بَاب فَضْلِ الْحَجِّ الْمَبْرُور
حَدَّثَنَا آدَمُ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، حَدَّثَنَا سَيَّارٌ أَبُو الْحَكَمِ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا حَازِمٍ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ . الْحَدِيثُ الثَّالِثُ : قَوْلُهُ : ( سَمِعْتُ أَبَا حَازِمٍ ) هُوَ سَلْمَانُ ، وَأَمَّا أَبُو حَازِمٍ سَلَمَةُ بْنُ دِينَارٍ صَاحِبُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فَلَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَسَيَّارٍ ، أَبُو الْحَكَمِ الرَّاوِي عَنْهُ بِتَقْدِيمِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ . قَوْلُهُ : ( مَنْ حَجَّ لِلَّهِ ) فِي رِوَايَةِ مَنْصُورٍ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ الْآتِيَةِ قُبَيْلَ جَزَاءِ الصَّيْدِ : مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ .
وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مَنْصُورٍ : مَنْ أَتَى هَذَا الْبَيْتَ . وَهُوَ يَشْمَلُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ . وَقَدْ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ بِلَفْظِ : مَنْ حَجَّ أَوِ اعْتَمَرَ لَكِنْ فِي الْإِسْنَادِ إِلَى الْأَعْمَشِ ضَعْفٌ .
قَوْلُهُ : ( فَلَمْ يَرْفُثْ ) الرَّفَثُ الْجِمَاعُ ، وَيُطْلَقُ عَلَى التَّعْرِيضِ بِهِ وَعَلَى الْفُحْشِ فِي الْقَوْلِ ، وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ : الرَّفَثُ اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ مَا يُرِيدُهُ الرَّجُلُ مِنَ الْمَرْأَةِ ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَخُصُّهُ بِمَا خُوطِبَ بِهِ النِّسَاءُ . وَقَالَ عِيَاضٌ : هَذَا مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ فِي الْآيَةِ الْجِمَاعُ . انْتَهَى .
وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ فِي الْحَدِيثِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ ، وَإِلَيْهِ نَحَا الْقُرْطُبِيُّ ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ فِي الصِّيَامِ : فَإِذَا كَانَ صَوْمُ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثُ . ( فَائِدَةٌ ) : فَاءُ الرَّفَثِ مُثَلَّثَةٌ فِي الْمَاضِي وَالْمُضَارِعِ ، وَالْأَفْصَحُ الْفَتْحُ فِي الْمَاضِي ، وَالضَّمُّ فِي الْمُسْتَقْبَلِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( وَلَمْ يَفْسُقْ ) أَيْ لَمْ يَأْتِ بِسَيِّئَةٍ وَلَا مَعْصِيَةٍ ، وَأَغْرَبَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ، فَقَالَ : إِنَّ لَفْظَ الْفِسْقِ لَمْ يُسْمَعْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَلَا فِي أَشْعَارِهِمْ ، وَإِنَّمَا هُوَ إِسْلَامِيٌّ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْقُرْآنِ ، وَحِكَايَتُهُ عَمَّنْ قَبْلَ الْإِسْلَامِ .
وَقَالَ غَيْرُهُ : أَصْلُهُ انْفَسَقَتِ الرُّطَبَةُ إِذَا خَرَجَتْ ، فَسُمِّيَ الْخَارِجُ عَنِ الطَّاعَةِ فَاسِقًا . قَوْلُهُ : ( رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ ) أَيْ بِغَيْرِ ذَنْبٍ ، وَظَاهِرُهُ غُفْرَانُ الصَّغَائِرِ وَالْكَبَائِرِ وَالتَّبِعَاتِ ، وَهُوَ مِنْ أَقْوَى الشَّوَاهِدِ لِحَدِيثِ الْعَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ الْمُصَرِّحِ بِذَلِكَ ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي تَفْسِيرِ الطَّبَرِيِّ ، قَالَ الطِّيبِيُّ : الْفَاءُ فِي قَوْلِهِ : فَلَمْ يَرْفُثْ مَعْطُوفٌ عَلَى الشَّرْطِ ، وَجَوَابُهُ رَجَعَ ؛ أَيْ صَارَ ، وَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ خَبَرٌ لَهُ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا ؛ أَيْ صَارَ مُشَابِهًا لِنَفْسِهِ فِي الْبَرَاءَةِ عَنِ الذُّنُوبِ فِي يَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ اهـ . وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ الْمَذْكُورَةِ : رَجَعَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ .
وَذَكَرَ لَنَا بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ الطِّيبِيَّ أَفَادَ أَنَّ الْحَدِيثَ إِنَّمَا لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ الْجِدَالُ ، كَمَا ذُكِرَ فِي الْآيَةِ عَلَى طَرِيقِ الِاكْتِفَاءِ بِذِكْرِ الْبَعْضِ وَتَرْكِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ مَا ذُكِرَ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِالْقَصْدِ ، لِأَنَّ وُجُودَهُ لَا يُؤَثِّرُ فِي تَرْكِ مَغْفِرَةِ ذُنُوبِ الْحَاجِّ إِذَا كَانَ الْمُرَادُ بِهِ الْمُجَادَلَةَ فِي أَحْكَامِ الْحَجِّ فِيمَا يَظْهَرُ مِنَ الْأَدِلَّةِ ، أَوِ الْمُجَادَلَةَ بِطَرِيقِ التَّعْمِيمِ فَلَا يُؤَثِّرُ أَيْضًا ، فَإِنَّ الْفَاحِشَ مِنْهَا دَاخِلٌ فِي عُمُومِ الرَّفَثِ ، وَالْحَسَنَ مِنْهَا ظَاهِرٌ فِي عَدَمِ التَّأْثِيرِ ، وَالْمُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ لَا يُؤَثِّرُ أَيْضًا .