْهٌ ، وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ . وَأَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ : أَحَدُهَا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، وَالْآخَرَانِ لِعَائِشَةَ .
قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : ( أَنَّ عَمْرَو بْنَ أَوْسٍ أَخْبَرَهُ ) أَيِ : ابْنَ أَبِي أَوْسٍ الثَّقَفِيَّ الطَّائِفِيَّ ، وَهُوَ تَابِعِيٌّ كَبِيرٌ ، وَوَهِمَ مَنْ ذَكَرَهُ فِي الصَّحَابَةِ ، وَإِنَّمَا الصُّحْبَةُ لِأَبِيهِ . قَوْلُهُ : ( أَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللَّهِ صَلَاةُ دَاوُدَ ) قَالَ الْمُهَلَّبُ : كَانَ دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يُجِمُّ نَفْسَهُ بِنَوْمِ أَوَّلِ اللَّيْلِ ، ثُمَّ يَقُومُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُنَادِي اللَّهُ فِيهِ : هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُعْطِيَهُ سُؤْلَهُ ، ثُمَّ يَسْتَدِرْكُ بِالنَّوْمِ مَا يَسْتَرِيحُ بِهِ مِنْ نَصَبِ الْقِيَامِ فِي بَقِيَّةِ اللَّيْلِ ، وَهَذَا هُوَ النَّوْمُ عِنْدَ السَّحَرِ كَمَا تَرْجَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ ، وَإِنَّمَا صَارَتْ هَذِهِ الطَّرِيقَةُ أَحَبَّ مِنْ أَجْلِ الْأَخْذِ بِالرِّفْقِ لِلنَّفْسِ الَّتِي يُخْشَى مِنْهَا السَّآمَةُ ، وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا ، وَاللَّهُ يُحِبُّ أَنْ يُدِيمَ فَضْلَهُ وَيُوَالِيَ إِحْسَانَهُ ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ أَرْفَقَ ؛ لِأَنَّ النَّوْمَ بَعْدَ الْقِيَامِ يُرِيحُ الْبَدَنَ ، وَيُذْهِبُ ضَرَرَ السَّهَرِ ، وَذُبُولَ الْجِسْمِ ، بِخِلَافِ السَّهَرِ إِلَى الصَّبَاحِ . وَفِيهِ مِنَ الْمَصْلَحَةِ أَيْضًا : اسْتِقْبَالُ صَلَاةِ الصُّبْحِ ، وَأَذْكَارِ النَّهَارِ بِنَشَاطٍ وَإِقْبَالٍ ، وَأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى عَدَمِ الرِّيَاءِ ؛ لِأَنَّ مَنْ نَامَ السُّدُسَ الْأَخِيرَ أَصْبَحَ ظَاهِرَ اللَّوْنِ سَلِيمَ الْقُوَى ، فَهُوَ أَقْرَبُ إِلَى أَنْ يُخْفِيَ عَمَلَهُ الْمَاضِي عَلَى مَنْ يَرَاهُ ، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ ، وَحُكِيَ عَنْ قَوْمٍ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ : أَحَبُّ الصَّلَاةِ هُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ حَالُهُ مِثْلُ حَالِ الْمُخَاطَبِ بِذَلِكَ ، وَهُوَ مَنْ يَشُقُّ عَلَيْهِ قِيَامُ أَكْثَرِ اللَّيْلِ ، قَالَ : وَعُمْدَةُ هَذَا الْقَائِلِ اقْتِضَاءُ الْقَاعِدَةِ زِيَادَةَ الْأَجْرِ بِسَبَبِ زِيَادَةِ الْعَمَلِ ، لكنْ يُعَارِضُهُ هُنَا اقْتِضَاءُ الْعَادَةِ وَالْجِبِلَّةِ التَّقْصِيرَ فِي حُقُوقٍ يُعَارِضُهَا طُولُ الْقِيَامِ ، وَمِقْدَارُ ذَلِكَ الْفَائِتِ مَعَ مِقْدَارِ الْحَاصِلِ مِنَ الْقِيَامِ غَيْرُ مَعْلُومٍ لَنَا ، فَالْأَوْلَى أَنْ يَجْرِيَ الْحَدِيثُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَعُمُومِهِ ، وَإِذَا تَعَارَضَتِ الْمَصْلَحَةُ وَالْمَفْسَدَةُ ، فَمِقْدَارُ تَأْثِيرِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الْحَثِّ أَوِ الْمَنْعِ غَيْرُ مُحَقَّقٍ لَنَا ، فَالطَّرِيقُ أَنَّنَا نُفَوِّضُ الْأَمْرَ إِلَى صَاحِبِ الشَّرْعِ ، وَنَجْرِي عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ مَعَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ قُوَّةِ الظَّاهِرِ هُنَا .
وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ( تَنْبِيهٌ ) : قَالَ ابْنُ التِّينِ : هَذَا الْمَذْكُورُ إِذَا أَجْرَيْنَاهُ عَلَى ظَاهِرِهِ فَهُوَ فِي حَقِّ الْأُمَّةِ ، وَأَمَّا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِقِيَامِ أَكْثَرِ اللَّيْلِ ، فَقَالَ : ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ١ قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلا ﴾ انْتَهَى . وَفِيهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّ هَذَا الْأَمْرَ قَدْ نُسِخَ كَمَا سَيَأْتِي ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ : فَلَمَّا كَانَ نِصْفُ اللَّيْلِ ، أَوْ قَبْلُهُ بِقَلِيلٍ ، أَوْ بَعْدُهُ بِقَلِيلٍ وَهُوَ نَحْوُ الْمَذْكُورِ هُنَا .
نَعَمْ سَيَأْتِي بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يُجْرِي الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ عَلَى وَتِيرَةٍ وَاحِدَةٍ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( وَأَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ ) يَأْتِي فِيهِ مَا تَقَدَّمَ فِي الصَّلَاةِ ، وَسَتَأْتِي بَقِيَّةُ مَبَاحِثِهِ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
قَوْلُهُ : ( كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ إِلَخْ ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ : ( كَانَ يَرْقُدُ شَطْرَ اللَّيْلِ ، ثُمَّ يَقُومُ ثُلُثَ اللَّيْلِ بَعْدَ شَطْرِهِ ) قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : قُلْتُ لِعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ : عَمْرُو بْنُ أَوْسٍ هُوَ الَّذِي يَقُولُ : يَقُومُ ثُلُثَ اللَّيْلِ ؟ قَالَ : نَعَمْ . انْتَهَى . وَظَاهِرُهُ أَنَّ تَقْدِيرَ الْقِيَامِ بِالثُّلُثِ مِنْ تَفْسِيرِ الرَّاوِي ، فَيَكُونُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى إِدْرَاجٌ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ : عَمْرُو بْنُ أَوْسٍ ذَكَرَهُ أَيْ بِسَنَدِهِ فَلَا يَكُونُ مُدْرَجًا .
وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ مِنَ الْفَائِدَةِ تَرْتِيبُ ذَلِكَ بِثُمَّ ، فَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ أَجَازَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ أَنْ تَحْصُلَ السُّنَّةُ بِنَوْمِ السُّدُسِ الْأَوَّلِ مَثَلًا ، وَقِيَامِ الثُّلُثِ ، وَنَوْمِ النِّصْفِ الْأَخِيرِ ، وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْوَاوَ لَا تُرَتِّبُ . ( تَنْبِيهٌ ) : قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ : الظَّاهِرُ مِنْ سِيَاقِ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَمْرٍو مُطَابَقَةُ مَا تَرْجَمَ لَهُ ، إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ نَصًّا فِيهِ ، فَبَيَّنَهُ بِالْحَدِيثِ الثَّالِثِ ، وَهُوَ قَوْلُ عَائِشَةَ : مَا أَلْفَاهُ السَّحَرُ عِنْدِي إِلَّا نَائِمًا .