بَاب اتِّبَاعِ النِّسَاءِ الْجَنَائِز
باب اتِّبَاعِ النِّسَاءِ الْجَنَائِزَ 1278 - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ خَالِدٍ ، عَنْ أُمِّ الْهُذَيْلِ ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : نُهِينَا عَنْ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا . قَوْلُهُ : ( بَابُ اتِّبَاعِ النِّسَاءِ الْجِنَازَةَ ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : فَصَلَ الْمُصَنِّفُ بَيْنَ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ ، وَبَيْنَ فَضْلِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ بِتَرَاجِمَ كَثِيرَةٍ تُشْعِرُ بِالتَّفْرِقَةِ بَيْنَ النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ ، وَأَنَّ الْفَضْلَ الثَّابِتَ فِي ذَلِكَ يَخْتَصُّ بِالرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ ، لِأَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ أَوِ الْكَرَاهَةَ ، وَالْفَضْلَ يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ، وَلَا يَجْتَمِعَانِ . وَأُطْلِقَ الْحُكْمُ هُنَا لِمَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ مِنَ الِاحْتِمَالِ ، وَمِنْ ثَمَّ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ .
وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَحَلَّ النِّزَاعِ إِنَّمَا هُوَ حَيْثُ تُؤْمَنُ الْمَفْسَدَةُ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ) هُوَ الثَّوْرِيُّ ، وَأُمُّ الْهُذَيْلِ هِيَ حَفْصَةُ بِنْتُ سِيرِينَ . قَوْلُهُ : ( نُهِينَا ) تَقَدَّمَ فِي الْحَيْضِ مِنْ رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ حَفْصَةَ عَنْهَا بِلَفْظِ : كُنَّا نُهِينَا عَنِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ .
وَرَوَاهُ يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَكِيمٍ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ بِإِسْنَادِ هَذَا الْبَابِ ، بِلَفْظِ : نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ : لَا حُجَّةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، لِأَنَّهُ لَمْ يُسَمِّ النَّاهِيَ فِيهِ ، لِمَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا أَنَّ كُلَّ مَا وَرَدَ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ كَانَ مَرْفُوعًا ، وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ غَيْرِهِمَا مِنَ الْمُحَدِّثِينَ ، وَيُؤَيِّدُ رِوَايَةَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَطِيَّةَ ، عَنْ جَدَّتِهِ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ : لَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ جَمَعَ النِّسَاءَ فِي بَيْتٍ ، ثُمَّ بَعَثَ إِلَيْنَا عُمَرَ ، فَقَالَ : إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُنَّ ، بَعَثَنِي إِلَيْكُنَّ لِأُبَايِعْكُنَّ عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا . الْحَدِيثَ .
وَفِي آخِرِهِ : وَأَمَرَنَا أَنْ نُخْرِجَ فِي الْعِيدِ الْعَوَاتِقَ ، وَنَهَانَا أَنْ نَخْرُجَ فِي جِنَازَةٍ . وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ رِوَايَةَ أُمِّ عَطِيَّةَ الْأُولَى مِنْ مُرْسَلِ الصَّحَابَةِ . قَوْلُهُ : ( وَلَمْ يَعْزِمْ عَلَيْنَا ) ؛ أَيْ : وَلَمْ يُؤَكِّدْ عَلَيْنَا فِي الْمَنْعِ ، كَمَا أَكَّدَ عَلَيْنَا فِي غَيْرِهِ مِنَ الْمَنْهِيَّاتِ ، فَكَأَنَّهَا قَالَتْ : كَرِهَ لَنَا اتِّبَاعَ الْجَنَائِزِ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيمٍ .
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : ظَاهِرُ سِيَاقِ أُمِّ عَطِيَّةَ أَنَّ النَّهْيَ نَهْيُ تَنْزِيهٍ ، وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَمَالَ مَالِكٌ إِلَى الْجَوَازِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ . وَيَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِي جِنَازَةٍ ، فَرَأَى عُمَرُ امْرَأَةً فَصَاحَ بِهَا ، فَقَال : دَعْهَا يَا عُمَرُ . الْحَدِيثَ .
وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَمِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَزْرَقِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ ، وَقَالَ الْمُهَلَّبُ : فِي حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ مِنَ الشَّارِعِ عَلَى دَرَجَاتٍ . وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : قَوْلُهَا : نُهِينَا عَنِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ أَيْ إِلَى أَنْ نَصِلَ إِلَى الْقُبُورِ ، وَقَوْلُهُ : وَلَمْ يَعْزِمْ عَلَيْنَا ؛ أَيْ أَنْ لَا نَأْتِيَ أَهْلَ الْمَيِّتِ فَنُعَزِّيَهِمْ ، وَنَتَرَحَّمَ عَلَى مَيِّتِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ نَتَّبِعَ جِنَازَتَهُ . انْتَهَى .
وَفِي أَخْذِ هَذَا التَّفْصِيلِ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ نَظَرٌ ، نَعَمْ هُوَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ : إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى فَاطِمَةَ مُقْبِلَةً ، فَقَالَ : مِنْ أَيْنَ جِئْتِ ؟ فَقَالَتْ : رَحِمْتُ عَلَى أَهْلِ هَذَا الْمَيِّتِ مَيِّتَهُمْ . فَقَالَ : لَعَلَّكِ بَلَغْتِ مَعَهُمُ الْكُدَى ؟ قَالَتْ : لَا . الْحَدِيثَ ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالْحَاكِمُ وَغَيْرُهُمَا .
فَأَنْكَرَ عَلَيْهَا بُلُوغَ الْكُدَى ، وَهُوَ بِالضَّمِّ ، وَتَخْفِيفِ الدَّالِ الْمَقْصُورَةِ ، وَهِيَ الْمَقَابرُ ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهَا التَّعْزِيَةُ . وَقَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهَا : وَلَمْ يَعْزِمْ عَلَيْنَا ؛ أَيْ كَمَا عَزَمَ عَلَى الرِّجَالِ بِتَرْغِيبِهِمْ فِي اتِّبَاعِهَا بِحُصُولِ الْقِيرَاطِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .