بَاب مَوْتِ الْفَجْأَةِ الْبَغْتَة
بَاب مَوْتِ الْفُجَاءَةِ الْبَغْتَةِ 1388 - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي هِشَامُ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا ، وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ ، فَهَلْ لَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَوْتِ الْفُجَاءَةِ ، الْبَغْتَةِ ) قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ : هُوَ مَضْبُوطٌ بِالْكَسْرِ عَلَى الْبَدَلِ ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ، أَيْ : هِيَ الْبَغْتَةُ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ : بَغْتَةٌ . وَالْفُجَاءَةُ بِضَمِّ الْفَاءِ ، وَبَعْدَ الْجِيمِ مَدٌّ ثُمَّ هَمْزٌ ، وَيُرْوَى بِفَتْحٍ ثُمَّ سُكُونٍ بِغَيْرِ مَدٍّ ، وَهِيَ الْهُجُومُ عَلَى مَنْ لَمْ يَشْعُرْ بِهِ .
وَمَوْتُ الْفَجْأَةِ وُقُوعُهُ بِغَيْرِ سَبَبٍ مِنْ مَرَضٍ وَغَيْرِهِ ، قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ : مَقْصُودُ الْمُصَنِّفِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ كَرَاهِيَتُهُ لَمَّا أَخْبَرَهُ الرَّجُلُ بِأَنَّ أُمَّهُ افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا ، وَأَشَارَ إِلَى مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِلَفْظِ : مَوْتُ الْفَجْأَةِ أَخْذَةُ أَسَفٍ . وَفِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ ، فَجَرَى عَلَى عَادَتِهِ فِي التَّرْجَمَةِ بِمَا لَمْ يُوَافِقْ شَرْطَهُ ، وَإِدْخَالُ مَا يُومِئُ إِلَى ذَلِكَ وَلَوْ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ . انْتَهَى .
وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ بْنِ خَالِدٍ السُّلَمِيِّ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ ، إِلَّا أَنَّ رَاوِيهِ رَفَعَهُ مَرَّةً وَوَقَفَهُ أُخْرَى . وَقَوْلُهُ : أَسَفٌ أَيْ : غَضَبٌ ، وَزْنًا وَمَعْنًى ، وَرُوِيَ بِوَزْنِ فَاعِلٍ أَيْ غَضْبَانَ ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِجِدَارٍ مَائِلٍ فَأَسْرَعَ ، وَقَالَ : أَكْرَهُ مَوْتَ الْفَوَاتِ . قَالَ ابنُ بَطَّالٍ : وَكَانَ ذَلِكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِمَا فِي مَوْتِ الْفَجْأَةِ مِنْ خَوْفِ حِرْمَانِ الْوَصِيَّةِ ، وَتَرْكِ الِاسْتِعْدَادِ لِلْمَعَادِ بِالتَّوْبَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ .
وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ الْمَوْتِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ نَحْوَ حَدِيثِ عُبَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ، وَزَادَ فِيهِ : الْمَحْرُومُ مَنْ حُرِمَ وَصِيَّتَهُ . انْتَهَى . وَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ مَسْعُودٍ : مَوْتُ الْفَجْأَةِ رَاحَةٌ لِلْمُؤْمِنِ ، وَأَسَفٌ عَلَى الْفَاجِرِ .
وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ لَعَلَّ الْبُخَارِيَّ أَرَادَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ أَنَّ مَنْ مَاتَ فَجْأَةً فَلْيَسْتَدْرِكْ وَلَدُهُ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ مَا أَمْكَنَهُ مِمَّا يَقْبَلُ النِّيَابَةَ ، كَمَا وَقَعَ حَدِيثُ الْبَابِ . وَقَدْ نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ كَرَاهَةُ مَوْتِ الْفَجْأَةِ ، وَنَقَلَ النَّوَوِيُّ عَنْ بَعْضِ الْقُدَمَاءِ أَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ مَاتُوا كَذَلِكَ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : وَهُوَ مَحْبُوبٌ لِلْمُرَاقِبِينَ . قُلْتُ : وَبِذَلِكَ يَجْتَمِعُ الْقَوْلَانِ .
قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ) أَيِ : ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ الْمَدَنِيُّ . قَوْلُهُ : ( أَنَّ رَجُلًا ) هُوَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ ، وَاسْمُ أُمِّهِ عَمْرَةُ ، وَسَيَأْتِي حَدِيثُهُ وَالْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْوَصَايَا ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَوْلُهُ : ( افْتُلِتَتْ ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَكَسْرِ اللَّامِ ؛ أَيْ : سُلِبَتْ ، عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ ، يُقَالُ : افْتُلِتَ فُلَانٌ ، أَيْ : مَاتَ فَجْأَةً ، وَافْتُلِتَتْ نَفْسُهُ كَذَلِكَ ، وَضَبَطَهُ بَعْضُهُمْ بِفَتْحِ السِّينِ ، إِمَّا عَلَى التَّمْيِيزِ ، وَإِمَّا عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ ثَانٍ ، وَالْفَلْتَةُ وَالِافْتِلَاتُ مَا وَقَعَ بَغْتَةً مِنْ غَيْرِ رَوِيَّةٍ ، وَذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ بِالْقَافِ وَتَقْدِيمِ الْمُثَنَّاةِ ، وَقَالَ : هِيَ كَلِمَةٌ تُقَالُ لِمَنْ قَتَلَهُ الْحُبُّ ، وَلِمَنْ مَاتَ فَجْأَةً ، وَالْمَشْهُورُ فِي الرِّوَايَةِ بِالْفَاءِ .
وَاللَّهُ أَعْلَمُ .