حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب الزَّكَاةِ عَلَى الزَّوْجِ وَالْأَيْتَامِ فِي الْحَجْر

بَاب الزَّكَاةِ عَلَى الزَّوْجِ وَالْأَيْتَامِ فِي الْحَجْرِ قَالَهُ أَبُو سَعِيدٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 1466 - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ قَالَ حَدَّثَنِي شَقِيقٌ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، قَالَ : فَذَكَرْتُهُ لِإِبْرَاهِيمَ فَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ بِمِثْلِهِ سَوَاءً قَالَتْ : كُنْتُ فِي الْمَسْجِدِ فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : تَصَدَّقْنَ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ ، وَكَانَتْ زَيْنَبُ تُنْفِقُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ وَأَيْتَامٍ فِي حَجْرِهَا ، فَقَالَتْ لِعَبْدِ اللَّهِ : سَلْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيَجْزِي عَنِّي أَنْ أُنْفِقَ عَلَيْكَ وَعَلَى أَيْتَامِي فِي حَجْرِي مِنْ الصَّدَقَةِ ؟ فَقَالَ : سَلِي أَنْتِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَانْطَلَقْتُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَوَجَدْتُ امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ عَلَى الْبَابِ حَاجَتُهَا مِثْلُ حَاجَتِي ، فَمَرَّ عَلَيْنَا بِلَالٌ فَقُلْنَا : سَلْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيَجْزِي عَنِّي أَنْ أُنْفِقَ عَلَى زَوْجِي وَأَيْتَامٍ لِي فِي حَجْرِي ، وَقُلْنَا : لَا تُخْبِرْ بِنَا ، فَدَخَلَ فَسَأَلَهُ ، فَقَالَ : مَنْ هُمَا ؟ قَالَ : زَيْنَبُ ، قَالَ : أَيُّ الزَّيَانِبِ ؟ قَالَ : امْرَأَةُ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : نَعَمْ ، وَلَهَا أَجْرَانِ : أَجْرُ الْقَرَابَةِ وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ الزَّكَاةِ عَلَى الزَّوْجِ وَالْأَيْتَامِ فِي الْحِجْرِ ، قَالَهُ أَبُو سَعِيدٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) يُشِيرُ إِلَى حَدِيثِهِ السَّابِقِ مَوْصُولًا فِي : بَابِ الزَّكَاةِ عَلَى الْأَقَارِبِ ، وَسَنَذْكُرُ مَا فِيهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ . قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ : أَعَادَ الْأَيْتَامَ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ لِعُمُومِ الْأُولَى وَخُصُوصِ الثَّانِيَةِ ، وَمَحْمَلُ الْحَدِيثَيْنِ فِي وَجْهِ الِاسْتِدْلَالِ بِهِمَا عَلَى الْعُمُومِ لِأَنَّ الْإِعْطَاءَ أَعَمُّ مِنْ كَوْنِهِ وَاجِبًا أَوْ مَنْدُوبًا .

قَوْلُهُ : ( عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ) هُوَ ابْنُ أَبِي ضِرَارٍ - بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ - الْخُزَاعِيُّ ، ثُمَّ الْمُصْطَلِقِيُّ أَخُو جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لَهُ صُحْبَةٌ ، وَرَوَى هُنَا عَنْ صَحَابِيَّةٍ ، فَفِي الْإِسْنَادِ تَابِعِيٌّ عَنْ تَابِعِيٍّ الْأَعْمَشُ ، عَنْ شَقِيقٍ ، وَصَحَابِيٌّ عَنْ صَحَابِيٍّ عَمْرٌو عَنْ زَيْنَبَ ، وَهِيَ بِنْتُ مُعَاوِيَةَ - وَيُقَالُ : بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاوِيَةَ - ابْنِ عَتَّابٍ الثَّقَفِيَّةُ ، وَيُقَالُ لَهَا أَيْضًا : رَائِطَةُ ، وَقَعَ ذَلِكَ فِي : صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ فِي نَحْوِ هَذِهِ الْقِصَّةِ ، وَيُقَالُ : هُمَا ثِنْتَانِ عِنْدَ الْأَكْثَرِ ، وَمِمَّنْ جَزَمَ بِهِ ابْنُ سَعْدٍ ، وَقَالَ الْكَلَابَاذِيُّ : رَائِطَةُ هِيَ الْمَعْرُوفَةُ بِزَيْنَبَ ، وَبِهَذَا جَزَمَ الطَّحَاوِيُّ فَقَالَ : رَائِطَةُ هِيَ زَيْنَبُ لَا يُعْلَمُ أَنَّ لِعَبْدِ اللَّهِ امْرَأَةً فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرُهَا ، وَوَقَعَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ ، عَنْ هَنَّادٍ ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْمُصْطَلِقِ ، عَنِ ابْنِ أَخِي زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنِ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ ، فَزَادَ فِي الْإِسْنَادِ رَجُلًا ، وَالْمَوْصُوفُ بِكَوْنِهِ ابْنَ أَخِي زَيْنَبَ هُوَ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ نَفْسُهُ ، وَكَأنَ أَبَاهُ كَانَ أَخَا زَيْنَبَ لِأُمِّهَا ، لِأَنَّهَا ثَقَفِيَّةٌ وَهُوَ خُزَاعِيٌّ . وَوَقَعَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ابْنِ أَخِي زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ زَيْنَبَ ، فَجَعَلَهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو ، هَكَذَا جَزَمَ بِهِ الْمِزِّيُّ ، وَعَقَدَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فِي الْأَطْرَافِ تَرْجَمَةً لَمْ يَزِدْ فِيهَا عَلَى مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى ذَلِكَ فِي التِّرْمِذِيِّ ، بَلْ وَقَفْتُ عَلَى عِدَّةِ نُسَخٍ مِنْهُ لَيْسَ فِيهَا إِلَّا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ ، وَقَدْ حَكَى ابْنُ الْقَطَّانِ الْخِلَافَ فِيهِ عَلَى أَبِي مُعَاوِيَةَ ، وَشُعْبَةَ ، وَخَالَفَ التِّرْمِذِيَّ فِي تَرْجِيحِ رِوَايَةِ شُعْبَةَ فِي قَوْلِهِ : عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ، عَنِ ابْنِ أَخِي زَيْنَبَ لِانْفِرَادِ أَبِي مُعَاوِيَةَ بِذَلِكَ . قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ : لَا يَضُرُّهُ الِانْفِرَادُ لِأَنَّهُ حَافِظٌ ، وَقَدْ وَافَقَهُ حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ ، وَقَدْ زَادَ فِي الْإِسْنَادِ رَجُلًا ، لَكِنْ يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُتَوَقَّفَ فِي صِحَّةِ الْإِسْنَادِ لِأَنَّ ابْنَ أَخِي زَيْنَبَ حِينَئِذٍ لَا يُعْرَفُ حَالُهُ .

وَقَدْ حَكَى التِّرْمِذِيُّ فِي : الْعِلَلِ الْمُفْرَدَاتِ أَنَّهُ سَأَلَ الْبُخَارِيَّ عَنْهُ ، فَحَكَمَ عَلَى رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ بِالْوَهْمِ ، وَأَنَّ الصَّوَابَ رِوَايَةُ الْجَمَاعَةِ عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ شَقِيقٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ابْنِ أَخِي زَيْنَبَ . قُلْتُ : وَوَافَقَهُ مَنْصُورٌ عَنْ شَقِيقٍ ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَلَعَلَّ أَبَا وَائِلٍ حَمَلَهُ عَنِ الْأَبِ وَالِابْنِ ، وَإِلَّا فَالْمَحْفُوظُ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَلَى الصَّوَابِ ، فَقَالَ : عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ . قَوْلُهُ : ( قَالَ : فَذَكَرْتُهُ لِإِبْرَاهِيمَ ) الْقَائِلُ هُوَ الْأَعْمَشُ ، وَإِبْرَاهِيمُ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ النَّخَعِيُّ ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، فَفِي هَذِهِ الطَّرِيقِ ثَلَاثَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ ، وَرِجَالُ الطَّرِيقَيْنِ كُلُّهُمْ كُوفِيُّونَ .

قَوْلُهُ : ( كُنْتُ فِي الْمَسْجِدِ فَرَأَيْتُ . إِلَخْ ) فِي هَذَا زِيَادَةٌ عَلَى مَا فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْمُتَقَدِّمِ ، وَبَيَانُ السَّبَبِ فِي سُؤَالِهَا ذَلِكَ . وَلَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَةِ الْأَيْتَامِ الَّذِينَ كَانُوا فِي حِجْرِهَا .

قَوْلُهُ : ( فَوَجَدْتُ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ ) فِي رِوَايَةِ الطَّيَالِسِيِّ الْمَذْكُورَةِ : فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهَا زَيْنَبُ . وَكَذَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، وَزَادَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَلْقَمَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : انْطَلَقَتِ امْرَأَةُ عَبْدِ اللَّهِ - يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ - وَامْرَأَةُ أَبِي مَسْعُودٍ ، يَعْنِي عُقْبَةَ بْنَ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيَّ . قُلْتُ : لَمْ يَذْكُرِ ابْنُ سَعْدٍ ، لِأَبِي مَسْعُودٍ امْرَأَةً أَنْصَارِيَّةً سِوَى هُزَيْلَةَ بِنْتِ ثَابِتِ بْنِ ثَعْلَبَةَ الْخَزْرَجِيَّةَ ، فَلَعَلَّ لَهَا اسْمَيْنِ ، أَوْ وَهِمَ مَنْ سَمَّاهَا زَيْنَبَ انْتِقَالًا مِنَ اسْمِ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى اسْمِهَا .

قَوْلُهُ : ( وَأَيْتَامٍ لِي فِي حِجْرِي ) فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ الْمَذْكُورَةِ : عَلَى أَزْوَاجِنَا وَأَيْتَامٍ فِي حُجُورِنَا . وَفِي رِوَايَةِ الطَّيَالِسِيِّ الْمَذْكُورَةِ أَنَّهُمْ بَنُو أَخِيهَا وَبَنُو أُخْتِهَا . وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَلْقَمَةَ لِإِحْدَاهُمَا فَضْلُ مَالٍ وَفِي حِجْرِهَا بَنُو أَخٍ لَهَا أَيْتَامٌ ، وَلِلْأُخْرَى فَضْلُ مَالٍ وَزَوْجٌ خَفِيفُ ذَاتِ الْيَدِ وَهَذَا الْقَوْلُ كِنَايَةً عَنِ الْفَقْرِ .

قَوْلُهُ : ( وَلَهَا أَجْرَانِ : أَجْرُ الْقَرَابَةِ وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ ) أَيْ : أَجْرُ صِلَةِ الرَّحِمِ وَأَجْرُ مَنْفَعَةِ الصَّدَقَةِ ، وَهَذَا ظَاهِرُهُ أَنَّهَا لَمْ تُشَافِهْهُ بِالسُّؤَالِ وَلَا شَافَهَهَا بِالْجَوَابِ ، وَحَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ السَّابِقِ بِبَابَيْنِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا شَافَهَتْهُ وَشَافَهَهَا لِقَوْلِهَا فِيهِ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، إِنَّكَ أَمَرْتَ . وَقَوْلُهُ فِيهِ : صَدَقَ زَوْجُكِ . فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَا قِصَّتَيْنِ ، وَيَحْتَمِلُ فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا أَنْ يُقَالَ : تُحْمَلُ هَذِهِ الْمُرَاجَعَةُ عَلَى الْمَجَازِ ، وَإِنَّمَا كَانَتْ عَلَى لِسَانِ بِلَالٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى جَوَازِ دَفْعِ الْمَرْأَةِ زَكَاتَهَا إِلَى زَوْجِهَا ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ وَصَاحِبَيْ أَبِي حَنِيفَةَ وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ وَعَنْ أَحْمَدَ ، كَذَا أَطْلَقَ بَعْضُهُمْ وَرِوَايَةُ الْمَنْعِ عَنْهُ مُقَيَّدَةٌ بِالْوَارِثِ ، وَعِبَارَةُ الْجَوْزَقِيِّ : وَلَا لِمَنْ تَلْزَمُهُ مَؤنَتُهُ ، فَشَرَحَهُ ابْنُ قُدَامَةَ بِمَا قَيَّدْتُهُ ، قَالَ : وَالْأَظْهَرُ الْجَوَازُ مُطْلَقًا إِلَّا لِلْأَبَوَيْنِ وَالْوَلَدِ ، وَحَمَلُوا الصَّدَقَةَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى الْوَاجِبَةِ لِقَوْلِهَا : أَتُجْزِئُ عَنِّي وَبِهِ جَزَمَ الْمَازِرِيُّ ، وَتَعَقَّبَهُ عِيَاضٌ بِأَنَّ قَوْلَهُ : وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ وَكَوْنَ صَدَقَتِهَا كَانَتْ مِنْ صِنَاعَتِهَا يَدُلَّانِ عَلَى التَّطَوُّعِ ، وَبِهِ جَزَمَ النَّوَوِيُّ وَتَأَوَّلُوا قَوْلَهُ : أَتُجْزِئُ عَنِّي ؛ أَيْ : فِي الْوِقَايَةِ مِنَ النَّارِ ، كَأَنَّهَا خَافَتْ أَنَّ صَدَقَتَهَا عَلَى زَوْجِهَا لَا تُحَصِّلُ لَهَا الْمَقْصُودَ . وَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ مِنَ الصِّنَاعَةِ احْتَجَّ بِهِ الطَّحَاوِيُّ لِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ، فَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ رَائِطَةَ امْرَأَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهَا كَانَتِ امْرَأَةً صَنْعَاءَ الْيَدَيْنِ ، فَكَانَتْ تُنْفِقُ عَلَيْهِ وَعَلَى وَلَدِهِ ، قَالَ : فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا صَدَقَةُ تَطَوُّعٍ ، وَأَمَّا الْحُلِيُّ فَإِنَّمَا يُحْتَجُّ بِهِ عَلَى مَنْ لَا يُوجِبُ فِيهِ الزَّكَاةَ ، وَأَمَّا مَنْ يُوجِبُ فَلَا . وَقَدْ رَوَى الثَّوْرِيُّ ، عَنْ حَمَّادٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَلْقَمَةَ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ لِامْرَأَتِهِ فِي حُلِيِّهَا : إِذَا بَلَغَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَفِيهِ الزَّكَاةُ .

فَكَيْفَ يُحْتَجُّ عَلَى الطَّحَاوِيِّ بِمَا لَا يَقُولُ بِهِ ، لَكِنْ تَمَسَّكَ الطَّحَاوِيُّ بِقَوْلِهَا فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ السَّابِقِ : وَكَانَ عِنْدِي حُلِيٌّ لِي فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِ . لِأَنَّ الْحُلِيَّ وَلَوْ قِيلَ : بِوُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهِ إِلَّا أَنَّهَا لَا تَجِبُ فِي جَمِيعِهِ ، كَذَا قَالَ : وَهُوَ مُتَعَقَّبٌ ، لِأَنَّهَا وَإِنْ لَمْ تَجِبْ فِي عَيْنِهِ فَقَدْ تَجِبُ فِيهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ قَدْرُ النِّصَابِ الَّذِي وَجَبَ عَلَيْهَا إِخْرَاجُهُ ، وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِأَنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَذْكُورِ : زَوْجُكِ وَوَلَدُكِ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتِ بِهِ عَلَيْهِمْ . دَالٌّ عَلَى أَنَّهَا صَدَقَةُ تَطَوُّعٍ ، لِأَنَّ الْوَلَدَ لَا يُعْطَى مِنَ الزَّكَاةِ الْوَاجِبَةِ بِالْإِجْمَاعِ كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ ، وَفِي هَذَا الِاحْتِجَاجِ نَظَرٌ ، لِأَنَّ الَّذِي يَمْتَنِعُ إِعْطَاؤُهُ مِنَ الصَّدَقَةِ الْوَاجِبَةِ مَنْ يَلْزَمُ الْمُعْطِيَ نَفَقَتَهُ ، وَالْأُمُّ لَا يَلْزَمُهَا نَفَقَةُ وَلَدِهَا مَعَ وُجُودِ أَبِيهِ .

وَقَالَ ابْنُ التَّيْمِيِّ : قَوْلُهُ : وَوَلَدَكِ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الْإِضَافَةَ لِلتَّرْبِيَةِ لَا لِلْوِلَادَةِ ، فَكَأَنَّهُ وَلَدُهُ مِنْ غَيْرِهَا . وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : اعْتَلَّ مَنْ مَنَعَهَا مِنَ إِعْطَائِهَا زَكَاتَهَا لِزَوْجِهَا بِأَنَّهَا تَعُودُ إِلَيْهَا فِي النَّفَقَةِ ، فَكَأَنَّهَا مَا خَرَجَتْ عَنْهَا ، وَجَوَابُهُ : أَنَّ احْتِمَالَ رُجُوعِ الصَّدَقَةِ إِلَيْهَا وَاقِعٌ فِي التَّطَوُّعِ أَيْضًا ، وَيُؤَيِّدُ الْمَذْهَبَ الْأَوَّلَ أَنَّ تَرْكَ الِاسْتِفْصَالِ يُنَزَّلُ الْعُمُومِ ، فَلَمَّا ذُكِرَتِ الصَّدَقَةُ وَلَمْ يَسْتَفْصِلْهَا عَنْ تَطَوُّعٍ وَلَا وَاجِبٍ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : تُجْزِئُ عَنْكِ فَرْضًا كَانَ أَوْ تَطَوُّعًا . وَأَمَّا وَلَدُهَا فَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّهَا تُعْطِي وَلَدَهَا مِنْ زَكَاتِهَا ، بَلْ مَعْنَاهُ إِذَا أَعْطَتْ زَوْجَهَا فَأَنْفَقَهُ عَلَى وَلَدِهَا أَحَقَّ مِنَ الْأَجَانِبِ ، فَالْإِجْزَاءُ يَقَعُ بِالْإِعْطَاءِ لِلزَّوْجِ وَالْوُصُولِ إِلَى الْوَلَدِ بَعْدَ بُلُوغِ الزَّكَاةِ مَحِلَّهَا .

وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّهُمَا قَضِيَّتَانِ : إِحْدَاهُمَا فِي سُؤَالِهَا عَنْ تَصَدُّقِهَا بِحُلِّيِّهَا عَلَى زَوْجِهَا وَوَلَدِهِ ، وَالْأُخْرَى فِي سُؤَالِهَا عَنِ النَّفَقَةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِي الْحَدِيثِ الْحَثُّ عَلَى الصَّدَقَةِ عَلَى الْأَقَارِبِ ، وَهُوَ مَحْمُولٌ فِي الْوَاجِبَةِ عَلَى مَنْ لَا يَلْزَمُ الْمُعْطِيَ نَفَقَتُهُ مِنْهُمْ ، وَاخْتُلِفَ فِي عِلَّةِ الْمَنْعِ ، فَقِيلَ : لِأَنَّ أَخْذَهُمْ لَهَا يُصَيِّرُهُمْ أَغْنِيَاءَ فَيَسْقُطُ بِذَلِكَ نَفَقَتُهُمْ عَنِ الْمُعْطِي ، أَوْ لِأَنَّهُمْ أَغْنِيَاءُ بِإِنْفَاقِهِ عَلَيْهِمْ ، وَالزَّكَاةُ لَا تُصْرَفُ لِغَنِيٍّ . وَعَنِ الْحَسَنِ ، وَطَاوُسٍ : لَا يُعْطِي قَرَابَتَهُ مِنَ الزَّكَاةِ شَيْئًا ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ .

وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ لَا يُعْطِي زَوْجَتَهُ مِنَ الزَّكَاةِ ، لِأَنَّ نَفَقَتَهَا وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ فَتَسْتَغْنِي بِهَا عَنِ الزَّكَاةِ ، وَأَمَّا إِعْطَاؤُهَا لِلزَّوْجِ فَاخْتُلِفَ فِيهِ كَمَا سَبَقَ . وَفِيهِ الْحَثُّ عَلَى صِلَةِ الرَّحِمِ وَجَوَازِ تَبَرُّعِ الْمَرْأَةِ بِمَالِهَا بِغَيْرِ إِذْنِ زَوْجِهَا . وَفِيهِ عِظَةُ النِّسَاءِ ، وَتَرْغِيبُ وَلِيِّ الْأَمْرِ فِي أَفْعَالِ الْخَيْرِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ ، وَالتَّحَدُّثُ مَعَ النِّسَاءِ الْأَجَانِبِ عِنْدَ أَمْنِ الْفِتْنَةِ ، وَالتَّخْوِيفُ مِنَ الْمُؤَاخَذَةِ بِالذُّنُوبِ وَمَا يُتَوَقَّعُ بِسَبَبِهَا مِنَ الْعَذَابِ .

وَفِيهِ فُتْيَا الْعَالِمِ مَعَ وُجُودِ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ ، وَطَلَبُ التَّرَقِّي فِي تَحَمُّلِ الْعِلْمِ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : لَيْسَ إِخْبَارُ بِلَالٍ بِاسْمِ الْمَرْأَتَيْنِ بَعْدَ أَنِ اسْتَكْتَمَتَاهُ بِإِذَاعَةِ السِرِّ وَلَا كَشْفِ أَمَانَةٍ لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُمَا لَمْ تُلْزِمَاهُ بِذَلِكَ ، وَإِنَّمَا عُلِمَ أَنَّهُمَا رَأَتَا أَنْ لَا ضَرُورَةَ تُحْوِجُ إِلَى كِتْمَانِهِمَا . ثَانِيهِمَا : أَنَّهُ أَخْبَرَ بِذَلِكَ جَوَابًا لِسُؤَالِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِكَوْنِ إِجَابَتِهِ أَوْجَبَ مِنَ التَّمَسُّكِ بِمَا أَمَرَتَاهُ بِهِ مِنَ الْكِتْمَانِ ، وَهَذَا كُلُّهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ الْتَزَمَ لَهُمَا بِذَلِكَ .

وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَا سَأَلَتَاهُ ، وَلَا يَجِبُ إِسْعَافُ كُلِّ سَائِلٍ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث