57 - بَاب فَضْلِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : إِذَا صَلَّيْتَ فَقَدْ قَضَيْتَ الَّذِي عَلَيْكَ . وَقَالَ حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ : مَا عَلِمْنَا عَلَى الْجَنَازَةِ إِذْنًا ، وَلَكِنْ مَنْ صَلَّى ثُمَّ رَجَعَ ، فَلَهُ قِيرَاطٌ 1323 - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ قَالَ : سَمِعْتُ نَافِعًا يَقُولُ : حُدِّثَ ابْنُ عُمَرَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ يَقُولُ : مَنْ تَبِعَ جَنَازَةً فَلَهُ قِيرَاطٌ ، فَقَالَ : أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَيْنَا . 1324 - فَصَدَّقَتْ يَعْنِي عَائِشَةَ ، أَبَا هُرَيْرَةَ وَقَالَتْ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُهُ ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : لَقَدْ فَرَّطْنَا فِي قَرَارِيطَ كَثِيرَةٍ . فَرَّطْتُ : ضَيَّعْتُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ فَضْلِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ ) قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ مَا مُحَصِّلُهُ مَقْصُودُ الْبَابِ : بَيَانُ الْقَدْرِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ مُسَمَّى الِاتِّبَاعِ الَّذِي يَجُوزُ بِهِ الْقِيرَاطُ . إِذْ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَوْرَدَهُ إِجْمَالٌ ، وَلِذَلِكَ صَدَّرَهُ بِقَوْلِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَآثَرَ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ عَلَى الَّذِي بَعْدَهُ - وَإِنْ كَانَ أَوْضَحَ مِنْهُ فِي مَقْصُودِهِ - كَعَادَتِهِ الْمَأْلُوفَةِ فِي التَّرْجَمَةِ عَلَى اللَّفْظِ الْمُشْكِلِ لِيُبَيِّنَ مُجْمَلَهُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ طَرَفٌ مِنْ بَيَانِ مَا يَحْصُلُ بِهِ مُسَمَّى الِاتِّبَاعِ فِي بَابِ السُّرْعَةِ بِالْجِنَازَةِ ، وَلَهُ تَعَلُّقٌ بِهَذَا الْبَابِ ، وَكَأَنَّهُ قَصَدَ هُنَاكَ كَيْفِيَّةَ الْمَشْيِ وَأَمْكِنَتَهُ ، وَقَصَدَ هُنَا مَا الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ الِاتِّبَاعُ ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ ، قَالَ : وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قَصَدَ هُنَا مَا الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصِدُ ، إِذِ الِاتِّبَاعُ إِنَّمَا هُوَ وَسِيلَةٌ إِلَى تَحْصِيلِ الصَّلَاةِ مُنْفَرِدَةً أَوِ الدَّفْنِ مُنْفَرِدًا ، أَوِ الْمَجْمُوعِ . قَالَ : وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى بَرَاعَةِ الْمُصَنِّفِ وَدِقَّةِ فَهْمِهِ وَسِعَةِ عِلْمِهِ . وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ مَا مُحَصِّلُهُ : مُرَادُ التَّرْجَمَةِ إِثباتُ الْأَجْرِ وَالتَّرْغِيبِ فِيهِ ، لَا تَعْيِينَ الْحُكْمِ ، لِأَنَّ الِاتِّبَاعَ مِنَ الْوَاجِبَاتِ عَلَى الْكِفَايَةِ ، فَالْمُرَادُ بِالْفَضْلِ مَا ذَكَرْنَاهُ لَا قَسِيمَ الْوَاجِبِ ، وَأَجْمَلَ لَفْظَ الِاتِّبَاعِ تَبَعًا لِلَفْظِ الْحَدِيثِ الَّذِي أَوْرَدَهُ ، لِأَنَّ الْقِيرَاطَ لَا يَحْصُلُ إِلَّا لِمَنِ اتَّبَعَ وَصَلَّى ، أَوِ اتَّبَعَ وَشَيَّعَ وَحَضَرَ الدَّفْنَ ، لَا لِمَنِ اتَّبَعَ مَثَلًا وَشَيَّعَ ثُمَّ انْصَرَفَ بِغَيْرِ صَلَاةٍ ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُ الْحُجَّةِ لِذَلِكَ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الِاتِّبَاعَ إِنَّمَا هُوَ وَسِيلَةٌ لِأَحَدِ مَقْصُودَيْنِ : إِمَّا الصَّلَاةَ وَإِمَّا الدَّفْنَ ، فَإِذَا تَجَرَّدَتِ الْوَسِيلَةُ عَنِ الْمَقْصِدِ لَمْ يَحْصُلِ الْمُرَتَّبُ عَلَى الْمَقْصُودِ ، وَإِنْ كَانَ يُرْجَى أَنْ يَحْصُلَ لِفَاعِلِ ذَلِكَ فَضْلُ مَا بِحَسَبِ نِيَّتِهِ . وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ ، قَالَ : اتِّبَاعُ الْجِنَازَةِ أَفْضَلُ النَّوَافِلِ . وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْهُ : اتِّبَاعُ الْجِنَازَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ : إِذَا صَلَّيْتَ فَقَدْ قَضَيْتَ الَّذِي عَلَيْكَ ) وَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ عُرْوَةَ بِلَفْظِ : إِذَا صَلَّيْتُمْ عَلَى الْجِنَازَةِ فَقَدْ قَضَيْتُمْ مَا عَلَيْكُمْ ، فَخَلُّوا بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَهْلِهَا . وَكَذَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، لَكِنْ بِلَفْظِ : إِذَا صَلَّيْتَ عَلَى جِنَازَةٍ فَقَدْ قَضَيْتَ مَا عَلَيْكَ . وَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ الْإِفْرَادِ ، وَمَعْنَاهُ فَقَدْ قَضَيْتَ حَقَّ الْمَيِّتِ ، فَإِنْ أَرَدْتَ الِاتِّبَاعَ فَلَكَ زِيَادَةُ أَجْرٍ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ : مَا عَلِمْنَا عَلَى الْجِنَازَةِ إِذْنًا وَلَكِنْ مَنْ صَلَّى ثُمَّ رَجَعَ ، فَلَهُ قِيرَاطٌ ) لَمْ أَرَهُ مَوْصُولًا عَنْهُ ، قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : مُنَاسَبَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ اسْتِعَارَةٌ بِأَنَّ الِاتِّبَاعَ إِنَّمَا هُوَ لِمَحْضِ ابْتِغَاءِ الْفَضْلِ ، وَأَنَّهُ لَا يَجْرِي مَجْرَى قَضَاءِ حَقِّ أَوْلِيَاءِ الْمَيِّتِ ، فَلَا يَكُونُ لَهُمْ فِيهِ حَقٌّ لِيَتَوَقَّفَ الِانْصِرَافُ قَبْلَهُ عَلَى الْإِذْنِ مِنْهُمْ . قُلْتُ : وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ أَرَادَ الرَّدَّ عَلَى مَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : أَمِيرَانِ وَلَيْسَا بِأَمِيرَيْنِ : الرَّجُلُ يَكُونُ مَعَ الْجِنَازَةِ يُصَلِّي عَلَيْهَا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ حَتَّى يَسْتَأْذِنَ وَلِيَّهَا ، الْحَدِيثَ . وَهَذَا مُنْقَطِعٌ مَوْقُوفٌ ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِثْلَهُ مِنْ قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنِ الْمِسْوَرِ مِنْ فِعْلِهِ أَيْضًا ، وَقَدْ وَرَدَ مِثْلُهُ مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ فِيهِ مَقَالٌ ، وَأَخْرَجَهُ الْعُقَيْلِيُّ فِي الضُّعَفَاءِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ ، وَرَوَى أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هُرْمُزَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا : مَنْ تَبِعَ جِنَازَةً فَحَمَلَ مِنْ عُلْوِهَا ، وَحَثَا فِي قَبْرِهَا ، وَقَعَدَ حَتَّى يُؤْذَنَ لَهُ رَجَعَ بِقِيرَاطَيْنِ . وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ . وَالَّذِي عَلَيْهِ مُعْظَمُ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى قَوْلُ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ ، وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْتَأْذِنَ . قَوْلُهُ : ( حُدِّثَ ابْنُ عُمَرَ ) كَذَا فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ : حُدِّثَ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ ، وَلَمْ أَقِفْ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ عَنْ نَافِعٍ عَلَى تَسْمِيَةِ مَنْ حَدَّثَ ابْنَ عُمَرَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِذَلِكَ ، وَقَدْ أَوْرَدَهُ أَصْحَابُ الْأَطْرَافِ وَالْحُمَيْدِيُّ فِي جَمْعِهِ فِي تَرْجَمَةِ نَافِعٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ سَمِعَ مِنْهُ وَفِي نُسْخَةٍ سَمِعَهُ مِنْهُ . وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُحْتَمِلًا ، وَوَقَفْتُ عَلَى تَسْمِيَةِ مَنْ حَدَّثَ ابْنَ عُمَرَ بِذَلِكَ صَرِيحًا فِي مَوْضِعَيْنِ : أَحَدِهِمَا : فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ، وَهُوَ خَبَّابٌ بِمُعْجَمَةٍ وَمُوَحَّدَتَيْنِ ، الْأُولَى مُشَدَّدَةٌ ، وَهُوَ أَبُو السَّائِبِ الْمَدَنِيُّ صَاحِبُ الْمَقْصُورَةِ ، قِيلَ : إِنَّ لَهُ صُحْبَةً ، وَلَفْظُهُ مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ : إِنَّهُ كَانَ قَاعِدًا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ إِذْ طَلَعَ خَبَّابٌ صَاحِبُ الْمَقْصُورَةِ ، فَقَالَ : يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ، أَلَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ ؟ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ . وَالثَّانِي : فِي جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، قَالَ أَبُو سَلَمَةَ : فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِابْنِ عُمَرَ ، فَأَرْسَلَ إِلَى عَائِشَةَ . قَوْلُهُ : ( أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : مَنْ تَبِعَ ) كَذَا فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ رَاشِدٍ ، عَنْ أَبِي النُّعْمَانِ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ ، لَكِنْ أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ مَهْدِيِّ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ ، وَعَنْ أَبِي أُمَيَّةَ ، عَنْ أَبِي النُّعْمَانِ ، وَعَنِ التُّسْتَرِيِّ ، عَنْ شَيْبَانَ ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ : قِيلَ لِابْنِ عُمَرَ : إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : مَنْ تَبِعَ جِنَازَةً فَلَهُ قِيرَاطٌ مِنَ الْأَجْرِ . فَذَكَرَهُ وَلَمْ يُبَيِّنْ لِمَنِ السِّيَاقُ . وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ شَيْبَانَ بْنِ فَرُّوخٍ كَذَلِكَ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ السِّيَاقَ لَهُ . قَوْلُهُ : ( مَنْ تَبِعَ جِنَازَةً فَلَهُ قِيرَاطٌ ) زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ مِنَ الْأَجْرِ . وَالْقِيرَاطُ بِكَسْرِ الْقَافِ . قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : أَصْلُهُ قِرَّاطٌ بِالتَّشْدِيدِ ، لِأَنَّ جَمْعَهُ قَرَارِيطُ ، فَأَبْدَلَ مِنْ أَحَدِ حَرْفَيْ تَضْعِيفِهِ يَاءً ، قَالَ : وَالْقِيرَاطُ نِصْفُ دَانِقٍ . وَقَالَ قَبْلَ ذَلِكَ : الدَّانِقُ سُدُسُ الدِّرْهَمِ . فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْقِيرَاطُ جُزْءًا مِنَ اثْنَيْ عَشَرَ جُزْءًا مِنَ الدِّرْهَمِ . وَأَمَّا صَاحِبُ النِّهَايَةِ فَقَالَ : الْقِيرَاطُ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ الدِّينَارِ ، وَهُوَ نِصْفُ عُشْرِهِ فِي أَكْثَرِ الْبِلَادِ ، وَفِي الشَّامِ جُزْءٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا ، وَنَقَلَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ ، عَنِ ابْنِ عُقَيْلٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : الْقِيرَاطُ نِصْفُ سُدُسِ دِرْهَمٍ ، أَوْ نِصْفُ عُشْرِ دِينَارٍ . وَالْإِشَارَةُ بِهَذَا الْمِقْدَارِ إِلَى الْأَجْرِ الْمُتَعَلِّقِ بِالْمَيِّتِ فِي تَجْهِيزِهِ وَغُسْلِهِ وَجَمِيعِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ ، فَلِلْمُصَلِّي عَلَيْهِ قِيرَاطٌ مِنْ ذَلِكَ ، وَلِمَنْ شَهِدَ الدَّفْنَ قِيرَاطٌ . وَذَكَرَ الْقِيرَاطَ تَقْرِيبًا لِلْفَهْمِ لَمَّا كَانَ الْإِنْسَانُ يَعْرِفُ الْقِيرَاطَ وَيَعْمَلُ الْعَمَلَ فِي مُقَابَلَتِهِ ، وُعِدَ مِنْ جِنْسِ مَا يَعْرِفُ ، وَضَرَبَ لَهُ الْمَثَلَ بِمَا يَعْلَمُ . انْتَهَى . وَلَيْسَ الَّذِي قَالَ بِبَعِيدٍ ، وَقَدْ رَوَى البَزَّارُ مِنْ طَرِيقِ عَجْلَانَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرةَ مَرْفُوعًا : مَنْ أَتَى جِنَازَةً فِي أَهْلِهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ ، فَإِنْ تَبِعَهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ ، فَإِنْ صَلَّى عَلَيْهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ ، فَإِنِ انْتَظَرَهَا حَتَّى تُدْفَنَ فَلَهُ قِيرَاطٌ . فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ الْجِنَازَةِ قِيرَاطًا ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ مَقَادِيرُ الْقَرَارِيطِ ، وَلَا سِيَّمَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَشَقَّةِ ذَلِكَ الْعَمَلِ وَسُهُولَتِهِ ، وَعَلَى هَذَا فَيُقَالُ : إِنَّمَا خَصَّ قِيرَاطَيِ الصَّلَاةِ وَالدَّفْنِ بِالذِّكْرِ لِكَوْنِهِمَا الْمَقْصُودَيْنِ ، بِخِلَافِ بَاقِي أَحْوَالِ الْمَيِّتِ ، فَإِنَّهَا وَسَائِلُ ، وَلَكِنَّ هَذَا يُخَالِفُ ظَاهِرَ سِيَاقِ الْحَدِيثِ الَّذِي فِي الصَّحِيحِ الْمُتَقَدِّمِ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ ، فَإِنَّ فِيهِ : إِنَّ لِمَنْ تَبِعَهَا حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا ، وَيُفْرَغَ مِنْ دَفْنِهَا قِيرَاطَيْنِ . فَقَطْ ، وَيُجَابُ عَنْ هَذَا بِأَنَّ الْقِيرَاطَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ لِمَنْ شَهِدَ ، وَالَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ عُقَيْلٍ لِمَنْ بَاشَرَ الْأَعْمَالَ الَّتِي يَحْتَاجُ إِلَيْهَا الْمَيِّتُ فَافْتَرَقَا ، وَقَدْ وَرَدَ لَفْظُ الْقِيرَاطِ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ : فَمِنْهَا مَا يُحْمَلُ عَلَى الْقِيرَاطِ الْمُتَعَارَفِ ، وَمِنْهَا مَا يُحْمَلُ عَلَى الْجُزْءِ فِي الْجُمْلَةِ ، وَإِنْ لَمْ تُعْرَفِ النِّسْبَةُ . فَمِنَ الْأَوَّلِ حَدِيثُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ مَرْفُوعًا : إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ بَلَدًا يُذْكَرُ فِيهَا الْقِيرَاطُ . وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا : كُنْتُ أَرْعَى غَنَمًا لِأَهْلِ مَكَّةَ بِالْقَرَارِيطِ . قَالَ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ : يَعْنِي كُلَّ شَاةٍ بِقِيرَاطٍ . وَقَالَ غَيْرُهُ : قَرَارِيطُ جَبَلٍ بِمَكَّةَ . وَمِنَ الْمُحْتَمَلِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي الَّذِينَ أُوتُوا التَّوْرَاةَ : أُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا . وَحَدِيثُ الْبَابِ ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ : مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ . وَقَدْ جَاءَ تَعْيِينُ مِقْدَارِ الْقِيرَاطِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ بِأَنَّهُ مِثْلُ أُحُدٍ كَمَا سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ ، وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَالطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ : قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مِثْلُ قَرَارِيطِنَا هَذِهِ ؟ قَالَ : لَا ، بَلْ مِثْلُ أُحُدٍ . قَالَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ : لَا يَلْزَمُ مِنْ ذِكْرِ الْقِيرَاطِ فِي الْحَدِيثَيْنِ تَسَاوِيهِمَا ، لِأَنَّ عَادَةَ الشَّارِعِ تَعْظِيمُ الْحَسَنَاتِ وَتَخْفِيفُ مُقَابِلِهَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ الْقَاضِي : الذَّرَّةُ جُزْءٌ مِنَ أَلْفٍ وَأَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنْ حَبَّةٍ ، وَالْحَبَّةُ ثُلُثُ الْقِيرَاطِ ، فَإِذَا كَانَتِ الذَّرَّةُ تُخْرِجُ مِنَ النَّارِ فَكَيْفَ بِالْقِيرَاطِ ؟ قَالَ : وَهَذَا قَدْرُ قِيرَاطِ الْحَسَنَاتِ ، فَأَمَّا قِيرَاطُ السَّيِّئَاتِ فَلَا . وَقَالَ غَيْرُهُ : الْقِيرَاطُ فِي اقْتِنَاءِ الْكَلْبِ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ عَمَلِ الْمُقْتَنَى لَهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ ، وَذَهَبَ الْأَكْثَرُ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقِيرَاطِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءٍ مَعْلُومَةٍ عِنْدَ اللَّهِ ، وَقَدْ قَرَّبَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْفَهْمِ بِتَمْثِيلِهِ الْقِيرَاطَ بِأُحُدٍ ، قَالَ الطِّيبِيُّ : قَوْلُهُ مِثْلُ أُحُدٍ تَفْسِيرٌ لِلْمَقْصُودِ مِنَ الْكَلَامِ لَا لِلَفْظِ الْقِيرَاطِ ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ أَنَّهُ يَرْجِعُ بِنَصِيبٍ كَبِيرٍ مِنَ الْأَجْرِ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ لَفْظَ الْقِيرَاطِ مُبْهَمٌ مِنْ وَجْهَيْنِ ، فَبَيَّنَ الْمَوْزُونَ بِقَوْلِهِ : مِنَ الْأَجْرِ . وَبَيَّنَ الْمِقْدَارَ الْمُرَادَ مِنْهُ بِقَوْلِهِ : مِثْلُ أُحُدٍ . وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : أَرَادَ تَعْظِيمَ الثَّوَابِ فَمَثَّلَهُ لِلْعِيَانِ بِأَعْظَمِ الْجِبَالِ خَلْقًا ، وَأَكْثَرِهَا إِلَى النُّفُوسِ الْمُؤْمِنَةِ حُبًّا ، لِأَنَّهُ الَّذِي قَالَ فِي حَقِّهِ : إِنَّهُ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ . انْتَهَى . وَلِأَنَّهُ أَيْضًا قَرِيبٌ مِنَ الْمُخَاطَبِينَ يَشْتَرِكُ أَكْثَرُهُمْ فِي مَعْرِفَتِهِ ، وَخُصَّ الْقِيرَاطَ بِالذِّكْرِ ، لِأَنَّهُ كَانَ أَقَلَّ مَا تَقَعُ بِهِ الْإِجَارَةُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ ، أَوْ جَرَى ذَلِكَ مَجْرَى الْعَادَةِ مِنْ تَقْلِيلِ الْأَجْرِ بِتَقْلِيلِ الْعَمَلِ . وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ : مَنْ تَبِعَ عَلَى أَنَّ الْمَشْيَ خَلْفَ الْجِنَازَةِ أَفْضَلُ مِنَ الْمَشْيِ أَمَامَهَا ، لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ حَقِيقَةُ الِاتِّبَاعِ حِسًّا . قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : الَّذِينَ رَجَّحُوا الْمَشْيَ أَمَامَهَا حَمَلُوا الِاتِّبَاعَ هُنَا عَلَى الِاتِّبَاعِ الْمَعْنَوِيِّ أَيِ الْمُصَاحَبَةِ ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَمَامَهَا أَوْ خَلْفَهَا ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ ، وَهَذَا مَجَازٌ يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يَكُونَ الدَّلِيلُ الدَّالُّ عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّقَدُّمِ رَاجِحًا . انْتَهَى . وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى ذَلِكَ فِي بَابِ السُّرْعَةِ بِالْجِنَازَةِ وَذَكَرْنَا اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ بِمَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَتِهِ . قَوْلُهُ : ( أَكْثَرَ عَلَيْنَا أَبُو هُرَيْرَةَ ) قَالَ ابْنُ التِّينِ : لَمْ يَتَّهِمْهُ ابْنُ عُمَرَ ، بَلْ خَشِيَ عَلَيْهِ السَّهْوَ ، أَوْ قَالَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ لَمْ يُنْقَلْ لَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ رَفَعَهُ ، فَظَنَّ أَنَّهُ قَالَ بِرَأْيِهِ فَاسْتَنْكَرَهُ . انْتَهَى . وَالثَّانِي جُمُودٌ عَلَى سِيَاقِ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ رَفَعَهُ ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ خَبَّابٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَيْضًا . وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ : قَوْلُهُ أَكْثَرَ عَلَيْنَا أَيْ فِي ذِكْرِ الْأَجْرِ ، أَوْ فِي كَثْرَةِ الْحَدِيثِ ، كَأَنَّهُ خَشِيَ لِكَثْرَةِ رِوَايَاتِهِ أَنْ يَشْتَبِهَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْأَمْرِ . انْتَهَى . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ : فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ عُمَرَ فَتَعَاظَمَهُ . وَفِي رِوَايَةِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عِنْدَ سَعِيدٍ أَيْضًا وَمُسَدَّدٍ ، وَأَحْمَدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ : فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ انْظُرْ مَا تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَوْلُهُ : ( فَصَدَّقَتْ - يَعْنِي عَائِشَةَ - أَبَا هُرَيْرَةَ ) لَفْظُ يَعْنِي لِلْبُخَارِيِّ ، كَأَنَّهُ شَكَّ فَاسْتَعْمَلَهَا . وَقَدْ رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي النُّعْمَانِ شَيْخِهِ ، فَلَمْ يَقُلْهَا . وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : فَبَعَثَ ابْنُ عُمَرَ إِلَى عَائِشَةَ يَسْأَلَهَا ، فَصَدَّقَتْ أَبَا هُرَيْرَةَ . وَفِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ فَذُكِرَ ذَلِكَ لِابْنِ عُمَرَ ، فَأَرْسَلَ إِلَى عَائِشَةَ فَسَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَتْ : صَدَقَ وَفِي رِوَايَةِ خَبَّابٍ صَاحِبِ الْمَقْصُورَةِ عِنْدَ مُسْلِمٍ . فَأَرْسَلَ ابْنُ عُمَرَ ، خَبَّابًا إِلَى عَائِشَةَ يَسْأَلَهَا عَنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، ثُمَّ يَرْجِعَ إِلَيْهِ فَيُخْبِرَهُ بِمَا قَالَتْ ، حَتَّى رَجَعَ إِلَيْهِ الرَّسُولُ ، فَقَالَ : قَالَتْ عَائِشَةُ صَدَقَ أَبُو هُرَيْرَةَ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ : فَقَامَ أَبُو هُرَيْرَةَ ، فَأَخَذَ بِيَدِهِ فَانْطَلَقَا حَتَّى أَتَيَا عَائِشَةَ ، فَقَالَ لَهَا : يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ، أَنْشُدُكِ اللَّهَ أَسَمِعْتِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فَذَكَرَهُ . فَقَالَتْ : اللَّهُمَّ نَعَمْ . وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الرَّسُولَ لَمَّا رَجَعَ إِلَى ابْنِ عُمَرَ بِخَبَرِ عَائِشَةَ بَلَغَ ذَلِكَ أَبَا هُرَيْرَةَ ، فَمَشَى إِلَى ابْنِ عُمَرَ ، فَأَسْمَعَهُ ذَلِكَ مِنْ عَائِشَةَ مُشَافَهَةً ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ الْوَلِيدِ : فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : لَمْ يَشْغَلْنِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَرْسُ الْوَدِيِّ ، وَلَا صَفْقٌ بِالْأَسْوَاقِ ، وَإِنَّمَا كُنْتُ أَطْلُبُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْلَةً يُطْعِمنِيهَا أَوْ كَلِمَةً يُعَلِّمْنِيهَا . قَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ : كُنْتَ أَلْزَمَنَا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَعْلَمَنَا بِحَدِيثِهِ . قَوْلُهُ : ( لَقَدْ فَرَّطْنَا فِي قَرَارِيطَ كَثِيرَةٍ ) أَيْ مِنْ عَدَمِ الْمُوَاظَبَةِ عَلَى حُضُورِ الدَّفْنِ ، بَيَّنَ ذَلِكَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، قَالَ : كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي عَلَى الْجِنَازَةِ ثُمَّ يَنْصَرِفُ ، فَلَمَّا بَلَغَهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ فَذَكَرَهُ . وَفِي هَذِهِ الْقِصَّةِ دَلَالَةٌ عَلَى تَمَيُّزِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْحِفْظِ ، وَأَنَّ إِنْكَارَ الْعُلَمَاءِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ قَدِيمٌ ، وَفِيهِ اسْتِغْرَابُ الْعَالِمِ مَا لَمْ يَصِلْ إِلَى عِلْمِهِ ، وَعَدَمُ مُبَالَاةِ الْحَافِظِ بِإِنْكَارِ مَنْ لَمْ يَحْفَظْ ، وَفِيهِ مَا كَانَ الصَّحَابَةُ عَلَيْهِ مِنَ التَّثَبُّتِ فِي الْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ ، وَالتَّحَرُّزِ فِيهِ وَالتَّنْقِيبِ عَلَيْهِ ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى فَضِيلَةِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ حِرْصِهِ عَلَى الْعِلْمِ ، وَتَأَسُّفِهِ عَلَى مَا فَاتَهُ مِنَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ . قَوْلُهُ : ( فَرَّطْتَ : ضَيَّعْتَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ) كَذَا فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ : فَرَّطْتَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ أَيْ ضَيَّعْتَ . وَهُوَ أَشْبَهُ . وَهَذِهِ عَادَةُ الْمُصَنِّفِ إِذَا أَرَادَ تَفْسِيرَ كَلِمَةٍ غَرِيبَةٍ مِنَ الْحَدِيثِ وَوَافَقَتْ كَلِمَةً مِنَ الْقُرْآنِ فَسَّرَ الْكَلِمَةَ الَّتِي مِنَ الْقُرْآنِ ، وَقَدْ وَرَدَ فِي رِوَايَةِ سَالِمٍ الْمَذْكُورَةِ بِلَفْظِ : لَقَدْ ضَيَّعْنَا قَرَارِيطَ كَثِيرَةً . ( تَكْمِلَةٌ ) : وَقَعَ لِي حَدِيثُ الْبَابِ مِنْ رِوَايَةِ عَشَرَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ غَيْرِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَعَائِشَةَ : مِنْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ عِنْدَ مُسْلِمٍ . وَالْبَرَاءِ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ . وَأَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ أَحْمَدَ . وَابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ ، وَأَسَانِيدُ هَؤُلَاءِ الْخَمْسَةِ صِحَاحٌ ، وَمِنْ حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ . وَابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ فِي الشُّعَبِ . وَأَنَسٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ . وَوَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ عِنْدَ ابْنِ عَدِيٍّ . وَحَفْصَةَ عِنْدَ حُمَيْدِ بْنِ زَنْجَوَيْهِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ ، وَفِي كُلٍّ مِنْ أَسَانِيدِ هَؤُلَاءِ الْخَمْسَةِ ضَعْفٌ . وَسَأُشِيرُ إِلَى مَا فِيهَا مِنْ فَائِدَةٍ زَائِدَةٍ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْحَدِيثِ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِي هَذَا .
المصدر: فتح الباري شرح صحيح البخاري
المصدر الرسمي: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-34/h/346939
© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة