حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب الصَّلَاةِ عَلَى الشَّهِيد

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ يَوْمًا ، فَصَلَّى عَلَى أَهْلِ أُحُدٍ صَلَاتَهُ عَلَى الْمَيِّتِ ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمِنْبَرِ ، فَقَالَ : إِنِّي فَرَطٌ لَكُمْ ، وَأَنَا شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ ، وَإِنِّي - وَاللَّهِ - لَأَنْظُرُ إِلَى حَوْضِي الْآنَ ، وَإِنِّي أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الْأَرْضِ - أَوْ مَفَاتِيحَ الْأَرْضِ - وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِي ، وَلَكِنْ أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنَافَسُوا فِيهَا . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي الْخَيْرِ ) هُوَ الْيَزَنِيُّ ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ ، وَهَذَا مَعْدُودٌ مِنْ أَصَحِّ الْأَسَانِيدِ . قَوْلُهُ : ( صَلَاتَهُ ) بِالنَّصْبِ ؛ أَيْ مِثْلَ صَلَاتِهِ .

زَادَ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ مِنْ طَرِيقِ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ ، عَنْ يَزِيدَ : بَعْدَ ثَمَانِ سِنِينَ كَالْمُوَدِّعِ لِلْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ . وَزَادَ فِيهِ : فَكَانَتْ آخِرَ نَظْرَةٍ نَظَرْتُهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى الزِّيَادَةِ هُنَاكَ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .

وَكَانَتْ أُحُدٌ فِي شَوَّالِ سَنَةَ ثَلَاثٍ ، وَمَاتَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ ، فَعَلَى هَذَا فَفِي قَوْلِهِ : بَعْدَ ثَمَانِ سِنِينَ . تَجُوزُ عَلَى طَرِيقِ جَبْرِ الْكَسْرِ ، وإِلَّا فَهِيَ سَبْعُ سِنِينَ وَدُونَ النِّصْفِ . وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الصَّلَاةِ عَلَى الشُّهَدَاءِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ جَوَابُ الشَّافِعِيِّ عَنْهُ بِمَا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ .

وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ : مَعْنَى صَلَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ لَا يَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةِ مَعَانٍ : إِمَّا أَنْ يَكُونَ نَاسِخًا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ تَرْكِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ . أَوْ يَكُونَ مِنْ سُنَّتِهِمْ أَنْ لَا يُصَلِّي عَلَيْهِمْ إِلَّا بَعْدَ هَذِهِ الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ . أَوْ تَكُونَ الصَّلَاةُ عَلَيْهِمْ جَائِزَةٌ بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ فَإِنَّهَا وَاجِبَةٌ .

وَأَيُّهَا كَانَ ، فَقَدْ ثَبَتَ بِصَلَاتِهِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ عَلَى الشُّهَدَاءِ . ثُمَّ كَأَنَّ الْكَلَامَ بَيْنَ الْمُخْتَلِفِينَ فِي عَصْرِنَا إِنَّمَا هُوَ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ قَبْلَ دَفْنِهِمْ ، وَإِذَا ثَبَتَتِ الصَّلَاةُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ الدَّفْنِ كَانَتْ قَبْلَ الدَّفْنِ أَوْلَى . انْتَهَى .

وَغَالِبُ مَا ذَكَرَهُ بِصَدَدِ الْمَنْعِ - لَا سِيَّمَا فِي دَعْوَى الْحَصْرِ - فَإِنَّ صَلَاتَهُ عَلَيْهِمْ تَحْتَمِلُ أُمُورًا أُخَرُ : مِنْهَا أَنْ تَكُونَ مِنْ خَصَائِصِهِ ، وَمِنْهَا أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى الدُّعَاءِ كَمَا تَقَدَّمَ . ثُمَّ هِيَ وَاقِعَةُ عَيْنٍ لَا عُمُومَ فِيهَا ، فَكَيْفَ يَنْتَهِضُ الِاحْتِجَاجُ بِهَا لِدَفْعِ حُكْمٍ قَدْ تَقَرَّرَ ؟ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِالِاحْتِمَالِ الثَّانِي الَّذِي ذَكَرَهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ النَّوَوِيُّ : الْمُرَادُ بِالصَّلَاةِ هُنَا الدُّعَاءُ ، وَأَمَّا كَوْنُهُ مِثْلَ الَّذِي عَلَى الْمَيِّتِ فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ دَعَا لَهُمْ بِمِثْلِ الدُّعَاءِ الَّذِي كَانَتْ عَادَتُهُ أَنْ يَدْعُوَ بِهِ لِلْمَوْتَى .

قَوْلُهُ : ( إِنِّي فَرَطٌ لَكُمْ ) أَيْ سَابِقُكُمْ ، وَقَوْلُهُ : ( وَإِنِّي وَاللَّهِ ) فِيهِ الْحَلِفُ لِتَأْكِيدِ الْخَبَرِ وَتَعْظِيمِهِ ، وَقَوْلُهُ : ( لَأَنْظُرَ إِلَى حَوْضِي ) هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ ، وَكَأَنَّهُ كُشِفَ لَهُ عَنْهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ . وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى الْحَوْضِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَكَذَا عَلَى الْمُنَافَسَةِ فِي الدُّنْيَا . قَوْلُهُ : ( مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا ) أَيْ عَلَى مَجْمُوعِكُمْ ، لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ وَقَعَ مِنَ الْبَعْضِ ، أَعَاذَنَا اللَّهُ تَعَالَى .

وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مُعْجِزَاتٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلِذَلِكَ أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ . كَمَا سَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ هُنَاكَ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث