بَاب مَا يُكْرَهُ مِنْ اتِّخَاذِ الْمَسَاجِدِ عَلَى الْقُبُور
بَاب مَا يُكْرَهُ مِنْ اتِّخَاذِ الْمَسَاجِدِ عَلَى الْقُبُورِ وَلَمَّا مَاتَ الْحَسَنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، ضَرَبَتْ امْرَأَتُهُ الْقُبَّةَ عَلَى قَبْرِهِ سَنَةً ، ثُمَّ رُفِعَتْ ، فَسَمِعُوا صَائِحًا يَقُولُ : أَلَا هَلْ وَجَدُوا مَا فَقَدُوا ؟ فَأَجَابَهُ الْآخَرُ : بَلْ يَئِسُوا فَانْقَلَبُوا . 1330 - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ، عَنْ شَيْبَانَ ، عَنْ هِلَالٍ - هُوَ الْوَزَّانُ - ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ : لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى ؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسْجِدًا . قَالَتْ : وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأَبْرَزُوا قَبْرَهُ ، غَيْرَ أَنِّي أَخْشَى أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا .
قَوْلُهُ : ( بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ اتِّخَاذِ الْمَسَاجِدِ عَلَى الْقُبُورِ ) تَرْجَمَ بَعْدَ ثَمَانِيَةِ أَبْوَابٍ : بَابُ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ عَلَى الْقَبْرِ . قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ : الِاتِّخَاذُ أَعَمُّ مِنَ الْبِنَاءِ ، فَلِذَلِكَ أَفْرَدَهُ بِالتَّرْجَمَةِ ، وَلَفْظُهَا يَقْتَضِي أَنَّ بَعْضَ الِاتِّخَاذِ لَا يُكْرَهُ ، فَكَأَنَّهُ يَفْصِلُ بَيْنَ مَا إِذَا تَرَتَّبَتْ عَلَى الِاتِّخَاذِ مَفْسَدَةٌ أَوْ لَا . قَوْلُهُ : ( وَلَمَّا مَاتَ الْحَسَنُ بْنُ الْحَسَنِ ) هُوَ مِمَّنْ وَافَقَ اسْمُهُ اسْمَ أَبِيهِ ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ سَنَةَ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ ، وَهُوَ مِنْ ثِقَاتِ التَّابِعِينَ ، وَرَوَى لَهُ النَّسَائِيُّ ، وَلَهُ وَلَدٌ يُسَمَّى الْحَسَنُ أَيْضًا ، فَهُمْ ثَلَاثَةٌ فِي نَسَقٍ ، وَاسْمُ امْرَأَتِهِ الْمَذْكُورَةِ فَاطِمَةُ بِنْتُ الْحُسَيْنِ وَهِيَ ابْنَةُ عَمِّهِ .
قَوْلُهُ : ( الْقُبَّةُ ) أَيِ الْخَيْمَةُ ، فَقَدْ جَاءَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ بِلَفْظِ الْفُسْطَاطِ ، كَمَا رَوَيْنَاهُ فِي الْجُزْءِ السَّادِسِ عَشَرَ مِنْ حَدِيثِ الْحُسَيْنِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَحَامِلِيِّ رِوَايَةَ الْأَصْبَهَانِيِّينَ عَنْهُ ، وَفِي كِتَابِ ابْنِ أَبِي الدُّنْيَا فِي الْقُبُورِ مِنْ طَرِيقِ الْمُغِيرَةِ بْنِ مِقْسَمٍ قَالَ : لَمَّا مَاتَ الْحَسَنُ بْنُ الْحَسَنِ ضَرَبَتِ امْرَأَتُهُ عَلَى قَبْرِهِ فُسْطَاطًا ، فَأَقَامَتْ عَلَيْهِ سَنَةً . فَذَكَرَ نَحْوَهُ . وَمُنَاسَبَةُ هَذَا الْأَثَرِ لِحَدِيثِ الْبَابِ أَنَّ الْمُقِيمَ فِي الْفُسْطَاطِ لَا يَخْلُو مِنَ الصَّلَاةِ هُنَاكَ ، فَيَلْزَمُ اتِّخَاذُ الْمَسْجِدِ عِنْدَ الْقَبْرِ ، وَقَدْ يَكُونُ الْقَبْرُ فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ ، فَتَزْدَادُ الْكَرَاهَةُ .
وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : إِنَّمَا ضُرِبَتِ الْخَيْمَةُ هُنَاكَ لِلِاسْتِمْتَاعِ بِالْمَيِّتِ بِالْقُرْبِ مِنْهُ تَعْلِيلًا لِلنَّفْسِ ، وَتَخْيِيلًا بِاسْتِصْحَابِ الْمَأْلُوفِ مِنَ الْأُنْسِ ، وَمُكَابَرَةً لِلْحِسِّ ، كَمَا يَتَعَلَّلُ بِالْوُقُوفِ عَلَى الْأَطْلَالِ الْبَالِيَةِ ، وَمُخَاطَبَةِ الْمَنَازِلِ الْخَالِيَةِ ، فَجَاءَتْهُمُ الْمَوْعِظَةُ عَلَى لِسَانِ الْهَاتِفِينَ بِتَقْبِيحِ مَا صَنَعُوا ، وَكَأَنَّهُمَا مِنَ الْمَلَائِكَةِ ، أَوْ مِنْ مُؤْمِنِي الْجِنِّ . وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ لِمُوَافَقَتِهِ لِلْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ ، لَا لِأَنَّهُ دَلِيلٌ بِرَأْسِهِ . قَوْلُهُ : ( عَنْ شَيْبَانَ ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّحْوِيُّ ، وَهِلَالُ الْوَزَّانِ هُوَ ابْنُ أَبِي حُمَيْدٍ عَلَى الْمَشْهُورِ ، وَكَذَا وَقَعَ مَنْسُوبًا عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ وَغَيْرِهِمَا .
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ : قَالَ وَكِيعٌ : هِلَالُ بْنُ حُمَيْدٍ ، وَقَالَ مَرَّةً : هِلَالُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَلَا يَصِحُّ . قَوْلُهُ : ( مَسْجِدًا ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ مَسَاجِدَ . قَوْلُهُ : ( لَأُبْرِزَ قَبْرُهُ ) أَيْ لَكُشِفَ قَبْرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَمْ يُتَّخَذْ عَلَيْهِ الْحَائِلُ ، وَالْمُرَادُ الدَّفْنُ خَارِجَ بَيْتِهِ ، وَهَذَا قَالَتْهُ عَائِشَةُ قَبْلَ أَنْ يُوَسَّعَ الْمَسْجِدُ النَّبَوِيُّ ، وَلِهَذَا لَمَّا وُسِّعَ الْمَسْجِدُ جُعِلَتْ حُجْرَتُهَا مُثَلَّثَةَ الشَّكْلِ مُحَدَّدَةً ، حَتَّى لَا يَتَأَتَّى لِأَحَدٍ أَنْ يُصَلِّيَ إِلَى جِهَةِ الْقَبْرِ مَعَ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ .
قَوْلُهُ : ( غَيْرَ أَنِّي أَخْشَى ) كَذَا هُنَا ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ عَنْ هِلَالٍ الْآتِيَةِ فِي أَوَاخِرِ الْجَنَائِزِ : غَيْرَ أَنَّهُ خَشِيَ أَوْ خُشِيَ . عَلَى الشَّكِّ : هَلْ هُوَ بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ ، أَوْ ضَمِّهَا ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : غَيْرَ أَنَّهُ خُشِيَ . بِالضَّمِّ لَا غَيْرَ ، فَرِوَايَةُ الْبَابِ تَقْتَضِي أَنَّهَا هِيَ الَّتِي امْتَنَعَتْ مِنْ إِبْرَازِهِ ، وَرِوَايَةُ الضَّمِّ مُبْهَمَةٌ ، يُمْكِنُ أَنْ تُفَسَّرَ بِهَذِهِ ، وَالْهَاءُ ضَمِيرُ الشَّأْنِ ، وَكَأَنَّهَا أَرَادَتْ نَفْسَهَا وَمَنْ وَافَقَهَا عَلَى ذَلِكَ ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّهُمْ فَعَلُوهُ بِاجْتِهَادٍ ، بِخِلَافِ رِوَايَةِ الْفَتْحِ ، فَإِنَّهَا تَقْتَضِي أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الَّذِي أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى بَقِيَّةِ فَوَائِدِ الْمَتْنِ فِي أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ فِي بَابِ هَلْ تُنْبَشُ قُبُورُ الْمُشْرِكِينَ .
قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : مُفَادُ الْحَدِيثِ مَنْعُ اتِّخَاذِ الْقَبْرِ مَسْجِدًا ، وَمَدْلُولُ التَّرْجَمَةِ اتِّخَاذُ الْمَسْجِدِ عَلَى الْقَبْرِ ، وَمَفْهُومُهُمَا مُتَغَايِرٌ ، وَيُجَابُ بِأَنَّهُمَا مُتَلَازِمَانِ ، وَإِنْ تَغَايَرَ الْمَفْهُومُ .