حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب مَنْ تَحَدَّثَ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ وَلَمْ يَضْطَجِع

بَاب مَنْ تَحَدَّثَ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ وَلَمْ يَضْطَجِعْ 1161 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ : حَدَّثَنِي سَالِمٌ أَبُو النَّضْرِ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا صَلَّى سنة الفجر ، فَإِنْ كُنْتُ مُسْتَيْقِظَةً حَدَّثَنِي ، وَإِلَّا اضْطَجَعَ حَتَّى يُؤْذَنَ بِالصَّلَاةِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَنْ تَحَدَّثَ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ ، وَلَمْ يَضْطَجِعَ ) أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يُدَاوِمُ عَلَيْهَا ، وَبِذَلِكَ احْتَجَّ الْأَئِمَّةُ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ ، وَحَمَلُوا الْأَمْرَ الْوَارِدَ بِذَلِكَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ، وَفَائِدَةُ ذَلِكَ الرَّاحَةُ وَالنَّشَاطُ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ ، وَعَلَى هَذَا فَلَا يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ إِلَّا لِلمتَّهَجُّدِ ، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ ، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تَقُولُ : إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَضْطَجِعَ لِسُنَّةٍ ، وَلَكِنَّهُ كَانَ يَدْأَبُ لَيْلَتَهُ فَيَسْتَرِيحُ . فِي إِسْنَادِهِ رَاوٍ لَمْ يُسَمَّ .

وَقِيلَ : إِنَّ فَائِدَتَهَا الْفَصْلُ بَيْنَ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الصُّبْحِ ، وَعَلَى هَذَا فَلَا اخْتِصَاصَ ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الشَّافِعِيُّ : تَتَأَدَّى السُّنَّةُ بِكُلِّ مَا يَحْصُلُ بِهِ الْفَصْلُ مِنْ مَشْيٍ وَكَلَامٍ وَغَيْرِهِ ، حَكَاهُ الْبَيْهَقِيُّ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ : الْمُخْتَارُ أَنَّهُ سُنَّةٌ لِظَاهِرِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَقَدْ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَاوِي الْحَدِيثِ : إِنَّ الْفَصْلَ بِالْمَشْيِ إِلَى الْمَسْجِدِ لَا يَكْفِي ، وَأَفْرَطَ ابْنُ حَزْمٍ فَقَالَ : يَجِبُ عَنْ كُلِّ أَحَدٍ ، وَجَعَلَهُ شَرْطًا لِصِحَّةِ صَلَاةِ الصُّبْحِ ، وَرَدَّهُ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ بَعْدَهُ حَتَّى طَعَنَ ابْنُ تَيْمِيَةَ وَمَنْ تَبِعَهُ فِي صِحَّةِ الْحَدِيثِ لِتَفَرُّدِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زِيَادٍ بِهِ ، وَفِي حِفْظِهِ مَقَالٌ ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ ، وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْفَصْلُ لَا يَتَقَيَّدُ بِالْأَيْمَنِ ، وَمَنْ أَطْلَقَ قَالَ : يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالْقَادِرِ ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَهَلْ يَسْقُطُ الطَّلَبُ أَوْ يُومِئُ بِالِاضْطِجَاعِ أَوْ يَضْطَجِعُ عَلَى الْأَيْسَرِ ؟ لَمْ أَقِفْ فِيهِ عَلَى نَقْلٍ ، إِلَّا أَنَّ ابْنَ حَزْمٍ قَالَ : يُومِئُ وَلَا يَضْطَجِعُ عَلَى الْأَيْسَرِ أَصْلًا ، وَيُحْمَلُ الْأَمْرُ بِهِ عَلَى النَّدْبِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ ، وَذَهَبَ بَعْضُ السَّلَفِ إِلَى اسْتِحْبَابِهَا فِي الْبَيْتِ دُونَ الْمَسْجِدِ ، وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَقَوَّاهُ بَعْضُ شُيُوخِنَا بِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ فَعَلَهُ فِي الْمَسْجِدِ ، وَصَحَّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَحْصِبُ مَنْ يَفْعَلُهُ فِي الْمَسْجِدِ ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ . قَوْلُهُ : ( كَانَ إِذَا صَلَّى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ ) وَسَنَذْكُرُ مُسْتَنَدَ ذَلِكَ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنِي وَإِلَّا اضْطَجَعَ ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ كَانَ يَضْطَجِعُ إِذَا لَمْ يُحَدِّثْهَا ، وَإِذَا حَدَّثَهَا لَمْ يَضْطَجِعْ ، وَإِلَى هَذَا جَنَحَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّرْجَمَةِ ، وَكَذَا تَرْجَمَ لَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ : الرُّخْصَةُ فِي تَرْكِ الِاضْطِجَاعِ بَعْدَ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ .

وَيُعَكِّرُ عَلَى ذَلِكَ مَا وَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ اضْطَجَعَ ، فَإِنْ كُنْتُ يَقْظَى تَحَدَّثَ مَعِي ، وَإِنْ كُنْتُ نَائِمَةً نَامَ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمُؤَذِّنُ ، فَقَدْ يُقَالُ : إِنَّهُ كَانَ يَضْطَجِعُ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، فَإِمَّا أَنْ يُحَدِّثَهَا ، وَإِمَّا أَنْ يَنَامَ ، لَكِنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهَا نَامَ : أَيِ اضْطَجَعَ ، وَبَيَّنَهُ مَا أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ قَبْلَ أَبْوَابِ التَّهَجُّدِ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ جَمِيعًا ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بِلَفْظِ : فَإِنْ كُنْتُ يَقْظَى تَحَدَّثَ مَعِي ، وَإِنْ كُنْتُ نَائِمَةً اضْطَجَعَ . قَوْلُهُ : ( حَتَّى يُؤَذَّنَ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ الثَّقِيلَةِ ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ : حَتَّى نُودِيَ ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى عَدَمِ اسْتِحْبَابِ الضِّجْعَةِ ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ رُبَّمَا تَرَكَهَا عَدَمُ الِاسْتِحْبَابِ ، بَلْ تَرْكُهُ لَهَا أَحْيَانًا عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ كَمَا تَقَدَّمَ أَوَّلَ الْبَابِ . ( تَنْبِيهٌ ) تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ أَبْوَابِ الْوِتْرِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ اضْطِجَاعَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَعَ بَعْدَ الْوِتْرِ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ ، وَلَا يُعَارِضُ ذَلِكَ حَدِيثَ عَائِشَةَ ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ نَوْمُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ صَلَاةِ اللَّيْلِ وَصَلَاةِ الْفَجْرِ ، وَغَايَتُهُ أَنَّهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ لَمْ يَضْطَجِعْ بَيْنَ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الصُّبْحِ ، فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ عَدَمُ الْوُجُوبِ أَيْضًا ، وَأَمَّا مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اضْطَجَعَ بَعْدَ الْوِتْرِ ، فَقَدْ خَالَفَهُ أَصْحَابُ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، فَذَكَرُوا الِاضْطِجَاعَ بَعْدَ الْفَجْرِ ، وَهُوَ الْمَحْفُوظُ ، وَلَمْ يُصِبْ مَنِ احْتَجَّ بِهِ عَلَى تَرْكِ اسْتِحْبَابِ الِاضْطِجَاعِ .

وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

ورد في أحاديث1 حديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث