بَاب الدُّخُولِ عَلَى الْمَيِّتِ بَعْدَ الْمَوْتِ إِذَا أُدْرِجَ فِي أَكْفَانِه
بَاب الدُّخُولِ عَلَى الْمَيِّتِ بَعْدَ الْمَوْتِ إِذَا أُدْرِجَ فِي أَكْفَانِهِ 1241 ، 1242 حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قال : أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ : أَخْبَرَنِي مَعْمَرٌ ، وَيُونُسُ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَتْهُ قَالَتْ : أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى فَرَسِهِ مِنْ مَسْكَنِهِ بِالسُّنْحِ حَتَّى نَزَلَ فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ فَلَمْ يُكَلِّمْ النَّاسَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَتَيَمَّمَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُسَجًّى بِبُرْدِ حِبَرَةٍ ، فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ ، ثُمَّ أَكَبَّ عَلَيْهِ فَقَبَّلَهُ ثُمَّ بَكَى فَقَالَ : بِأَبِي أَنْتَ وأمي يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، لَا يَجْمَعُ اللَّهُ عَلَيْكَ مَوْتَتَيْنِ ، أَمَّا الْمَوْتَةُ الَّتِي كُتِبَتْ عَلَيْكَ فَقَدْ مُتَّهَا . قَالَ أَبُو سَلَمَةَ : فَأَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَرَجَ وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُكَلِّمُ النَّاسَ فَقَالَ : اجْلِسْ فَأَبَى ، فَقَالَ : اجْلِسْ فَأَبَى ، فَتَشَهَّدَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَمَالَ إِلَيْهِ النَّاسُ وَتَرَكُوا عُمَرَ فَقَالَ : أَمَّا بَعْدُ ، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ مَاتَ ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾فوَاللَّهِ لَكَأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الآية حَتَّى تَلَاهَا أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَتَلَقَّاهَا مِنْهُ النَّاسُ ، فَمَا يُسْمَعُ بَشَرٌ إِلَّا يَتْلُوهَا . قَوْلُهُ : ( بَابُ الدُّخُولِ عَلَى الْمَيِّتِ بَعْدَ الْمَوْتِ إِذَا أُدْرِجَ فِي أَكْفَانِهِ ) ؛ أَيْ لُفَّ فِيهَا ، قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ : مَوْقِعُ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ الْمَوْتَ لَمَّا كَانَ سَبَبَ تَغْيِيرِ مَحَاسِنِ الْحَيِّ الَّتِي عُهِدَ عَلَيْهَا - وَلِذَلِكَ أُمِرَ بِتَغْمِيضِهِ وَتَغْطِيَتِهِ - كَانَ ذَلِكَ مَظِنَّةً لِلْمَنْعِ مِنْ كَشْفِهِ ، حَتَّى قَالَ النَّخَعِيُّ : يَنْبَغِي أَنْ لَا يَطَّلِعَ عَلَيْهِ إِلَّا الْغَاسِلُ لَهُ وَمَنْ يَلِيهِ ، فَتَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ ، ثُمَّ أَوْرَدَ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ : أَوَّلُهَا : حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي دُخُولِ أَبِي بَكْرٍ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ أَنْ مَاتَ ، وَسَيَأْتِي مُسْتَوْفًى فِي بَابِ الْوَفَاةِ آخِرَ الْمَغَازِي ، وَمُطَابَقَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ وَاضِحَةٌ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ ، وَأَشَدُّ مَا فِيهِ إِشْكَالًا قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ : لَا يَجْمَعُ اللَّهُ عَلَيْكَ مَوْتَتَيْنِ .
وَعَنْهُ أَجْوِبَةٌ : فَقِيلَ هُوَ عَلَى حَقِيقَتِهِ ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ سَيَحْيَا ، فَيَقْطَعُ أَيْدِي رِجَالٍ ، لِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ ذَلِكَ لَلَزِمَ أَنْ يَمُوتَ مَوْتَةً أُخْرَى ، فَأَخْبَرَ أَنَّهُ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْ أَنْ يَجْمَعَ عَلَيْهِ مَوْتَتَيْنِ كَمَا جَمَعَهُمَا عَلَى غَيْرِهِ كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ ، وَكَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ ، وَهَذَا أَوْضَحُ الْأَجْوِبَةِ وَأَسْلَمُهَا . وَقِيلَ : أَرَادَ لَا يَمُوتُ مَوْتَةً أُخْرَى فِي الْقَبْرِ كَغَيْرِهِ ؛ إِذْ يَحْيَا لِيُسْأَلَ ثُمَّ يَمُوتُ ، وَهَذَا جَوَابُ الدَّاوُدِيِّ . وَقِيلَ : لَا يَجْمَعُ اللَّهُ مَوْتَ نَفْسِكَ وَمَوْتَ شَرِيعَتِكَ .
وَقِيلَ : كَنَّى بِالْمَوْتِ الثَّانِي عَنِ الْكَرْبِ ، أَيْ لَا تَلْقَى بَعْدَ كَرْبِ هَذَا الْمَوْتِ كَرْبًا آخَرَ . ثَانِيهَا : حَدِيثُ أُمِّ الْعَلَاءِ الْأَنْصَارِيَّةِ فِي قِصَّةِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ ، وَسَيَأْتِي بِأَتَمِّ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ فِي بَابِ الْقُرْعَةِ آخِرَ الشَّهَادَاتِ ، وَفِي التَّعْبِيرِ . ثَالِثُهَا : حَدِيثُ جَابِرٍ فِي مَوْتِ أَبِيهِ ، وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْجِهَادِ .
وَدَلَالَةُ الْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ مُشْكِلَةٌ ، لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ إِنَّمَا دَخَلَ قَبْلَ الْغُسْلِ فَضْلًا عَنِ التَّكْفِينِ وَعُمَرُ يُنْكِرُ حِينَئِذٍ أَنْ يَكُونَ مَاتَ ، وَلِأَنَّ جَابِرًا كَشَفَ الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِ أَبِيهِ قَبْلَ تَكْفِينِهِ . وَقَدْ يُقَالُ فِي الْجَوَابِ عَنِ الْأَوَّلِ : إِنَّ الَّذِي وَقَعَ دُخُولُ أَبِي بَكْرٍ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُسَجًّى أَيْ مُغَطًّى ، فَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الدُّخُولَ عَلَى الْمَيِّتِ يَمْتَنِعُ إِلَّا إِنْ كَانَ مُدْرَجًا فِي أَكْفَانِهِ ، أَوْ فِي حُكْمِ الْمُدْرَجِ ، لِئَلَّا يُطَّلَعَ مِنْهُ عَلَى مَا يُكْرَهُ الِاطِّلَاعُ عَلَيْهِ . وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ مَا مُحَصَّلُهُ : كَانَ أَبُو بَكْرٍ عَالِمًا بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَزَالُ مَصُونًا عَنْ كُلِّ أَذًى ، فَسَاغَ لَهُ الدُّخُولَ مِنْ غَيْرِ تَنْقِيبٍ عَنِ الْحَالِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ .
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ جَابِرٍ ، فَأَجَابَ ابْنُ الْمُنِيرِ أَيْضًا بِأَنَّ ثِيَابَ الشَّهِيدِ الَّتِي قُتِلَ فِيهَا هِيَ أَكْفَانُهُ فَهُوَ كَالْمُدْرَجِ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ : نَهْيُهُمْ لَهُ عَنْ كَشْفِ وَجْهِهِ يَدُلُّ عَلَى الْمَنْعِ مِنَ الِاقْتِرَابِ مِنَ الْمَيِّتِ ، وَلَكِنْ يُتَعَقَّبُ بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَنْهَهُ ، وَيُجَابُ بِأَنَّ عَدَمَ نَهْيِهِمْ عَنْ نَهْيِهِ يَدُلُّ عَلَى تَقْرِيرِ نَهْيِهِمْ ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ الدُّخُولَ الثَّابِتَ فِي الْأَحَادِيثِ الثَّلَاثَةِ كَانَ فِي حَالَةِ الْإِدْرَاجِ أَوْ فِي حَالَةٍ تَقُومُ مَقَامَهَا . قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ : الْمَعْنَى الَّذِي فِي الْحَدِيثَيْنِ مِنْ كَشْفِ الْمَيِّتِ بَعْدَ تَسْجِيَتِهِ مُسَاوٍ لِحَالِهِ بَعْدَ تَكْفِينِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ جَوَازُ تَقْبِيلِ الْمَيِّتِ تَعْظِيمًا وَتَبَرُّكًا وَجَوَازُ التَّفْدِيَةِ بِالْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ ، وَقَدْ يُقَالُ : هِيَ لَفْظَةٌ اعْتَادَتِ الْعَرَبُ أَنْ تَقُولَهَا ، وَلَا تَقْصِدُ مَعْنَاهَا الْحَقِيقِيَّ ، إِذْ حَقِيقَةُ التَّفْدِيَةِ بَعْدَ الْمَوْتِ لَا تُتَصَوَّرُ ، وَجَوَازُ الْبُكَاءِ عَلَى الْمَيِّتِ ، وَسَيَأْتِي مَبْسُوطًا .
قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ ( أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ ) هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَمَعْمَرٌ هُوَ ابْنُ رَاشِدٍ ، وَيُونُسُ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ ، وَالسُّنْحُ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ ، وَسُكُونِ النُّونِ ، بَعْدَهَا حَاءٌ مُهْمَلَةٌ : مَنَازِلُ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ مُتَزَوِّجًا فِيهِمْ . قَوْلُهُ : ( فَتَيَمَّمَ ) أَيْ قَصَدَ . وَبُرْدُ حِبَرَةَ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ بِوَزْنِ عِنَبَةٍ ، وَيَجُوزُ فِيهِ التَّنْوِينُ عَلَى الْوَصْفِ ، وَعَدَمُهُ عَلَى الْإِضَافَةِ ، وَهِيَ نَوْعٌ مِنْ بُرُودِ الْيَمَنِ مُخَطَّطَةٌ غَالِيَةُ الثَّمَنِ .
وقَوْلُهُ : ( فَقَبَّلَهُ ) أَيْ بَيْنَ عَيْنَيْهِ . وَقَدْ تَرْجَمَ عَلَيْهِ النَّسَائِيُّ وَأَوْرَدَهُ صَرِيحًا . وَقَوْلُهُ : ( الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ الَّتِي كُتِبَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ .