حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب مَوْعِظَةِ الْمُحَدِّثِ عِنْدَ الْقَبْرِ وَقُعُودِ أَصْحَابِهِ حَوْلَه

بَاب مَوْعِظَةِ الْمُحَدِّثِ عِنْدَ الْقَبْرِ ، وَقُعُودِ أَصْحَابِهِ حَوْلَهُ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ الْأَجْدَاثُ : الْقُبُورُ ، بُعْثِرَتْ أُثِيرَتْ ، بَعْثَرْتُ حَوْضِي أَيْ : جَعَلْتُ أَسْفَلَهُ أَعْلَاهُ ، الْإِيفَاضُ : الْإِسْرَاعُ ، وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ : إِلَى نُصُبٍ إِلَى شَيْءٍ مَنْصُوبٍ يَسْتَبِقُونَ إِلَيْهِ ، وَالنُّصْبُ وَاحِدٌ ، وَالنَّصْبُ مَصْدَرٌ ، يَوْمُ الْخُرُوجِ مِنْ الْقُبُورِ ، يَنْسِلُونَ يَخْرُجُونَ 1362 - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ قَالَ : حَدَّثَنِي جَرِيرٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : كُنَّا فِي جَنَازَةٍ فِي بَقِيعِ الْغَرْقَدِ ، فَأَتَانَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَعَدَ وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ ، وَمَعَهُ مِخْصَرَةٌ ، فَنَكَّسَ فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ ، ثُمَّ قَالَ : مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ ؛ مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلَّا كُتِبَ مَكَانُهَا مِنْ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ ، وَإِلَّا قَدْ كُتِبَتْ شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً ، فَقَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَفَلَا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ الْعَمَلَ ، فَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ ، قَالَ : أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ ، فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ السَّعَادَةِ ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ الشَّقَاوَةِ ، ثُمَّ قَرَأَ : ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى الْآيَةَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَوْعِظَةِ الْمُحَدِّثِ عِنْدَ الْقَبْرِ وَقُعُودِ أَصْحَابِهِ حَوْلَهُ ) كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى التَّفْصِيلِ بَيْنَ أَحْوَالِ الْقُعُودِ ، فَإِنْ كَانَ لِمَصْلَحَةٍ تَتَعَلَّقُ بِالْحَيِّ أَوِ الْمَيِّتِ لَمْ يُكْرَهْ ، وَيُحْمَلُ النَّهْيُ الْوَارِدُ عَنْ ذَلِكَ عَلَى مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ : الْأَجْدَاثُ الْقُبُورُ ) أَيِ : الْمُرَادُ بِالْأَجْدَاثِ فِي الْآيَةِ الْقُبُورُ .

وَقَدْ وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ ، وَالسُّدِّيِّ وَغَيْرِهِمَا ، وَاحِدُهَا : جَدَثٌ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالْمُهْمَلَةِ . قَوْلُهُ : ( بُعْثِرَتْ : أُثِيرَتْ . بَعْثَرْتُ حَوْضِي : جَعَلْتُ أَسْفَلَهُ أَعْلَاهُ ) هَذَا كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ فِي كِتَابِ الْمَجَازِ .

وَقَالَ السُّدِّيُّ : بُعْثِرَتْ أَيْ : حُرِّكَتْ ، فَخَرَجَ مَا فِيهَا . رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ . قَوْلُهُ : ( الْإِيفَاضُ ) بِيَاءٍ تَحْتَانِيَّةٍ سَاكِنَةٍ قَبْلَهَا كَسْرَةٌ وَبِفَاءٍ وَمُعْجَمَةٍ ( الْإِسْرَاعُ ) كَذَا قَالَ الْفَرَّاءُ فِي الْمَعَانِي .

وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : يُوفِضُونَ أَيْ : يُسْرِعُونَ . قَوْلُهُ : ( وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ : إِلَى نَصْبٍ ) يَعْنِي بِفَتْحِ النُّونِ كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ بِالضَّمِّ ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ . وَكَذَا ضَبَطَهُ الْفَرَّاءُ ، عَنِ الْأَعْمَشِ فِي كِتَابِ الْمَعَانِي وَهِيَ قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ .

وَحَكَى الطَّبَرَانِيُّ أَنَّهُ لَمْ يَقْرَأْهُ بِالضَّمِّ إِلَّا الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ . وَقَدْ حَكَى الْفَرَّاءُ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ذَلِكَ ، وَنَقَلَهَا غَيْرُهُ عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَأَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ . وَفِي كِتَابِ السَّبْعَةِ لِابْنِ مُجَاهِدٍ : قَرَأَهَا ابْنُ عَامِرٍ بِضَمَّتَيْنِ ، يَعْنِي بِلَفْظِ الْجَمْعِ .

وَكَذَا قَرَأَهَا حَفْصٌ ، عَنْ عَاصِمٍ . وَمِنْ هُنَا يَظْهَرُ سَبَبُ تَخْصِيصِ الْأَعْمَشِ بِالذِّكْرِ ؛ لِأَنَّهُ كُوفِيٌّ ، وَكَذَا عَاصِمٌ فَفِي انْفِرَادِ حَفْصٍ ، عَنْ عَاصِمٍ بِالضَّمِّ شُذُوذٌ . قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : النَّصْبُ بِالْفَتْحِ هُوَ الْعَلَمُ الَّذِي نَصَبُوهُ لِيَعْبُدُوهُ ، وَمَنْ قَرَأَ : نُصُبٍ ، بِالضَّمِّ فَهِيَ جَمَاعَةٌ مِثْلُ رَهْنٍ وَرُهُنٍ .

قَوْلُهُ : ( يُوفِضُونَ إِلَى شَيْءٍ مَنْصُوبٍ : يَسْتَبِقُونَ ) قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ قُرَّةَ ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ : إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ أَيْ : يَبْتَدِرُونَ أَيُّهُمْ يَسْتَلِمُهُ أَوَّلَ . قَوْلُهُ : ( وَالنَّصْبُ وَاحِدٌ ، وَالنُّصُبُ مَصْدَرٌ ) كَذَا وَقَعَ فِيهِ ، وَالَّذِي فِي الْمَعَانِي لِلْفَرَّاءِ النَّصْبُ وَالنُّصُبُ وَاحِدٌ وَهُوَ مَصْدَرٌ وَالْجَمْعُ الْأَنْصَابُ . وَكَأَنَّ التَّغْيِيرَ مِنْ بَعْضِ النَّقْلَةِ .

قَوْلُهُ : ( يَوْمَ الْخُرُوجِ مِنْ قُبُورِهِمْ ) أَيْ : خُرُوجُ أَهْلِ الْقُبُورِ مِنْ قُبُورِهِمْ . قَوْلُهُ : ( وَيَنْسِلُونَ : يَخْرُجُونَ ) كَذَا أَوْرَدَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَغَيْرُهُ عَنْ قَتَادَةَ ، وَسَيَأْتِي لَهُ مَعْنًى آخَرَ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَفِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ بَعْدَ قَوْلِهِ : ( يَخْرُجُونَ ) : مِنَ النَّسَلَانِ .

وَهَذِهِ التَّفَاسِيرُ أَوْرَدَهَا لِتَعَلُّقِهَا بِذِكْرِ الْقَبْرِ اسْتِطْرَادًا ، وَلَهَا تَعَلُّقٌ بِالْمَوْعِظَةِ أَيْضًا . قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : مُنَاسَبَةُ إِيرَادِ هَذِهِ الْآيَاتِ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ ؛ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ الْمُنَاسِبَ لِمَنْ قَعَدَ عِنْدَ الْقَبْرِ أَنْ يَقْصُرَ كَلَامَهُ عَلَى الْإِنْذَارِ بِقُرْبِ الْمَصِيرِ إِلَى الْقُبُورِ ، ثُمَّ إِلَى النَّشْرِ لِاسْتِيفَاءِ الْعَمَلِ . ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مَرْفُوعًا : مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلَّا كُتِبَ مَكَانُهَا مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ .

الْحَدِيثَ . وَسَيَأْتِي مَبْسُوطًا فِي تَفْسِيرِ : ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَهُوَ أَصْلٌ عَظِيمٌ فِي إِثْبَاتِ الْقَدَرِ . وَقَوْلُهُ فِيهِ : اعْمَلُوا جَرَى مَجْرَى أُسْلُوبِ الْحَكِيمِ ، أَيِ : الْزَمُوا مَا يَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ مِنَ الْعُبُودِيَّةِ ، وَلَا تَتَصَرَّفُوا فِي أَمْرِ الرُّبُوبِيَّةِ .

وَعُثْمَانُ شَيْخُهُ هُوَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَجَرِيرٌ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ . وَمَوْضِعُ الْحَاجَةِ مِنْهُ : فَقَعَدَ وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ . وَقَوْلُهُ : فَقَالَ رَجُلٌ هُوَ عُمَرُ أَوْ غَيْرُهُ ، كَمَا سَيَأْتِي ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث