بَاب مَنْ لَمْ يُظْهِرْ حُزْنَهُ عِنْدَ الْمُصِيبَة
بَاب مَنْ لَمْ يُظْهِرْ حُزْنَهُ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ : الْجَزَعُ : الْقَوْلُ السَّيِّئُ وَالظَّنُّ السَّيِّئُ وَقَالَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلَام : إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ 1301 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ : اشْتَكَى ابْنٌ لِأَبِي طَلْحَةَ ، قَالَ : فَمَاتَ وَأَبُو طَلْحَةَ خَارِجٌ ، فَلَمَّا رَأَتِ امْرَأَتُهُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ هَيَّأَتْ شَيْئًا ، وَنَحَّتْهُ فِي جَانِبِ الْبَيْتِ ، فَلَمَّا جَاءَ أَبُو طَلْحَةَ قَالَ : كَيْفَ الْغُلَامُ ؟ قَالَتْ : قَدْ هَدَأَتْ نَفْسُهُ ، وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدْ اسْتَرَاحَ ، وَظَنَّ أَبُو طَلْحَةَ أَنَّهَا صَادِقَةٌ . قَالَ : فَبَاتَ ، فَلَمَّا أَصْبَحَ اغْتَسَلَ ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ أَعْلَمَتْهُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ ، فَصَلَّى مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ أَخْبَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا كَانَ مِنْهُمَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُبَارِكَ لَكُمَا فِي لَيْلَتِكُمَا . قَالَ سُفْيَانُ : فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ : فَرَأَيْتُ لَهُمَا تِسْعَةَ أَوْلَادٍ كُلُّهُمْ قَدْ قَرَأَ الْقُرْآنَ .
قَوْلُهُ : ( بَابُ مَنْ لَمْ يُظْهِرْ حُزْنَهُ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي التَّرْجَمَةِ الَّتِي قَبْلَهَا ، وَيُظْهِرُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ مِنَ الرُّبَاعِيِّ . وَحُزْنَهُ : مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ ) يَعْنِي الْقُرَظِيَّ بِضَمِّ الْقَافِ وَفَتْحِ الرَّاءِ بَعْدَهَا ظَاءٌ مُشَالَةٌ .
قَوْلُهُ : ( السَّيِّئُ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ ، وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا أُخْرَى مَهْمُوزَةٌ ، وَالْمُرَادُ بِهِ : مَا يَبْعَثُ الْحُزْنَ غَالِبًا ، وَبِالظَّنِّ السَّيِّئِ : الْيَأْسُ مِنْ تَعْوِيضِ اللَّهِ الْمُصَابَ فِي الْعَاجِلِ مَا هُوَ أَنْفَعُ لَهُ مِنَ الْفَائِتِ ، أَوِ الِاسْتِبْعَادُ لِحُصُولِ مَا وَعَدَ بِهِ مِنَ الثَّوَابِ عَلَى الصَّبْرِ . وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ سَأَلَ ، مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ كَقَوْلِ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ هَذَا . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : مُنَاسَبَةُ هَذِهِ الْآيَةِ لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّ قَوْلَ يَعْقُوبَ لَمَّا تَضَمَّنَ أَنَّهُ لَا يَشْكُو - بِتَصْرِيحٍ وَلَا تَعْرِيضٍ - إِلَّا لِلَّهِ وَافَقَ مَقْصُودَ التَّرْجَمَةِ ، وَكَانَ خِطَابُهُ بِذَلِكَ لِبَنِيهِ بَعْدَ قَوْلِهِ : ( يَا أَسْفَى عَلَى يُوسُفَ ) .
وَالْبَثُّ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ ، بَعْدَهَا مُثَلَّثَةٌ ثَقِيلَةٌ : شِدَّةُ الْحُزْنِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ ) هُوَ النَّيْسَابُورِيُّ . قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ : يُقَالُ : إِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مِمَّا تَفَرَّدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ بِشْرِ بْنِ الْحَكَمِ .
انْتَهَى . يَعْنِي مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ . وَلَمْ يُخَرِّجْهُ أَبُو نُعَيْمٍ ، وَلَا الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ إِلَّا مِنْ جِهَةِ الْبُخَارِيِّ .
وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، وَهُوَ أَخُو إِسْحَاقَ الْمَذْكُورِ عَنْ أَنَسٍ . وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ ، كِلَاهُمَا عَنْ أَنَسٍ . وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَابْنُ سَعْدٍ أَيْضًا وَابْنُ حِبَّانَ ، وَالطَّيَالِسِيُّ مِنْ طُرُقٍ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ أَيْضًا .
وَفِي رِوَايَةِ بَعْضِهِمْ مَا لَيْسَ فِي رِوَايَةِ بَعْضٍ ، وَسَأَذْكُرُ مَا فِي كُلٍّ مِنْ فَائِدَةٍ زَائِدَةٍ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَوْلُهُ : ( اشْتَكَى ابْنٌ لِأَبِي طَلْحَةَ ) أَيْ مَرِضَ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ صَدَرَتْ مِنْهُ شَكْوَى ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْأَصْلُ أَنَّ الْمَرِيضَ يَحْصُلُ مِنْهُ ذَلِكَ اسْتُعْمِلَ فِي كُلِّ مَرَضٍ لِكُلِّ مَرِيضٍ . وَالِابْنُ الْمَذْكُورُ هُوَ أَبُو عُمَيْرٍ الَّذِي كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُمَازِحُهُ وَيَقُولُ لَهُ : يَا أَبَا عُمَيْرٍ ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ ؟ كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْأَدَبِ ، ، بَيَّنَ ذَلِكَ ابْنُ حِبَّانَ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيقِ عُمَارَةَ بْنِ زَاذَانَ ، عَنْ ثَابِتٍ ، وَزَادَ مِنْ طَرِيقِ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ ، عَنْ ثَابِتٍ فِي أَوَّلِهِ قِصَّةَ تَزْوِيجِ أُمِّ سُلَيْمٍ بِأَبِي طَلْحَةَ بِشَرْطِ أَنْ يُسْلِمَ ، وَقَالَ فِيهِ : فَحَمَلَتْ فَوَلَدَتْ غُلَامًا صَبِيحًا ، فَكَانَ أَبُو طَلْحَةَ يُحِبُّهُ حُبًّا شَدِيدًا ، فَعَاشَ حَتَّى تَحَرَّكَ فَمَرِضَ ، فَحَزِنَ أَبُو طَلْحَةَ عَلَيْهِ حُزْنًا شَدِيدًا حَتَّى تَضَعْضَعَ ، وَأَبُو طَلْحَةَ يَغْدُو وَيَرُوحُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَرَاحَ رَوْحَةً فَمَاتَ الصَّبِيُّ .
فَأَفَادَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ تَسْمِيَةَ امْرَأَةِ أَبِي طَلْحَةَ ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ : وَأَبُو طَلْحَةَ خَارِجٌ . أَيْ خَارِجُ الْبَيْتِ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَوَاخِرِ النَّهَارِ ، وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ : كَانَ لِأَبِي طَلْحَةَ وَلَدٌ فَتُوُفِّيَ ، فَأَرْسَلَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ أَنَسًا يَدْعُو أَبَا طَلْحَةَ ، وَأَمَرَتْهُ أَنْ لَا يُخْبِرَهُ بِوَفَاةِ ابْنِهِ ، وَكَانَ أَبُو طَلْحَةَ صَائِمًا . قَوْلُهُ : ( هَيَّأَتْ شَيْئًا ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : أَيْ أَعَدَّتْ طَعَامًا لِأَبِي طَلْحَةَ وَأَصْلَحَتْهُ ، وَقِيلَ : هَيَّأَتْ حَالَهَا وَتَزَيَّنَتْ .
قُلْتُ : بَلِ الصَّوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهَا هَيَّأَتْ أَمْرَ الصَّبِيِّ بِأَنْ غَسَّلَتْهُ وَكَفَّنَتْهُ كَمَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ صَرِيحًا ، فَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ عَنْ مَشَايِخِهِ عَنْ ثَابِتٍ : فَهَيَّأَتِ الصَّبِيَّ ، وَفِي رِوَايَةِ حُمَيْدٍ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ : فَتُوُفِّيَ الْغُلَامُ فَهَيَّأَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ أَمْرَهُ . وَفِي رِوَايَةِ عُمَارَةَ بْنِ زَاذَانَ ، عَنْ ثَابِتٍ : فَهَلَكَ الصَّبِيُّ ، فَقَامَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ فَغَسَّلَتْهُ وَكَفَّنَتْهُ وَحَنَّطَتْهُ وَسَجَّتْ عَلَيْهِ ثَوْبًا . قَوْلُهُ : ( وَنَحَّتْهُ فِي جَانِبِ الْبَيْتِ ) أَيْ جَعَلَتْهُ فِي جَانِبِ الْبَيْتِ ، وَفِي رِوَايَةِ جَعْفَرٍ ، عَنْ ثَابِتٍ فَجَعَلَتْهُ فِي مَخْدَعِهَا .
قَوْلُهُ : ( هَدَأَتْ ) بِالْهَمْزِ ؛ أَيْ سَكَنَتْ وَ( نَفْسُهُ ) بِسُكُونِ الْفَاءِ كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، وَالْمَعْنَى أَنَّ النَّفْسَ كَانَتْ قَلِقَةً مُنْزَعِجَةً بِعَارِضِ الْمَرَضِ ، فَسَكَنَتْ بِالْمَوْتِ ، وَظَنَّ أَبُو طَلْحَةَ أَنَّ مُرَادَهَا أَنَّهَا سَكَنَتْ بِالنَّوْمِ لِوُجُودِ الْعَافِيَةِ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ : هَدَأَ نَفَسُهُ بِفَتْحِ الْفَاءِ ؛ أَيْ سَكَنَ ، لِأَنَّ الْمَرِيضَ يَكُونُ نَفَسُهُ عَالِيًا ، فَإِذَا زَالَ مَرَضُهُ سَكَنَ ، وَكَذَا إِذَا مَاتَ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ : هُوَ أَسْكَنُ مَا كَانَ . وَنَحْوُهُ فِي رِوَايَةِ جَعْفَرٍ ، عَنْ ثَابِتٍ ، وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ ، عَنْ ثَابِتٍ : أَمْسَى هَادِئًا .
وَفِي رِوَايَةِ حُمَيْدٍ : بِخَيْرِ مَا كَانَ . وَمَعَانِيهَا مُتَقَارِبَةٌ . قَوْلُهُ : ( وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدِ اسْتَرَاحَ ) لَمْ تَجْزِمْ بِذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْأَدَبِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ عَلِمَتْ أَنَّ الطِّفْلَ لَا عَذَابَ عَلَيْهِ ، فَفَوَّضَتِ الْأَمْرَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ، مَعَ وُجُودِ رَجَائِهَا بِأَنَّهُ اسْتَرَاحَ مِنْ نَكَدِ الدُّنْيَا .
قَوْلُهُ : ( وَظَنَّ أَبُو طَلْحَةَ أَنَّهَا صَادِقَةٌ ) أَيْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا فَهِمَهُ مِنْ كَلَامِهَا ، وَإِلَّا فَهِيَ صَادِقَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا أَرَادَتْ . قَوْلُهُ : ( فَبَاتَ ) أَيْ مَعَهَا ( فَلَمَّا أَصْبَحَ اغْتَسَلَ ) فِيهِ كِنَايَةٌ عَنِ الْجِمَاعِ ، لِأَنَّ الْغُسْلَ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْغَالِبِ مِنْهُ ، وَقَدْ وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ : فَفِي رِوَايَةِ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ : فَقَرَّبَتْ إِلَيْهِ الْعَشَاءَ فَتَعَشَّى ، ثُمَّ أَصَابَ مِنْهَا . وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ : ثُمَّ تَعَرَّضَتْ لَهُ ، فَأَصَابَ مِنْهَا .
وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادٍ ، عَنْ ثَابِتٍ : ثُمَّ تَطَيَّبَتْ . زَادَ جَعْفَرٌ ، عَنْ ثَابِتٍ : فَتَعَرَّضَتْ لَهُ حَتَّى وَقَعَ بِهَا . وَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ ، عَنْ ثَابِتٍ : ثُمَّ تَصَنَّعَتْ لَهُ أَحْسَنَ مَا كَانَتْ تَصَنَّعُ قَبْلَ ذَلِكَ فَوَقَعَ بِهَا .
قَوْلُهُ : ( فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ أَعْلَمَتْهُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ ) زَادَ سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةَ ، عَنْ ثَابِتٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ . فَقَالَتْ : يَا أَبَا طَلْحَةَ ، أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ قَوْمًا أَعَارُوا أَهْلَ بَيْتٍ عَارِيَةً ، فَطَلَبُوا عَارِيَتَهُمْ ، أَلَهُمْ أَنْ يَمْنَعُوهُمْ ؟ قَالَ : لَا . قَالَتْ : فَاحْتَسِبِ ابْنَكَ .
فَغَضِبَ وَقَالَ : تَرَكْتِنِي حَتَّى تَلَطَّخْتُ ، ثُمَّ أَخْبَرْتِنِي بِابْنِي . وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ : فَقَالَتْ : يَا أَبَا طَلْحَةَ ، أَرَأَيْتَ قَوْمًا أَعَارُوا مَتَاعًا ثُمَّ بَدَا لَهُمْ فِيهِ فَأَخَذُوهُ ، فَكَأَنَّهُمْ وَجَدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ . زَادَ حَمَّادٌ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ ثَابِتٍ : فَأَبَوْا أَنْ يَرُدُّوهَا ، فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ : لَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ ، إِنَّ الْعَارِيَةَ مُؤَدَّاةٌ إِلَى أَهْلِهَا .
ثُمَّ اتَّفَقَا ، فَقَالَتْ : إِنَّ اللَّهَ أَعَارَنَا فُلَانًا ثُمَّ أَخَذَهُ مِنَّا . زَادَ حَمَّادٌ : فَاسْتَرْجَعَ . قَوْلُهُ : ( لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُبَارِكَ لَكُمَا فِي لَيْلَتِكُمَا ) فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ : لَهُمَا فِي لَيْلَتِهِمَا .
وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ : اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمَا . وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا فَيُجْمَعُ بِأَنَّهُ دَعَا بِذَلِكَ ، وَرَجَا إِجَابَةَ دُعَائِهِ ، وَلَمْ تَخْتَلِفِ الرُّوَاةُ عَنْ ثَابِتٍ ، وَكَذَا عَنْ حُمَيْدٍ فِي أَنَّهُ قَالَ : بَارَكَ اللَّهُ لَكُمَا فِي لَيْلَتِكُمَا . وَعُرِفَ مِنْ رِوَايَةِ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّ الْمُرَادَ الدُّعَاءُ ، وَإِنْ كَانَ لَفْظُهُ لَفْظَ الْخَبَرِ .
وَفِي رِوَايَةِ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ مِنَ الزِّيَادَةِ : فَوَلَدَتْ غُلَامًا . وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ : فَجَاءَتْ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ . وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى قِصَّةِ تَحْنِيكِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْعَقِيقَةِ .
قَوْلُهُ : ( قَالَ سُفْيَانُ ) هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ . إِلَخْ ) هُوَ عَبَايَةُ بْنُ رِفَاعَةَ ، لِمَا أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، وَمُسَدَّدٌ ، وَابْنُ سَعْدٍ ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ كُلُّهُمْ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ ، عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ قَالَ : كَانَتْ أُمُّ أَنَسٍ تَحْتَ أَبِي طَلْحَةَ .
فَذَكَرَ الْقِصَّةَ شَبِيهَةً بِسِيَاقِ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ : فَوَلَدَتْ لَهُ غُلَامًا ، قَالَ عَبَايَةُ : فَلَقَدْ رَأَيْتُ لِذَلِكَ الْغُلَامِ سَبْعَ بَنِينَ كُلَّهُمْ قَدْ خَتَمَ الْقُرْآنَ . وَأَفَادَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ أَنَّ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ تَجَوُّزًا فِي قَوْلِهِ : لَهُمَا لِأَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ مِنْ وَلَدِهِمَا بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ مِنْ أَوْلَادِ وَلَدِهِمَا الْمَدْعُوِّ لَهُ بِالْبَرَكَةِ وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ تِسْعَةٌ وَفِي هَذِهِ سَبْعَةٌ ، فَلَعَلَّ فِي أَحَدِهِمَا تَصْحِيفًا ، أَوِ الْمُرَادُ بِالسَّبْعَةِ مَنْ خَتَمَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ وَبِالتِّسْعَةِ مَنْ قَرَأَ مُعْظَمَهُ ، وَلَهُ مِنَ الْوَلَدِ فِيمَا ذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْأَنْسَابِ : إِسْحَاقُ ، وَإِسْمَاعِيلُ ، وَعَبْدُ اللَّهِ ، وَيَعْقُوبُ ، وَعُمَرُ ، وَالْقَاسِمُ ، وَعُمَارَةُ ، وَإِبْرَاهِيمُ ، وَعُمَيْرٌ ، وَزَيْدٌ ، وَمُحَمَّدٌ ، وَأَرْبَعٌ مِنَ الْبَنَاتِ .
وَفِي قِصَّةِ أُمِّ سُلَيْمٍ هَذِهِ مِنَ الْفَوَائِدِ أَيْضًا : جَوَازُ الْأَخْذِ بِالشِّدَّةِ ، وَتَرْكُ الرُّخْصَةِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا ، وَالتَّسْلِيَةُ عَنِ الْمَصَائِبِ ، وَتَزَيُّنُ الْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا ، وَتَعَرُّضُهَا لِطَلَبِ الْجِمَاعِ مِنْهُ ، وَاجْتِهَادُهَا فِي عَمَلِ مَصَالِحِهِ ، وَمَشْرُوعِيَّةُ الْمَعَارِيضِ الْمُوهِمَةِ إِذَا دَعَتِ الضَّرُورَةُ إِلَيْهَا ، وَشَرْطُ جَوَازِهَا أَنْ لَا تُبْطِلَ حَقًّا لِمُسْلِمٍ . وَكَانَ الْحَامِلُ لِأُمِّ سُلَيْمٍ عَلَى ذَلِكَ الْمُبَالَغَةَ فِي الصَّبْرِ وَالتَّسْلِيمِ لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَرَجَاءَ إِخْلَافِهِ عَلَيْهَا مَا فَاتَ مِنْهَا ، إِذْ لَوْ أَعْلَمَتْ أَبَا طَلْحَةَ بِالْأَمْرِ فِي أَوَّلِ الْحَالِ تَنَكَّدَ عَلَيْهِ وَقْتُهُ ، وَلَمْ تَبْلُغِ الْغَرَضَ الَّذِي أَرَادَتْهُ ، فَلَمَّا عَلِمَ اللَّهُ صِدْقَ نِيَّتِهَا بَلَّغَهَا مُنَاهَا ، وَأَصْلَحَ لَهَا ذُرِّيَّتَهَا . وَفِيهِ إِجَابَةُ دَعْوَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَنَّ مَنْ تَرَكَ شَيْئًا عَوَّضَهُ اللَّهُ خَيْرًا مِنْهُ ، وَبَيَانُ حَالِ أُمِّ سُلَيْمٍ مِنَ التَّجَلُّدِ وَجَوْدَةِ الرَّأْيِ وَقُوَّةِ الْعَزْمِ ، وَسَيَأْتِي فِي الْجِهَادِ وَالْمَغَازِي أَنَّهَا كَانَتْ تَشْهَدُ الْقِتَالَ وَتَقُومُ بِخِدْمَةِ الْمُجَاهِدِينَ ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا انْفَرَدَتْ بِهِ عَنْ مُعْظَمِ النِّسْوَةِ ، وَسَيَأْتِي شَرْحُ حَدِيثِ : أَبِي عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ مُسْتَوْفًى فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْأَدَبِ ، وَفِيهِ بَيَانُ مَا كَانَ سُمِّيَ بِهِ غَيْرُ الْكُنْيَةِ الَّتِي اشْتَهَرَ بِهَا .