حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب الْجَرِيدَةِ عَلَى الْقَبْر

بَاب الْجَرِيدَةِ عَلَى الْقَبْرِ . وَأَوْصَى بُرَيْدَةُ الْأَسْلَمِيُّ أَنْ يُجْعَلَ فِي قَبْرِهِ جَرِيدَتَانِ وَرَأَى ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فُسْطَاطًا عَلَى قَبْرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقَالَ : انْزِعْهُ يَا غُلَامُ ؛ فَإِنَّمَا يُظِلُّهُ عَمَلُهُ . وَقَالَ خَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ : رَأَيْتُنِي وَنَحْنُ شُبَّانٌ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَإِنَّ أَشَدَّنَا وَثْبَةً الَّذِي يَثِبُ قَبْرَ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ حَتَّى يُجَاوِزَهُ .

وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ : أَخَذَ بِيَدِي خَارِجَةُ ، فَأَجْلَسَنِي عَلَى قَبْرٍ ، وَأَخْبَرَنِي عَنْ عَمِّهِ يَزِيدَ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ : إِنَّمَا كُرِهَ ذَلِكَ لِمَنْ أَحْدَثَ عَلَيْهِ . وَقَالَ نَافِعٌ : كَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَجْلِسُ عَلَى الْقُبُورِ . 1361 - حَدَّثَنَا يَحْيَى ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ مَرَّ بِقَبْرَيْنِ يُعَذَّبَانِ ، فَقَالَ : إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ الْبَوْلِ ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ ، ثُمَّ أَخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً فَشَقَّهَا بِنِصْفَيْنِ ، ثُمَّ غَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً ، فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لِمَ صَنَعْتَ هَذَا ؟ فَقَالَ : لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا .

قَوْلُهُ : ( بَابُ الْجَرِيدَةِ عَلَى الْقَبْرِ ) أَيْ : وَضْعُهَا ، أَوْ غَرْزُهَا . قَوْلُهُ : ( وَأَوْصَى بُرَيْدَةُ الْأَسْلَمِيُّ ، إِلَخْ ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَكْثَرِ : فِي قَبْرِهِ . وَلِلْمُسْتَمْلِي : عَلَى قَبْرِهِ .

وَقَدْ وَصَلَهُ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ مُوَرِّقٍ الْعِجْلِيِّ ، قَالَ : أَوْصَى بُرَيْدَةُ أَنْ يُوضَعَ فِي قَبْرِهِ جَرِيدَتَانِ ، وَمَاتَ بِأَدْنَى خُرَاسَانَ . قَالَ ابْنُ الْمُرَابِطِ وَغَيْرُهُ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بُرَيْدَةُ أَمَرَ أَنْ يُغْرَزَا فِي ظَاهِرِ الْقَبْرِ اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَضْعِهِ الْجَرِيدَتَيْنِ فِي الْقَبْرَيْنِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَمَرَ أَنْ يُجْعَلَا فِي دَاخِلِ الْقَبْرِ ؛ لِمَا فِي النَّخْلَةِ مِنَ الْبَرَكَةِ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ ، وَيُؤَيِّدُهُ إِيرَادُ الْمُصَنِّفِ حَدِيثَ الْقَبْرَيْنِ فِي آخِرِ الْبَابِ ، وَكَأَنَّ بُرَيْدَةَ حَمَلَ الْحَدِيثَ عَلَى عُمُومِهِ ، وَلَمْ يَرَهُ خَاصًّا بِذَيْنِكَ الرَّجُلَيْنِ . قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ : وَيَظْهَرُ مِنْ تَصَرُّفِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِهِمَا .

فَلِذَلِكَ عَقَّبَهُ بِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ : إِنَّمَا يُظِلُّهُ عَمَلُهُ . قَوْلُهُ : ( وَرَأَى ابْنُ عُمَرَ فُسْطَاطًا عَلَى قَبْرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) الْفُسْطَاطُ بِضَمِّ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَبِطَاءَيْنِ مُهْمَلَتَيْنِ : هُوَ الْبَيْتُ مِنَ الشَّعْرِ ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى غَيْرِ الشَّعْرِ ، وَفِيهِ لُغَاتٌ أُخْرَى بِتَثْلِيثِ الْفَاءِ وبِالْمُثَنَّاتَيْنِ بَدَلَ الطَّاءَيْنِ ، وَإِبْدَالِ الطَّاءِ الْأُولَى مُثَنَّاةً ، وَإِدْغَامِهِمَا فِي السِّينِ وَكَسْرِ أَوَّلِهِ فِي الثَّلَاثَةِ . وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ هُوَ ابْنُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ، بَيَّنَهُ ابْنُ سَعْدٍ فِي رِوَايَتِهِ لَهُ مَوْصُولًا مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَسَارٍ ، قَالَ : مَرَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَلَى قَبْرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَخِي عَائِشَةَ ، وَعَلَيْهِ فُسْطَاطٌ مَضْرُوبٌ ، فَقَالَ : يَا غُلَامُ ، انْزِعْهُ ؛ فَإِنَّمَا يُظِلُّهُ عَمَلُهُ .

قَالَ الْغُلَامُ : تَضْرِبُنِي مَوْلَاتِي . قَالَ : كَلَّا . فَنَزَعَهُ .

وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَوْنٍ عَنْ رَجُلٍ . قَالَ : قَدِمَتْ عَائِشَةُ ذَا طُوًى حِينَ رَفَعُوا أَيْدِيَهُمْ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، فَأَمَرَتْ بِفُسْطَاطٍ فَضُرِبَ عَلَى قَبْرِهِ ، وَوَكَّلَتْ بِهِ إِنْسَانًا وَارْتَحَلَتْ ، فَقَدِمَ ابْنُ عُمَرَ . فَذَكَرَ نَحْوَهُ .

وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُ إِدْخَالِ هَذَا الْأَثَرِ تَحْتَ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ خَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ ) أَيِ : ابْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ أَحَدُ ثِقَاتِ التَّابِعِينَ ، وَهُوَ أَحَدُ السَّبْعَةِ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، إِلَخْ . وَصَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّارِيخِ الصَّغِيرِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ الْأَنْصَارِيُّ سَمِعْتُ خَارِجَةَ بْنَ زَيْدٍ .

فَذَكَرَهُ ، وَفِيهِ جَوَازُ تَعْلِيَةِ الْقَبْرِ وَرَفْعِهِ عَنْ وَجْهِ الْأَرْضِ ، وَقَوْلُهُ : رَأَيْتُنِي بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَالْفَاعِلُ وَالْمَفْعُولُ ضَمِيرَانِ لِشَيْءٍ وَاحِدٍ ، وَهُوَ مِنْ خَصَائِصِ أَفْعَالِ الْقُلُوبِ . وَمَظْعُونٌ وَالِدُ عُثْمَانَ بِظَاءٍ مُعْجَمَةٍ سَاكِنَةٍ ، ثُمَّ مُهْمَلَةٍ ، وَمُنَاسَبَتُهُ مِنْ وَجْهِ أَنَّ وَضْعَ الْجَرِيدِ عَلَى الْقَبْرِ يُرْشِدُ إِلَى جَوَازِ وَضْعِ مَا يَرْتَفِعُ بِهِ ظَهْرُ الْقَبْرِ عَنِ الْأَرْضِ ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي آخِرِ الْجَنَائِزِ . قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ : أَرَادَ الْبُخَارِيُّ أَنَّ الَّذِي يَنْفَعُ أَصْحَابَ الْقُبُورِ هِيَ الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ ، وَأَنَّ عُلُوَّ الْبِنَاءِ وَالْجُلُوسَ عَلَيْهِ وَغَيْرَ ذَلِكَ لَا يَضُرُّ بِصُورَتِهِ ، وَإِنَّمَا يَضُرُّ بِمَعْنَاهُ إِذَا تَكَلَّمَ الْقَاعِدُونَ عَلَيْهِ بِمَا يَضُرُّ مَثَلًا .

قَوْلُهُ : ( وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ : أَخَذَ بِيَدِي خَارِجَةُ ) أَيِ : ابْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ إِلَخْ . وَصَلَهُ مُسَدَّدٌ فِي مُسْنَدِهِ الْكَبِيرِ ، وَبَيَّنَ فِيهِ سَبَبَ إِخْبَارِ خَارِجَةَ ، لِحَكِيمٍ بِذَلِكَ ، وَلَفْظُهُ : حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَرْجِسَ ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُمَا سَمِعَا أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : لَأَنْ أَجْلِسَ عَلَى جَمْرَةٍ فَتُحْرِقَ مَا دُونَ لَحْمِي حَتَّى تُفْضِيَ إِلَيَّ ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ . قَالَ عُثْمَانُ : فَرَأَيْتُ خَارِجَةَ بْنَ زَيْدٍ فِي الْمَقَابِرِ ، فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ ، فَأَخَذَ بِيَدِي الْحَدِيثَ .

وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ . وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا مِنْ طَرِيقِ سَهْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِيهِ عَنْهُ ، وَرَوَى الطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قَالَ : إِنَّمَا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : مَنْ جَلَسَ عَلَى قَبْرٍ يَبُولُ عَلَيْهِ أَوْ يَتَغَوَّطُ ، فَكَأَنَّمَا جَلَسَ عَلَى جَمْرَةٍ ، لَكِنَّ إِسْنَادَهُ ضَعِيفٌ . قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ : الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الْأَثَرَ وَالَّذِي بَعْدَهُ مِنَ الْبَابِ الَّذِي بَعْدَ هَذَا ، وَهُوَ : بَابُ مَوْعِظَةِ الْمُحَدِّثِ عِنْدَ الْقَبْرِ وَقُعُودِ أَصْحَابِهِ حَوْلَهُ .

وَكَأَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ كَتَبَهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ ، قَالَ : وَقَدْ يُتَكَلَّفُ لَهُ طَرِيقٌ يَكُونُ بِهِ مِنَ الْبَابِ ، وَهِيَ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ ضَرْبَ الْفُسْطَاطِ إِنْ كَانَ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ كَالتَّسَتُّرِ مِنَ الشَّمْسِ مَثَلًا لِلْحَيِّ لَا لِإِظْلَالِ الْمَيِّتِ فَقَطْ جَازَ ، وَكَأَنَّهُ يَقُولُ : إِذَا أُعْلِيَ الْقَبْرُ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ لَا لِقَصْدِ الْمُبَاهَاةِ جَازَ ، كَمَا يَجُوزُ الْقُعُودُ عَلَيْهِ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ ، لَا لِمَنْ أَحْدَثَ عَلَيْهِ . قَالَ : وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَدَثِ هُنَا التَّغَوُّطُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ مِنَ إِحْدَاثِ مَا لَا يَلِيقُ مِنَ الْفُحْشِ قَوْلًا وَفِعْلًا ؛ لِتَأَذِّي الْمَيِّتِ بِذَلِكَ . انْتَهَى .

وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ : هَذِهِ الْآثَارُ الْمَذْكُورَةُ فِي هَذَا الْبَابِ تَحْتَاجُ إِلَى بَيَانِ مُنَاسَبَتِهَا لِلتَّرْجَمَةِ ، وَإِلَى مُنَاسَبَةِ بَعْضِهَا لِبَعْضٍ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ حُكْمَ وَضْعِ الْجَرِيدَةِ ، وَذَكَرَ أَثَرَ بُرَيْدَةَ ، وَهُوَ يُؤْذِنُ بِمَشْرُوعِيَّتِهَا ، ثُمَّ أَثَرَ ابْنِ عُمَرَ الْمُشْعِرَ بِأَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لِمَا يُوضَعُ عَلَى الْقَبْرِ ، بَلِ التَّأْثِيرُ لِلْعَمَلِ الصَّالِحِ ، وَظَاهِرُهُمَا التَّعَارُضُ فَلِذَلِكَ أَبْهَمَ حُكْمَ وَضْعِ الْجَرِيدَةِ ، قَالَهُ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ . وَالَّذِي يَظْهَرُ مِنْ تَصَرُّفِهِ تَرْجِيحُ الْوَضْعِ ، وَيُجَابُ عَنْ أَثَرِ ابْنِ عُمَرَ بِأَنَّ ضَرْبَ الْفُسْطَاطِ عَلَى الْقَبْرِ لَمْ يَرِدْ فِيهِ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ الْمَيِّتُ ، بِخِلَافِ وَضْعِ الْجَرِيدَةِ ؛ لِأَنَّ مَشْرُوعِيَّتَهَا ثَبَتَتْ بِفِعْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وإِنْ كَانَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ قَالَ : إِنَّهَا وَاقِعَةُ عَيْنٍ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ مَخْصُوصَةً بِمَنْ أَطْلَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى حَالِ الْمَيِّتِ ، وَأَمَّا الْآثَارُ الْوَارِدَةُ فِي الْجُلُوسِ عَلَى الْقَبْرِ ، فَإِنَّ عُمُومَ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ : إِنَّمَا يُظِلُّهُ عَمَلُهُ يَدْخُلُ فِيهِ أَنَّهُ كَمَا لَا يَنْتَفِعُ بِتَظْلِيلِهِ وَلَوْ كَانَ تَعْظِيمًا لَهُ ، لَا يَتَضَرَّرُ بِالْجُلُوسِ عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ تَحْقِيرًا لَهُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

قَوْلُهُ : ( وَقَالَ نَافِعٌ : كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَجْلِسُ عَلَى الْقُبُورِ ) وَوَصَلَهُ الطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيقِ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ أَنَّ نَافِعًا حَدَّثَهُ بِذَلِكَ ، وَلَا يُعَارِضُ هَذَا مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْهُ ، قَالَ : لَأَنْ أَطَأَ عَلَى رَضْفٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَطَأَ عَلَى قَبْرٍ . وَهَذِهِ مِنَ الْمَسَائِلِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا ، وَوَرَدَ فِيهَا مِنْ صَحِيحِ الْحَدِيثِ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيِّ مَرْفُوعًا : لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ ، وَلَا تُصَلُّوا إِلَيْهَا . قَالَ النَّوَوِيُّ : الْمُرَادُ بِالْجُلُوسِ الْقُعُودُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ .

وَقَالَ مَالِكٌ : الْمُرَادُ بِالْقُعُودِ الْحَدَثُ ، وَهُوَ تَأْوِيلٌ ضَعِيفٌ أَوْ بَاطِلٌ . انْتَهَى . وَهُوَ يُوهِمُ انْفِرَادَ مَالِكٍ بِذَلِكَ ، وَكَذَا أَوْهَمَهُ كَلَامُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ حَيْثُ قَالَ : جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى الْكَرَاهَةِ خِلَافًا لِمَالِكٍ .

وَصَرَّحَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ بِأَنَّ مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ كَالْجُمْهُورِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، بَلْ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ كَقَوْلِ مَالِكٍ ، كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُمُ الطَّحَاوِيُّ وَاحْتَجَّ لَهُ بِأَثَرِ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورِ ، وَأَخْرَجَ عَنْ عَلِيٍّ نَحْوَهُ ، وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ مَرْفُوعًا : إِنَّمَا نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْجُلُوسِ عَلَى الْقُبُورِ لِحَدَثٍ ؛ غَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ . وَرِجَالُ إِسْنَادِهِ ثِقَاتٌ . وَيُؤَيِّدُ قَوْلَ الْجُمْهُورِ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ الْأَنْصَارِيِّ مَرْفُوعًا : لَا تَقْعُدُوا عَلَى الْقُبُورِ .

وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ عَنْهُ : رَآنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا مُتَّكِئٌ عَلَى قَبْرٍ فَقَالَ : لَا تُؤْذِ صَاحِبَ الْقَبْرِ . إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ ، وَهُوَ دَالٌّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْجُلُوسِ الْقُعُودُ عَلَى حَقِيقَتِهِ ، وَرَدَّ ابْنُ حَزْمٍ التَّأْوِيلَ الْمُتَقَدِّمَ بِأَنَّ لَفْظَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ : لَأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ فَتُحْرِقَ ثِيَابَهُ فَتَخْلُصَ إِلَى جِلْدِهِ . قَالَ : وَمَا عَهِدْنَا أَحَدًا يَقْعُدُ عَلَى ثِيَابِهِ لِلْغَائِطِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْقُعُودُ عَلَى حَقِيقَتِهِ .

وَقَالَ ابنُ بَطَّالٍ : التَّأْوِيلُ الْمَذْكُورُ بَعِيدٌ ؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ عَلَى الْقَبْرِ أَقْبَحُ مِنْ أَنْ يُكْرَهَ ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ الْجُلُوسُ الْمُتَعَارَفُ ، . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى ) قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ : لَمْ أَرَهُ مَنْسُوبًا لِأَحَدٍ مِنَ الْمَشَايِخِ . قُلْتُ : قَدْ نَسَبَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ يَحْيَى بْنَ جَعْفَرٍ ، وَجَزَمَ أَبُو مَسْعُودٍ فِي الْأَطْرَافِ وَتَبِعَهُ الْمِزِّيُّ بِأَنَّهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ شَبُّوَيْهِ ، عَنِ الْفَرَبْرِيِّ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى .

وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ . وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي كِتَابِ الْوُضُوءِ بِمَا فِيهِ مَقْنَعٌ بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

ورد في أحاديث6 أحاديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث