حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب فَضْلِ مَنْ تَعَارَّ مِنْ اللَّيْلِ فَصَلَّى

بَاب فَضْلِ مَنْ تَعَارَّ مِنْ اللَّيْلِ فَصَلَّى 1154 - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ ، أَخْبَرَنَا الْوَلِيدُ ، عن الْأَوْزَاعِيُّ قَالَ : حَدَّثَنِي عُمَيْرُ بْنُ هَانِئٍ قَالَ : حَدَّثَنِي جُنَادَةُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ ، حَدَّثَنِي عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ تَعَارَّ مِنْ اللَّيْلِ فَقَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ، ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي - أَوْ دَعَا - اسْتُجِيبَ لَهُ ، فَإِنْ تَوَضَّأَ وَصَلَّى قُبِلَتْ صَلَاتُهُ . قَوْلُهُ : ( بَابُ فَضْلِ مَنْ تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّى ) تعَارَّ بِمُهْمَلَةٍ وَرَاءٍ مُشَدَّدَةٍ . قَالَ فِي الْمُحْكَمِ : تَعَارَّ الظَّلِيمُ مُعَارَّةً : صَاحَ ، وَالتَّعَارُّ أَيْضًا : السَّهَرُ وَالتَّمَطِّي ، وَالتَّقَلُّبُ عَلَى الْفِرَاشِ لَيْلًا مَعَ كَلَامٍ .

وَقَالَ ثَعْلَبٌ : اخْتُلِفَ فِي : تَعَارَّ ، فَقِيلَ : انْتَبَهَ ، وَقِيلَ : تَكَلَّمَ ، وَقِيلَ : عَلِمَ ، وَقِيلَ : تَمَطَّى وَأَنَّ . انْتَهَى . وَقَالَ الْأَكْثَرُ : التَّعَارُّ الْيَقَظَةُ مَعَ صَوْتٍ ، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ : ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ مَعْنَى تَعَارَّ اسْتَيْقَظَ ؛ لِأَنَّهُ قَالَ : مَنْ تَعَارَّ ، فَقَالَ ، فَعَطَفَ الْقَوْلَ عَلَى التَّعَارِّ .

انْتَهَى . وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْفَاءُ تَفْسِيرِيَّةً لِمَا صَوَّتَ بِهِ الْمُسْتَيْقِظُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُصَوِّتُ بِغَيْرِ ذِكْرٍ ، فَخَصَّ الْفَضْلَ الْمَذْكُورَ بِمَنْ صَوَّتَ بِمَا ذُكِرَ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَهَذَا هُوَ السِّرُّ فِي اخْتِيَارِ لَفْظِ تَعَارَّ دُونَ اسْتَيْقَظَ أَوِ انْتَبَهَ ، وَإِنَّمَا يَتَّفِقُ ذَلِكَ لِمَنْ تَعَوَّدَ الذِّكْرَ وَاسْتَأْنَسَ بِهِ ، وَغَلَبَ عَلَيْهِ حَتَّى صَارَ حَدِيثَ نَفْسِهِ فِي نَوْمِهِ وَيَقَظَتِهِ ، فَأَكْرَمَ مَنِ اتَّصَفَ بِذَلِكَ بِإِجَابَةِ دَعْوَتِهِ وَقَبُولِ صَلَاتِهِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا صَدَقَةُ ) هُوَ ابْنُ الْفَضْلِ الْمَرْوَزِيُّ ، وَجَمِيعُ الْإِسْنَادِ كُلُّهُ شَامِيُّونَ ، وَجُنَادَةُ بِضَمِّ الْجِيمِ وَتَخْفِيفِ النُّونِ مُخْتَلَفٌ فِي صُحْبَتِهِ .

قَوْلُهُ : ( عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ قَالَ : حَدَّثَنَا عُمَيْرُ بْنُ هَانِئٍ ) كَذَا لِمُعْظَمِ الرُّوَاةِ ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الدُّعَاءِ مِنْ رِوَايَةِ صَفْوَانَ بْنِ صَالِحٍ ، عَنِ الْوَلِيدِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ ثَوْبَانَ ، عَنْ عُمَيْرِ بْنِ هَانِئٍ ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِيهِ أَيْضًا عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الدِّمَشْقِيِّ - وَهُوَ الْحَافِظُ الَّذِي يُقَالُ لَهُ : دُحَيْمٌ - عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الْوَلِيدِ مَقْرُونًا بِرِوَايَةِ صَفْوَانَ بْنِ صَالِحٍ ، وَمَا أَظُنّهُ إِلَّا وَهْمًا ، فَإِنَّهُ أَخْرَجَهُ فِي الْمُعْجَمِ الْكَبِيرِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الْوَلِيدِ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ كَالْجَادَّةِ ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَجَعْفَرٌ الْفِرْيَابِيُّ فِي الذِّكْرِ عَنْ دُحَيْمٍ ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمٍ ، عَنْ دُحَيْمٍ ، وَرِوَايَةُ صَفْوَانَ شَاذَّةٌ ، فَإِنْ كَانَ حَفِظَهَا عَنِ الْوَلِيدِ احْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ الْوَلِيدِ فِيهِ شَيْخَانِ ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي آخِرِ الْحَدِيثِ مِنَ اخْتِلَافِ اللَّفْظِ حَيْثُ جَاءَ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، فَإِنَّهُ قَالَ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي . إِلَخْ وَوَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ : كَانَ مِنْ خَطَايَاهُ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ ، وَلَمْ يَذْكُرْ : رَبِّ اغْفِرْ لِي ، وَلَا دُعَاءً ، وَقَالَ فِي أَوَّلِهِ : مَا مِنْ عَبْدٍ يَتَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ . بَدَلَ قَوْلِهِ : مَنْ تَعَارَّ ، لَكِنَّ تَخَالُفَ اللَّفْظِ فِي هَذِهِ أَخَفُّ مِنَ الَّتِي قَبْلَهَا .

قَوْلُهُ : ( لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ ) زَادَ عَلِيُّ ابْنُ الْمَدِينِيِّ ، عَنِ الْوَلِيدِ : يُحْيِي وَيُمِيتُ ، أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي تَرْجَمَةِ عُمَيْرِ بْنِ هَانِئٍ مِنَ الْحِلْيَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْهُ . قَوْلُهُ : ( الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسُبْحَانَ اللَّهِ ) زَادَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ : وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَكَذَا عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ ، وَالنَّسَائِيِّ ، وَالتِّرْمِذِيِّ ، وَابْنِ مَاجَهْ ، وَأَبِي نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ ، وَلَمْ تَخْتَلِفِ الرِّوَايَاتُ فِي الْبُخَارِيِّ عَلَى تَقْدِيمِ الْحَمْدِ عَلَى التَّسْبِيحِ ، لَكِنْ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ بِالْعَكْسِ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ تَصَرُّفِ الرُّوَاةِ ؛ لِأَنَّ الْوَاوَ لَا تَسْتَلْزِمُ التَّرْتِيبَ . قَوْلُهُ : ( وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ) زَادَ النَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَابْنُ السُّنِّيِّ : الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ .

قَوْلُهُ : ( ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ، أَوْ دَعَا ) كَذَا فِيهِ بِالشَّكِّ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ لِلتَّنْوِيعِ ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ مَا عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ بِلَفْظِ : ثُمَّ قَالَ : رَبِّ اغْفِرْ لِي ، غُفِرَ لَهُ ، أَوْ قَالَ : فَدَعَا اسْتُجِيبَ لَهُ ، شَكَّ الْوَلِيدُ ، وَكَذَا عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ ، وَابْنِ مَاجَهْ بِلَفْظِ : غُفِرَ لَهُ ، قَالَ الْوَلِيدُ : أَوْ قَالَ : دَعَا اسْتُجِيبَ لَهُ ، وَفِي رِوَايَةِ عَلِيِّ ابْنِ الْمَدِينِيِّ : ثُمَّ قَالَ : رَبِّ اغْفِرْ لِي ، أَوْ قَالَ : ثُمَّ دَعَا ، وَاقْتَصَرَ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ عَلَى الشِّقِّ الْأَوَّلِ . قَوْلُهُ : ( اسْتُجِيبَ ) زَادَ الْأَصِيلِيُّ لَهُ وَكَذَا فِي الرِّوَايَاتِ الْأُخْرَى . قَوْلُهُ : ( فَإِنْ تَوَضَّأَ قُبِلَتْ ) أَيْ إِنْ صَلَّى .

وَفِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَأَبِي الْوَقْتِ : فَإِنْ تَوَضَّأَ وَصَلَّى ، وَكَذَا عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ ، وَزَادَ فِي أَوَّلِهِ : فَإِنْ هُوَ عَزَمَ فَقَامَ وَتَوَضَّأَ وَصَلَّى ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ عَلِيِّ ابْنِ الْمَدِينِيِّ . قَالَ ابنُ بَطَّالٍ : وَعَدَ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ أَنَّ مَنِ اسْتَيْقَظَ مِنْ نَوْمِهِ لَهِجًا لِسَانُهُ بِتَوْحِيدِ رَبِّهِ ، وَالْإِذْعَانِ لَهُ بِالْمُلْكِ ، وَالِاعْتِرَافِ بِنِعَمَهِ ، يَحْمَدُهُ عَلَيْهَا وَيُنَزِّهُهُ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِهِ ، بتَسْبِيحِهِ وَالْخُضُوعِ لَهُ بِالتَّكْبِيرِ ، وَالتَّسْلِيمِ لَهُ بِالْعَجْزِ عَنِ الْقُدْرَةِ إِلَّا بِعَوْنِهِ ، أَنَّهُ إِذَا دَعَاهُ أَجَابَهُ ، وَإِذَا صَلَّى قُبِلَتْ صَلَاتُهُ ، فَيَنْبَغِي لِمَنْ بَلَغَهُ هَذَا الْحَدِيثُ أَنْ يَغْتَنِمَ الْعَمَلَ بِهِ ، وَيُخْلِصَ نِيَّتَهُ لِرَبِّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى . قَوْلُهُ : ( قُبِلَتْ صَلَاتُهُ ) قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ : وَجْهُ تَرْجَمَةِ الْبُخَارِيِّ بِفَضْلِ الصَّلَاةِ ، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ إِلَّا الْقَبُولُ ، وَهُوَ مِنْ لَوَازِمِ الصِّحَّةِ ، سَوَاءً كَانَتْ فَاضِلَةً أَمْ مَفْضُولَةً ؛ لِأَنَّ الْقَبُولَ فِي هَذَا الْمَوْطِنِ أَرْجَى مِنْهُ فِي غَيْرِهِ ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فِي الْكَلَامِ فَائِدَةٌ ، فَلِأَجْلِ قُرْبِ الرَّجَاءِ فِيهِ مِنَ الْيَقِينِ تَمَيَّزَ عَلَى غَيْرِهِ وَثَبَتَ لَهُ الْفَضْلُ .

انْتَهَى . وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقَبُولِ هُنَا قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى الصِّحَّةِ ، وَمِنْ ثَمَّ ، قَالَ الدَّاوُدِيُّ مَا مُحَصِّلُهُ : مَنْ قَبِلَ اللَّهُ لَهُ حَسَنَةً لَمْ يُعَذِّبْهُ ؛ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ عَوَاقِبَ الْأُمُورِ ، فَلَا يَقْبَلُ شَيْئًا ثُمَّ يُحْبِطُهُ ، وَإِذَا أُمِنَ الْإِحْبَاطُ أُمِنَ التَّعْذِيبُ ، وَلِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ : وَدِدْتُ أَنِّي أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ قَبِلَ لِي سَجْدَةً وَاحِدَةً . ( فَائِدَةٌ ) : قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْفَرَبْرِيُّ الرَّاوِي عَنِ الْبُخَارِيِّ : أَجْرَيْتُ هَذَا الذِّكْرَ عَلَى لِسَانِي عِنْدَ انْتِبَاهِي ، ثُمَّ نِمْتُ فَأَتَانِي آتٍ ، فَقَرَأَ : وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ الْآيَةَ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث