بَاب مَا جَاءَ فِي السَّهْوِ إِذَا قَامَ مِنْ رَكْعَتَيْ الْفَرِيضَة
بَابُ مَا جَاءَ فِي السَّهْوِ إِذَا قَامَ مِنْ رَكْعَتَيِ الْفَرِيضَةِ ) وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ ، وَالْأَصِيلِيِّ ، وَأَبِي الْوَقْتِ : رَكْعَتَيِ الْفَرْضِ ، وَسَقَطَ لَفْظُ : بَابُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ . وَالسَّهْوُ : الْغَفْلَةُ عَنِ الشَّيْءِ ، وَذَهَابُ الْقَلْبِ إِلَى غَيْرِهِ ، وَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ السَّهْوِ وَالنِّسْيَانِ ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ . وَاخْتُلِفَ فِي حُكْمِهِ ، فَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ : مَسْنُونٌ كُلُّهُ .
وَعَنِ الْمَالِكِيَّةِ : السُّجُودُ لِلنَّقْصِ وَاجِبٌ دُونَ الزِّيَادَةِ . وَعَنِ الْحَنَابِلَةِ : التَّفْصِيلُ بَيْنَ الْوَاجِبَاتِ غَيْرِ الْأَرْكَانِ ، فَيَجِبُ لِتَرْكِهَا سَهْوًا ، وَبَيْنَ السُّنَنِ الْقَوْلِيَّةِ فَلَا يَجِبُ ، وَكَذَا يَجِبُ إِذَا سَهَا بِزِيَادَةِ فِعْلٍ أَوْ قَوْلٍ يُبْطِلُهَا عَمْدُهُ . وَعَنِ الْحَنَفِيَّةِ : وَاجِبٌ كُلُّهُ ، وَحُجَّتُهُمْ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ الْمَاضِي فِي أَبْوَابِ الْقِبْلَةِ : ثُمَّ لْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ .
وَمِثْلُهُ لِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ . وَقَدْ ثَبَتَ مِنْ فِعْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَفْعَالُهُ فِي الصَّلَاةِ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْبَيَانِ ، وَبَيَانُ الْوَاجِبِ وَاجِبٌ ، وَلَا سِيَّمَا مَعَ قَوْلِهِ : صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي . قَوْلُهُ : ( عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ ) كَذَا فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ ، وَلَمْ يُسَمَّ فِي رِوَايَةِ الْبَاقِينَ .
قَوْلُهُ : ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُحَيْنَةَ ) تَقَدَّمَ فِي التَّشَهُّدِ أَنَّ بُحَيْنَةَ اسْمُ أُمِّهِ ، أَوْ أُمِّ أَبِيهِ ، وَعَلَى هَذَا فَيَنْبَغِي أَنْ يُكْتَبَ ابْنَ بُحَيْنَةَ بِأَلِفٍ . قَوْلُهُ : ( صَلَّى لَنَا ) ؛ أَيْ بِنَا ، أَوْ لِأَجْلِنَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَبْوَابِ التَّشَهُّدِ مِنْ رِوَايَةِ شُعَيْبٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِلَفْظِ : صَلَّى بِهِمْ . وَيَأْتِي فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِلَفْظِ : صَلَّى بِنَا .
قَوْلُهُ : ( مِنْ بَعْضِ الصَّلَوَاتِ ) بَيَّنَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي تَلِيهَا أَنَّهَا الظُّهْرُ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ قَامَ ) زَادَ الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ ، عَنِ الْأَعْرَجِ : فَسَبَّحُوا بِهِ ، فَمَضَى حَتَّى فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ . أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ .
وَفِي حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ ، وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ عِنْدَ الْحَاكِمِ جَمِيعًا نَحْوَ هَذِهِ الْقِصَّةِ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ . قَوْلُهُ : ( فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ ) ؛ أَيْ فَرَغَ مِنْهَا ، كَذَا رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ شَيْخِهِ ، وَقَدِ اسْتُدِلَّ بِهِ لِمَنْ زَعَمَ أَنَّ السَّلَامَ لَيْسَ مِنَ الصَّلَاةِ حَتَّى لَوْ أَحْدَثَ بَعْدَ أَنْ جَلَسَ ، وَقَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ تَمَّتْ صَلَاتُهُ ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ السَّلَامَ لَمَّا كَانَ لِلتَّحْلِيلِ مِنَ الصَّلَاةِ كَانَ الْمُصَلِّي إِذَا انْتَهَى إِلَيْهِ كَمَنْ فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ جَمَاعَةٍ مِنَ الثِّقَاتِ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنِ الْأَعْرَجِ : حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ إِلَّا أَنْ يُسَلِّمَ . فَدَلَّ عَلَى أَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ حَذَفَ الِاسْتِثْنَاءَ لِوُضُوحِهِ ، وَالزِّيَادَةُ مِنَ الْحَافِظِ مَقْبُولَةٌ .
قَوْلُهُ : ( وَنَظَرْنَا تَسْلِيمَهُ : ) ؛ أَيِ انْتَظَرْنَا ، وَتَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ بِلَفْظِ : وَانْتَظَرَ النَّاسُ تَسْلِيمَهُ . وَفِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَجَدَ فِي قِصَّةِ ابْنِ بُحَيْنَةَ قَبْلَ السَّلَامِ سَهْوًا ، أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّجْدَتَيْنِ سَجْدَتَا الصَّلَاةِ ، أَوِ الْمُرَادَ بِالتَّسْلِيمِ التَّسْلِيمَةُ الثَّانِيَةُ ، وَلَا يَخْفَى ضَعْفُ ذَلِكَ وَبُعْدُهُ . قَوْلُهُ : ( كَبَّرَ قَبْلَ التَّسْلِيمِ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ) فِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ سُجُودِ السَّهْوِ ، وَأَنَّهُ سَجْدَتَانِ ، فَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى سَجْدَةٍ وَاحِدَةٍ سَاهِيًا لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ أَوْ عَامِدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ ، لِأَنَّهُ تَعَمَّدَ الْإِتْيَانَ بِسَجْدَةٍ زَائِدَةٍ لَيْسَتْ مَشْرُوعَةً ، وَأَنَّهُ يُكَبِّرُ لَهُمَا كَمَا يُكَبِّرُ فِي غَيْرِهِمَا مِنَ السُّجُودِ .
وَفِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ : يُكَبِّرُ فِي كُلِّ سَجْدَةٍ . وَفِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ : فَكَبَّرَ ، ثُمَّ سَجَدَ ، ثُمَّ كَبَّرَ ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ كَبَّرَ فَسَجَدَ ، ثُمَّ كَبَّرَ فَرَفَعَ رَأْسَهُ ، ثُمَّ سَلَّمَ . أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَنَحْوَهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ عَقِبَ حَدِيثِ اللَّيْثِ .
وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ التَّكْبِيرِ فِيهِمَا وَالْجَهْرِ بِهِ كَمَا فِي الصَّلَاةِ ، وَأَنَّ بَيْنَهُمَا جِلْسَةً فَاصِلَةً ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِالسَّجْدَتَيْنِ لِلسَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ ، وَلَوْ تَكَرَّرَ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الَّذِي فَاتَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ الْجُلُوسُ وَالتَّشَهُّدُ فِيهِ ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا لَوْ سَهَا الْمُصَلِّي عَنْهُ عَلَى انْفِرَادِهِ سَجَدَ لِأَجْلِهِ ، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَجَدَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ غَيْرَ سَجْدَتَيْنِ ، وَتُعَقِّبَ بِأَنَّهُ يَنْبَنِي عَلَى ثُبُوتِ مَشْرُوعِيَّةِ السُّجُودِ لِتَرْكِ مَا ذُكِرَ ، وَلَمْ يَسْتَدِلُّوا عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ ذَلِكَ بِغَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ ، فَيَسْتَلْزِمُ إِثْبَاتَ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ وَفِيهِ مَا فِيهِ ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ بِأَنَّ السُّجُودَ مَكَانَ مَا نُسِيَ مِنَ الْجُلُوسِ كَمَا سَيَأْتِي مِنْ رِوَايَةِ اللَّيْثِ . نَعَمْ ، حَدِيثُ ذِي الْيَدَيْنِ دَالٌّ لِذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي . قَوْلُهُ : ( وَهُوَ جَالِسٌ ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ : سَجَدَ ؛ أَيْ أَنْشَأَ السُّجُودَ جَالِسًا .
قَوْلُهُ : ( ثُمَّ سَلَّمَ ) زَادَ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ : ثُمَّ سَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ الْآتِيَةِ : وَسَجَدَهُمَا النَّاسُ مَعَهُ مَكَانَ مَا نَسِيَ مِنَ الْجُلُوسِ . وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ سُجُودَ السَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ فِي كَوْنِ جَمِيعِهِ كَذَلِكَ ، نَعَمْ يَرُدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ جَمِيعَهُ بَعْدَ السَّلَامِ كَالْحَنَفِيَّةِ ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُ مُسْتَنَدِهِمْ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ ، وَاسْتُدِلَّ بِزِيَادَةِ اللَّيْثِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى أَنَّ السُّجُودَ خَاصٌّ بِالسَّهْوِ ، فَلَوْ تَعَمَّدَ تَرْكَ شَيْءٍ مِمَّا يُجْبَرُ بِسُجُودِ السَّهْوِ لَا يَسْجُدُ ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ ، وَرَجَّحَهُ الْغَزَالِيُّ وَنَاسٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْمَأْمُومَ يَسْجُدُ مَعَ الْإِمَامِ إِذَا سَهَا الْإِمَامُ ، وَإِنْ لَمْ يَسْهُ الْمَأْمُومُ ، وَنَقَلَ ابْنُ حَزْمٍ فِيهِ الْإِجْمَاعَ ، لَكِنِ اسْتَثْنَى غَيْرَهُ مَا إِذَا ظَنَّ الْإِمَامُ أَنَّهُ سَهَا فَسَجَدَ وَتَحَقَّقَ الْمَأْمُومُ أَنَّ الْإِمَامَ لَمْ يَسْهُ فِيمَا سَجَدَ لَهُ وَفِي تَصْوِيرِهَا عُسْرٌ ، وَمَا إِذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الْإِمَامَ مُحْدِثٌ ، وَنَقَلَ أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ أَنَّ ابْنَ سِيرِينَ اسْتَثْنَى الْمَسْبُوقَ أَيْضًا . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ سُجُودَ السَّهْوِ لَا تَشَهُّدَ بَعْدَهُ إِذَا كَانَ قَبْلَ السَّلَامِ ، وَقَدْ تَرْجَمَ لَهُ الْمُصَنِّفُ قَرِيبًا ، وَأَنَّ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ غَيْرُ وَاجِبٍ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ صِفَةِ الصَّلَاةِ ، وَأَنَّ مَنْ سَهَا عَنِ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ حَتَّى قَامَ إِلَى الرَّكْعَةِ ثُمَّ ذَكَرَ لَا يَرْجِعُ ، فَقَدْ سَبَّحُوا بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَرْجِعْ ، فَلَوْ تَعَمَّدَ الْمُصَلِّي الرُّجُوعَ بَعْدَ تَلَبُّسِهِ بِالرُّكْنِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ، خِلَافًا لِلْجُمْهُورِ ، وَأَنَّ السَّهْوَ وَالنِّسْيَانَ جَائِزَانِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِيمَا طَرِيقُهُ التَّشْرِيعُ ، وَأَنَّ مَحَلَّ سُجُودِ السَّهْوِ آخِرُ الصَّلَاةِ ، فَلَوْ سَجَدَ لِلسَّهْوِ قَبْلَ أَنْ يَتَشَهَّدَ سَاهِيًا أَعَادَ عِنْدَ مَنْ يُوجِبُ التَّشَهُّدَ الْأَخِيرَ ، وَهُمُ الْجُمْهُورُ .