بَاب الصَّلَاةِ عَلَى الشَّهِيد
بَاب الصَّلَاةِ عَلَى الشَّهِيدِ 1343 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ، ثُمَّ يَقُولُ : أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ ؟ فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا ، قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ ، وَقَالَ : أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ فِي دِمَائِهِمْ ، وَلَمْ يُغَسَّلُوا ، وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ . قَوْلُهُ : ( بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى الشُّهَدَاءِ ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : أَرَادَ بَابَ حُكْمِ الصَّلَاةِ عَلَى الشَّهِيدِ ، وَلِذَلِكَ أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ جَابِرٍ الدَّالِّ عَلَى نَفْيِهَا ، وَحَدِيثِ عُقْبَةَ الدَّالِّ عَلَى إِثْبَاتِهَا قَالَ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بَابَ مَشْرُوعِيَّةِ الصَّلَاةِ عَلَى الشَّهِيدِ فِي قَبْرِهِ لَا قَبْلَ دَفْنِهِ عَمَلًا بِظَاهِرِ الْحَدِيثَيْنِ ، قَالَ : وَالْمُرَادُ بِالشَّهِيدِ قَتِيلُ الْمَعْرَكَةِ فِي حَرْبِ الْكُفَّارِ . انْتَهَى .
وَكَذَا الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ بَعْدُ مَنْ لَمْ يَرَ غُسْلَ الشَّهِيدِ وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا حُرًّا أَوْ عَبْدًا صَالِحًا أَوْ غَيْرَ صَالِحٍ . وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ : الْمَعْرَكَةِ مَنْ جُرِحَ فِي الْقِتَالِ وَعَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ حَيَاةً مُسْتَقِرَّةً ، وَخَرَجَ بِحَرْبِ الْكُفَّارِ مَنْ مَاتَ بِقِتَالِ الْمُسْلِمِينَ كَأَهْلِ الْبَغْيِ ، وَخَرَجَ بِجَمِيعِ ذَلِكَ مَنْ سُمِّيَ شَهِيدًا بِسَبَبٍ غَيْرِ السَّبَبِ الْمَذْكُورِ ، وَإِنَّمَا يُقَالُ لَهُ شَهِيدٌ بِمَعْنَى ثَوَابِ الْآخِرَةِ ، وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ . وَالْخِلَافُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى قَتِيلِ مَعْرَكَةِ الْكُفَّارِ مَشْهُورٌ ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ : قَالَ بَعْضُهُمْ : يُصَلَّى عَلَى الشَّهِيدِ ، وَهُوَ قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ وَإِسْحَاقَ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ .
وَهُوَ قَوْلُ الْمَدَنِيِّينَ وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ : جَاءَتِ الْأَخْبَارُ كَأَنَّهَا عِيَانٌ مِنْ وُجُوهٍ مُتَوَاتِرَةٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُصَلِّ عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ ، وَمَا رُوِيَ أَنَّهُ صَلَّى عَلَيْهِمْ وَكَبَّرَ عَلَى حَمْزَةَ سَبْعِينَ تَكْبِيرَةً لَا يَصِحُّ . وَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي لِمَنْ عَارَضَ بِذَلِكَ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ أَنْ يَسْتَحْيِيَ عَلَى نَفْسِهِ .
قَالَ : وَأَمَّا حَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ، فَقَدْ وَقَعَ فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ ثَمَانِ سِنِينَ ، يَعْنِي وَالْمُخَالِفُ يَقُولُ : لَا يُصَلَّى عَلَى الْقَبْرِ إِذَا طَالَتِ الْمُدَّةُ . قَالَ : وَكَأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا لَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ حِينَ عَلِمَ قُرْبَ أَجَلِهِ مُوَدِّعًا لَهُمْ بِذَلِكَ ، وَلَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى نَسْخِ الْحُكْمِ الثَّابِتِ . انْتَهَى .
وَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ مِنَ الْمُدَّةِ وَالتَّوْدِيعِ قَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا كَمَا سَنُنَبِّهُ عَلَيْهِ بَعْدَ هَذَا . ثُمَّ إِنَّ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ فِي مَنْعِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ عَلَى الْأَصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ ، وَفِي وَجْهِ أَنَّ الْخِلَافَ فِي الِاسْتِحْبَابِ وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنِ الْحَنَابِلَةِ ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ أَحْمَدَ : الصَّلَاةُ عَلَى الشَّهِيدِ أَجْوَدُ ، وَإِنْ لَمْ يُصَلُّوا عَلَيْهِ أَجْزَأَ . قَوْلُهُ : ( عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ جَابِرٍ ) كَذَا يَقُولُ اللَّيْثُ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، قَالَ النَّسَائِيُّ : لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ ثِقَاتِ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ تَابَعَ اللَّيْثَ عَلَى ذَلِكَ .
ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ مُخْتَصَرًا ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ ، وَعَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ . وَعَبْدُ اللَّهِ لَهُ رُؤْيَةٌ ، فَحَدِيثُهُ مِنْ حَيْثُ السَّمَاعِ مُرْسَلٌ ، وَقَدْ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، فَزَادَ فِيهِ جَابِرًا ، وَهُوَ مِمَّا يُقَوِّي اخْتِيَارَ الْبُخَارِيِّ ، فَإِنَّ ابْنَ شِهَابٍ صَاحِبُ حَدِيثٍ ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ عِنْدَهُ عَنْ شَيْخَيْنِ ، وَلَا سِيَّمَا أَنَّ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبٍ مَا لَيْسَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ . وَعَلِيُّ بْنُ شِهَابٍ فِيهِ اخْتِلَافٌ آخَرُ ، رَوَاهُ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ اللَّيْثِيُّ عَنْهُ ، عَنْ أَنَسٍ ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ .
وَأُسَامَةُ سَيِّئُ الْحِفْظِ ، وَقَدْ حَكَى التِّرْمِذِيُّ فِي الْعِلَلِ عَنِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ أُسَامَةَ غَلِطَ فِي إِسْنَادِهِ . وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْأَنْصَارِيِّ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فَقَالَ : عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبٍ عَنْ أَبِيهِ . وَابْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ضَعِيفٌ ، وَقَدْ أَخْطَأَ فِي قَوْلِهِ : عَنْ أَبِيهِ .
وَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِيهِ اخْتِلَافًا آخَرَ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ بَابَيْنِ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ يَقُولُ : أَيُّهُمَا ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ أَيُّهُمْ . قَوْلُهُ : ( وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ ) هُوَ مَضْبُوطٌ فِي رِوَايَتِنَا بِفَتْحِ اللَّامِ ، وَهُوَ اللَّائِقُ بِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ : وَلَمْ يُغَسَّلُوا وَسَيَأْتِي بَعْدَ بَابَيْنِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ اللَّيْثِ بِلَفْظِ : وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ ، وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ وَهَذِهِ بِكَسْرِ اللَّامِ ، وَالْمَعْنَى : وَلَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ وَلَا بِأَمْرِهِ .
وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ هَذَا مَبَاحِثُ كَثِيرَةٌ يَأْتِي اسْتِيفَاؤُهَا فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ مِنَ الْمَغَازِي ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَفِيهِ جَوَازُ تَكْفِينِ الرَّجُلَيْنِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ، لِأَجْلِ الضَّرُورَةِ ، إِمَّا بِجَمْعِهِمَا فِيهِ ، وَإِمَّا بِقَطْعِهِ بَيْنَهُمَا ، وَعَلَى جَوَازِ دَفْنِ اثْنَيْنِ فِي لَحْدٍ ، وَعَلَى اسْتِحْبَابِ تَقْدِيمِ أَفْضَلِهِمَا لِدَاخِلِ اللَّحْدِ ، وَعَلَى أَنَّ شَهِيدَ الْمَعْرَكَةِ لَا يُغَسَّلُ ، وَقَدْ تَرْجَمَ الْمُصَنِّفُ لِجَمِيعِ ذَلِكَ . ( تَنْبِيهٌ ) : وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أُسَامَةَ الْمَذْكُورَةِ : لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ كَمَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ، وَالْحَاكِمِ : وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ غَيْرِهِ .
يَعْنِي حَمْزَةَ ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : هَذِهِ اللَّفْظَةُ غَيْرُ مَحْفُوظَةٍ - يَعْنِي عَنْ أُسَامَةَ - وَالصَّوَابُ الرِّوَايَةُ الْمُوَافِقَةُ لِحَدِيثِ اللَّيْثِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .