بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي أَخِي ، عَنْ سُلَيْمَانَ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي مُزَرِّدٍ ، عَنْ أَبِي الْحُبَابِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلَانِ فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا : اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا ، وَيَقُولُ الْآخَرُ : اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا . قَوْلُهُ : ( بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى ﴾الْآيَةَ ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : أَدْخَلَ هَذِهِ التَّرْجَمَةَ بَيْنَ أَبْوَابِ التَّرْغِيبِ فِي الصَّدَقَةِ لِيُفْهَمَ أَنَّ الْمَقْصُودَ الْخَاصَّ بِهَا التَّرْغِيبُ فِي الْإِنْفَاقِ فِي وُجُوهِ الْبِرِّ ، وَأنَّ ذَلِكَ مَوْعُودٌ عَلَيْهِ بِالْخَلَفِ فِي الْعَاجِلِ زِيَادَةً عَلَى الثَّوَابِ الْآجِلِ . قَوْلُهُ : ( اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقَ مَالٍ خَلَفًا ) قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْآيَةِ وَحَذْفُ أَدَاةِ الْعَطْفِ كَثِيرٌ ، وَهُوَ مَذْكُورٌ عَلَى سَبِيلِ الْبَيَانِ لِلْحُسْنَى ، أَيْ : تَيْسِيرُ الْحُسْنَى لَهُ إِعْطَاءُ الْخَلَفِ .
قُلْتُ : قَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ : أَعْطَى مِمَّا عِنْدَهُ وَاتَّقَى رَبَّهُ ، وَصَدَّقَ بِالْخَلَفِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى . ثُمَّ حَكَى عَنْ غَيْرِهِ أَقْوَالًا أُخْرَى قَالَ : وَأَشْبَهُهَا بِالصَّوَابِ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ ، وَهُوَ بَيِّنٌ فِيمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ : حَدَّثَنِي خَالِدٌ الْعَصْرِيُّ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا ، نَحْوَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ ، وَزَادَ فِي آخِرِهِ : فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ : ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى ﴾- إِلَى قَوْلِهِ - لِلْعُسْرَى وَهُوَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ آخِرِهِ .
وقَوْلُهُ : مُنْفِقَ مَالٍ ؛ بِالْإِضَافَةِ . وَلِبَعْضِهِمْ : مُنْفِقًا مَالًا خَلَفًا ، وَمَالًا مَفْعُولُ مُنْفِقَ ، بِدَلِيلِ رِوَايَةِ الْإِضَافَةِ وَلَوْلَاهَا احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولَ أَعْطَى ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى ، وَهِيَ أَنَّ سِيَاقَ الْحَدِيثِ لِلْحَضِّ عَلَى إِنْفَاقِ الْمَالِ ، فَنَاسَبَ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولُ مُنْفِقَ ، وَأَمَّا الْخَلَفُ فَإِبْهَامُهُ أَوْلَى لِيَتَنَاوَلَ الْمَالَ وَالثَّوَابَ وَغَيْرَهُمَا ، وَكَمْ مِنْ مُتَّقٍ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ لَهُ الْخَلَفُ الْمَالِيُّ فَيَكُونُ خِلْفَهُ الثَّوَابُ الْمُعَدُّ لَهُ فِي الْآخِرَةِ ، أَوْ يَدْفَعُ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مَا يُقَابِلُ ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنِي أَخِي ) هُوَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ ، وَسُلَيْمَانُ هُوَ ابْنُ بِلَالٍ ، وَأَبُو الْحُبَابِ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَمُوَحَّدَتَيْنِ ، الْأُولَى خَفِيفَةٌ ، وَسَمَّاهُ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ سَعِيدَ بْنَ يَسَارٍ وَهُوَ عَمُّ مُعَاوِيَةَ الرَّاوِي عَنْهُ ، وَمُزَرِّدٌ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الزَّايِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ الثَّقِيلَةِ ، وَاسْمُ أَبِي مُزَرِّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، وَهَذَا الْإِسْنَادُ كُلُّهُ مَدَنِيُّونَ .
قَوْلُهُ : ( مَا مِنْ يَوْمٍ ) فِي حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ : مَا مِنْ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ إِلَّا وَبِجَنْبَتَيْهَا مَلَكَانِ يُنَادِيَانِ يَسْمَعُهُ خَلْقُ اللَّهِ كُلُّهُمْ ، إِلَّا الثَّقَلَيْنِ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، هَلُمُّوا إِلَى رَبِّكُمْ ، إِنَّ مَا قَلَّ وَكَفَى خَيْرٌ مِمَّا كَثُرَ وَأَلْهَى ، وَلَا غَرَبَتْ شَمْسُهُ إِلَّا وَبِجَنْبَتَيْهَا مَلَكَانِ يُنَادِيَانِ . فَذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ . قَوْلُهُ : ( إِلَّا مَلَكَانِ ) فِي حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ : إِلَّا وَبِجَنْبَتَيْهَا مَلَكَانِ .
وَالْجَنْبَةُ بِسُكُونِ النُّونِ : النَّاحِيَةُ . وَقَوْلُهُ : خَلَفًا ؛ أَيْ : عِوَضًا . قَوْلُهُ : ( أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا ) التَّعْبِيرُ بِالْعَطِيَّةِ فِي هَذَا لِلْمُشَاكَلَةِ ، لِأَنَّ التَّلَفَ لَيْسَ بِعَطِيَّةٍ .
وَأَفَادَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ الْكَلَامَ الْمَذْكُورَ مُوَزَّعٌ بَيْنَهُمَا ، فَنُسِبَ إِلَيْهِمَا فِي حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ نِسْبَةَ الْمَجْمُوعِ إِلَى الْمَجْمُوعِ ، وَتَضَمَّنَتِ الْآيَةُ الْوَعْدَ بِالتَّيْسِيرِ لِمَنْ يُنْفِقُ فِي وُجُوهِ الْبِرِّ ، وَالْوَعِيدَ بِالتَّعْسِيرِ لِعَكْسِهِ . وَالتَّيْسِيرُ الْمَذْكُورُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِأَحْوَالِ الدُّنْيَا أَوْ لِأَحْوَالِ الْآخِرَةِ ، وَكَذَا دُعَاءُ الْمَلَكِ بِالْخَلَفِ يَحْتَمِلُ الْأَمْرَيْنِ ، وَأَمَّا الدُّعَاءُ بِالتَّلَفِ فَيَحْتَمِلُ تَلَفَ ذَلِكَ الْمَالِ بِعَيْنِهِ أَوْ تَلَفَ نَفْسِ صَاحِبِ الْمَالِ ، وَالْمُرَادُ بِهِ فَوَاتُ أَعْمَالِ الْبِرِّ بِالتَّشَاغُلِ بِغَيْرِهَا . قَالَ النَّوَوِيُّ : الْإِنْفَاقُ الْمَمْدُوحُ مَا كَانَ فِي الطَّاعَاتِ وَعَلَى الْعِيَالِ وَالضِّيفَانِ وَالتَّطَوُّعَاتِ .
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَهُوَ يَعُمُّ الْوَاجِبَاتِ وَالْمَنْدُوبَاتِ ، لَكِنَّ الْمُمْسِكَ عَنِ الْمَنْدُوبَاتِ لَا يَسْتَحِقُّ هَذَا الدُّعَاءَ إِلَّا أَنْ يَغْلِبَ عَلَيْهِ الْبُخْلُ الْمَذْمُومُ بِحَيْثُ لَا تَطِيبُ نَفْسُهُ بِإِخْرَاجِ الْحَقِّ الَّذِي عَلَيْهِ وَلَوْ أَخْرَجَهُ . وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى : طَيِّبَةً بِهَا نَفْسُهُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .