بَاب الصَّبْرِ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى
بَاب الصَّبْرِ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى . وَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : نِعْمَ الْعِدْلَانِ وَنِعْمَ الْعِلَاوَةُ : ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ١٥٦ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ ﴾1302 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ ثَابِتٍ قَالَ : سَمِعْتُ أَنَسًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى . قَوْلُهُ : ( بَابُ الصَّبْرِ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى ) أَيْ هُوَ الْمَطْلُوبُ الْمُبَشَّرُ عَلَيْهِ بِالصَّلَاةِ وَالرَّحْمَةِ ، وَمِنْ هُنَا تَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ إِيرَادِ أَثَرِ عُمَرَ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الْمَتْنِ الْمَرْفُوعِ مُسْتَوْفًى فِي زِيَارَةِ الْقُبُورِ .
قَوْلُهُ : ( وَقَالَ عُمَرُ ) ؛ أَيِ ابْنُ الْخَطَّابِ . قَوْلُهُ : ( الْعِدْلَانِ ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ ؛ أَيِ الْمِثْلَانِ ، وَقَوْلُهُ : ( الْعِلَاوَةُ ) بِكَسْرِهَا أَيْضًا ؛ أَيْ مَا يُعَلَّقُ عَلَى الْبَعِيرِ بَعْدَ تَمَامِ الْحَمْلِ . وَهَذَا الْأَثَرُ وَصَلَهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ طَرِيقِ جَرِيرٍ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ عُمَرَ كَمَا سَاقَهُ الْمُصَنِّفُ ، وَزَادَ : أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ نِعْمَ الْعِدْلَانِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ نِعْمَ الْعِلَاوَةُ .
وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ ، عَنِ الْحَاكِمِ ، وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ نُعَيْمِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ عُمَرَ نَحْوَهُ ، وَظَهَرَ بِهَذَا مُرَادُ عُمَرَ بِالْعِدْلَيْنِ وَبِالْعِلَاوَةِ ، وَأَنَّ الْعِدْلَيْنِ الصَّلَاةُ وَالرَّحْمَةُ ، وَالْعِلَاوَةُ الِاهْتِدَاءُ . وَيُؤَيِّدُهُ وُقُوعُهُمَا بَعْدَ عَلَى الْمُشْعِرَةُ بِالْفَوْقِيَّةِ ، الْمُشْعِرَةُ بِالْحَمْلِ ، قَالَهُ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ . وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُ قَوْلِ عُمَرَ مَرْفُوعًا ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أُعْطِيَتْ أُمَّتِي شَيْئًا لَمْ يُعْطَهُ أَحَدٌ مِنَ الْأُمَمِ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ : إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ - إِلَى قَوْلِهِ - الْمُهْتَدُونَ ، قَالَ : فَأَخْبَرَ أَنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا سَلَّمَ لِأَمْرِ اللَّهِ وَاسْتَرْجَعَ كُتِبَ لَهُ ثَلَاثُ خِصَالٍ مِنَ الْخَيْرِ : الصَّلَاةُ مِنَ اللَّهِ وَالرَّحْمَةُ ، وَتَحْقِيقُ سُبُلِ الْهُدَى .
فَأَغْنَى هَذَا عَنِ التَّكَلُّفِ فِي ذَلِكَ كَقَوْلِ الْمُهَلَّبِ : الْعِدْلَانِ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ، وَالْعِلَاوَةُ الثَّوَابُ عَلَيْهِمَا . وَعَنْ قَوْلِ الْكَرْمَانِيِّ : الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَدْلَيْنِ الْقَوْلُ وَجَزَاؤُهُ ، أَيْ قَوْلُ الْكَلِمَتَيْنِ وَنَوْعَا الثَّوَابِ ، لِأَنَّهُمَا مُتَلَازِمَانِ . قَوْلُهُ : ( وَقَوْلُهُ تَعَالَى : وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ الْآيَةَ ) هُوَ بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى أَوَّلِ التَّرْجَمَةِ ، وَالتَّقْدِيرُ : وَبَابُ قَوْلِهِ تَعَالَى ، أَيْ تَفْسِيرِهِ ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ .
وَقَوْلُهُ : ( وَإِنَّهَا ) قِيلَ : أَفْرَدَ الصَّلَاةَ ، لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّبْرِ الصَّوْمُ ، وَهُوَ مِنَ التُّرُوكِ ، أَوِ الصَّبْرِ عَنِ الْمَيِّتِ تَرْكُ الْجَزَعِ ، وَالصَّلَاةُ أَفْعَالٌ وَأَقْوَالٌ ، فَلِذَلِكَ ثَقُلَتْ عَلَى غَيْرِ الْخَاشِعِينَ ، وَمِنْ أَسْرَارِهَا أَنَّهَا تُعِينُ عَلَى الصَّبْرِ لِمَا فِيهَا مِنَ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَالْخُضُوعِ ، وَكُلُّهَا تُضَادُّ حُبَّ الرِّيَاسَةِ ، وَعَدَمَ الِانْقِيَادِ لِلْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي ، وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ أَرَادَ بِإِيرَادِ هَذِهِ الْآيَةِ مَا جَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ نُعِيَ إِلَيْهِ أَخُوهُ قُثَمَ وَهُوَ فِي سَفَرٍ ، فَاسْتَرْجَعَ ثُمَّ تَنَحَّى عَنِ الطَّرِيقِ فَأَنَاخَ ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ أَطَالَ فِيهِمَا الْجُلُوسَ ، ثُمَّ قَامَ وَهُوَ يَقُولُ : وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ الْآيَةَ ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ ، وَعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ صَلَّى . أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ أَيْضًا . قَالَ الطَّبَرِيُّ : الصَّبْرُ مَنْعُ النَّفْسِ مَحَابَّهَا ، وَكَفُّهَا عَنْ هَوَاهَا ، وَلِذَلِكَ قِيلَ لِمَنْ لَمْ يَجْزَعْ : صَابِرٌ ؛ لِكَفِّهِ نَفْسَهُ .
وَقِيلَ لِرَمَضَانَ : شَهْرُ الصَّبْرِ ؛ لِكَفِّ الصَّائِمِ نَفْسَهُ عَنِ الْمَطْعَمِ وَالْمَشْرَبِ .