بَاب إِذَا نَامَ وَلَمْ يُصَلِّ بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنِه
بَاب إِذَا نَامَ وَلَمْ يُصَلِّ بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنِهِ 1144 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ قَالَ : حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ فَقِيلَ : مَا زَالَ نَائِمًا حَتَّى أَصْبَحَ ، مَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ ، فَقَالَ : بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنِهِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ إِذَا نَامَ وَلَمْ يُصَلِّ بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنِهِ ) هَذِهِ التَّرْجَمَةُ لِلْمُسْتَمْلِي وَحْدَهُ . وَلِلْبَاقِينَ : بَابٌ فَقَطْ ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْفَصْلِ مِنَ الْبَابِ ، وَتَعَلُّقُهُ بِالَّذِي قَبْلَهُ ظَاهِرٌ لِمَا سَنُوَضِّحُهُ .
قَوْلُهُ : ( ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ ، لَكِنْ أَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ النَّخَعِيِّ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ : مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ هُوَ ، وَلَفْظُهُ بَعْدَ سِيَاقِ الْحَدِيثِ بِنَحْوِهِ : وَأَيْمُ اللَّهِ ، لَقَدْ بَالَ فِي أُذُنِ صَاحِبِكُمْ لَيْلَةً ؛ يَعْنِي نَفْسَهُ . قَوْلُهُ : ( فَقِيلَ : مَا زَالَ نَائِمًا حَتَّى أَصْبَحَ ) فِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ ، عَنْ مَنْصُورٍ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ : رَجُلٌ نَامَ لَيْلَةً حَتَّى أَصْبَحَ . قَوْلُهُ : ( مَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ ) المُرَادُ الْجِنْسُ ، وَيُحْتَمَلُ الْعَهْدُ ، وَيُرَادُ بِهِ صَلَاةُ اللَّيْلِ أَوِ الْمَكْتُوبَةُ .
وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ سُفْيَانَ هَذَا عِنْدَنَا : نَامَ عَنِ الْفَرِيضَةِ ، أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ . وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ مُنَاسَبَةُ الْحَدِيثِ لِمَا قَبْلَهُ . وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الَّذِي قَدَّمْتُ ذِكْرَهُ مِنْ فَوَائِدِ الْمُخَلِّصِ : أَصْبَحَتِ الْعُقَدُ كُلُّهَا كَهَيْئَتِهَا ، وَبَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنِهِ .
فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ وَقْتُ بَوْلِ الشَّيْطَانِ ، وَمُنَاسَبَةُ هَذَا الْحَدِيثِ لِلَّذِي قَبْلَهُ . قَوْلُهُ : ( فِي أُذُنِهِ ) فِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ : فِي أُذُنَيْهِ ؛ بِالتَّثْنِيَةِ . وَاخْتُلِفَ فِي بَوْلِ الشَّيْطَانِ ، فَقِيلَ : هُوَ عَلَى حَقِيقَتِهِ .
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُ : لَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ ، إِذْ لَا إِحَالَةَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ ، وَيَنْكِحُ ، فَلَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يَبُولَ . وَقِيلَ : هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ سَدِّ الشَّيْطَانِ أُذُنَ الَّذِي يَنَامُ عَنِ الصَّلَاةِ حَتَّى لَا يَسْمَعَ الذِّكْرَ . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ أَنَّ الشَّيْطَانَ مَلَأَ سَمْعَهُ بِالْأَبَاطِيلِ ، فَحَجَبَ سَمْعَهُ عَنِ الذِّكْرِ .
وَقِيلَ : هُوَ كِنَايَةٌ عَنِ ازْدِرَاءِ الشَّيْطَانِ بِهِ . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ أَنَّ الشَّيْطَانَ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ ، وَاسْتَخَفَّ بِهِ ، حَتَّى اتَّخَذَهُ كَالْكَنِيفِ الْمُعَدِّ لِلْبَوْلِ ؛ إِذْ مِنْ عَادَةِ الْمُسْتَخِفِّ بِالشَّيْءِ أَنْ يَبُولَ عَلَيْهِ . وَقِيلَ : هُوَ مَثَلٌ مَضْرُوبٌ لِلْغَافِلِ عَنِ الْقِيَامِ بِثِقَلِ النَّوْمِ ، كَمَنْ وَقَعَ الْبَوْلُ فِي أُذُنِهِ ، فَثَقَّلَ أُذُنَهُ ، وَأَفْسَدَ حِسَّهُ ، وَالْعَرَبُ تُكَنِّي عَنِ الْفَسَادِ بِالْبَوْلِ ؛ قَالَ الرَّاجِزُ : بَالَ سُهَيْلٌ فِي الْفَضِيخِ فَفَسَدَ .
وَكَنَّى بِذَلِكَ عَنْ طُلُوعِهِ ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ إِفْسَادِ الْفَضِيخِ ، فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالْبَوْلِ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ أَحْمَدَ : قَالَ الْحَسَنُ : إِنَّ بَوْلَهُ وَاللَّهِ لَثَقِيلٌ . وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ مِنْ طَرِيقِ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ : حَسْبُ الرَّجُلِ مِنَ الْخَيْبَةِ وَالشَّرِّ أَنْ يَنَامَ حَتَّى يُصْبِحَ وَقَدْ بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنِهِ .
وَهُوَ مَوْقُوفٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ . وَقَالَ الطِّيبِيُّ : خَصَّ الْأُذُنَ بِالذِّكْرِ ، وَإِنْ كَانَتِ الْعَيْنُ أَنْسَبَ بِالنَّوْمِ إِشَارَةً إِلَى ثِقَلِ النَّوْمِ ، فَإِنَّ الْمَسَامِعَ هِيَ مَوَارِدُ الِانْتِبَاهِ ، وَخَصَّ الْبَوْلَ لِأَنَّهُ أَسْهَلُ مَدْخَلًا فِي التَّجَاوِيفِ ، وَأَسْرَعُ نُفُوذًا فِي الْعُرُوقِ ، فَيُورِثُ الْكَسَلَ فِي جَمِيعِ الْأَعْضَاءِ .