بَاب غَسْلِ الْخَلُوقِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ الثِّيَاب
بَاب غَسْلِ الْخَلُوقِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ الثِّيَابِ 1536 - قَالَ أَبُو عَاصِمٍ : أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ يَعْلَى أَخْبَرَهُ أَنَّ يَعْلَى قَالَ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَرِنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ يُوحَى إِلَيْهِ . قَالَ : فَبَيْنَمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْجِعْرَانَةِ وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَهُوَ مُتَضَمِّخٌ بِطِيبٍ ؟ فَسَكَتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَاعَةً ، فَجَاءَهُ الْوَحْيُ ، فَأَشَارَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى يَعْلَى ، فَجَاءَ يَعْلَى - وَعَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَوْبٌ قَدْ أُظِلَّ بِهِ - فَأَدْخَلَ رَأْسَهُ ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحْمَرُّ الْوَجْهِ وَهُوَ يَغِطُّ ، ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ فَقَالَ : أَيْنَ الَّذِي سَأَلَ عَنْ الْعُمْرَةِ ؟ فَأُتِيَ بِرَجُلٍ ، فَقَالَ : اغْسِلْ الطِّيبَ الَّذِي بِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، وَانْزِعْ عَنْكَ الْجُبَّةَ ، وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ كَمَا تَصْنَعُ فِي حَجَّتِكَ . قُلْتُ لِعَطَاءٍ : أَرَادَ الْإِنْقَاءَ حِينَ أَمَرَهُ أَنْ يَغْسِلَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ؟ قَالَ : نَعَمْ .
قَوْلُهُ : ( بَابُ غَسْلِ الْخَلُوقِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنَ الثِّيَابِ ) الْخَلُوقُ بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ نَوْعٌ مِنَ الطِّيبِ مُرَكَّبٌ فِيهِ زَعْفَرَانٌ . قَوْلُهُ : ( قَالَ أَبُو عَاصِمٍ ) هُوَ مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ وَلَمْ أَرَهُ عَنْهُ إِلَّا بِصِيغَةِ التَّعْلِيقِ ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فَقَالَ : ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي عَاصِمٍ بِلَا خَبَرٍ ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فَقَالَ : ذُكِرَهُ بِلَا رِوَايَةٍ . وَحَكَى الْكِرْمَانِيُّ أَنَّهُ وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ .
وَمُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ مَعْمَرٍ أَوِ ابْنُ بَشَّارٍ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْبُخَارِيُّ ، وَلَمْ يَقَعْ فِي الْمَتْنِ ذِكْرُ الْخَلُوقِ وَإِنَّمَا أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ وَهُوَ فِي أَبْوَابِ الْعُمْرَةِ بِلَفْظِ : وَعَلَيْهِ أَثَرُ الْخَلُوقِ . قَوْلُهُ : ( أَنَّ يَعْلَى ) هُوَ ابْنُ أُمَيَّةَ التَّمِيمِيُّ ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ مُنْيَةَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ النُّونِ وَفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ ، وَهِيَ أُمُّهُ ، وَقِيلَ : جَدَّتُهُ ، وَهُوَ وَالِدُ صَفْوَانَ الَّذِي رَوَى عَنْهُ ، وَلَيْسَتْ رِوَايَةُ صَفْوَانَ عَنْهُ لِهَذَا الْحَدِيثِ بِوَاضِحَةٍ ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِيهَا : إِنَّ يَعْلَى قَالَ لِعُمَرَ ، وَلَمْ يَقُلْ : إِنَّ يَعْلَى أَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَالَ لِعُمَرَ ، فَإِنْ يَكُنْ صَفْوَانُ حَضَرَ مُرَاجَعَتَهُمَا وَإِلَّا فَهُوَ مُنْقَطِعٌ ، لَكِنْ سَيَأْتِي فِي أَبْوَابِ الْعُمْرَةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ : عَنْ صَفْوَانِ بْنِ يَعْلَى ، عَنْ أَبِيهِ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ . قَوْلُهُ : ( جَاءهَ رَجُلٌ ) سَيَأْتِي بَعْدَ أَبْوَابٍ بِلَفْظِ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ ، لَكِنْ ذَكَرَ ابْنُ فَتْحُونٍ فِي الذَّيْلِ عَنْ تَفْسِيرِ الطُّرْطُوشِيِّ أَنَّ اسْمَهُ عَطَاءُ بْنُ مُنْيَةَ ، قَالَ ابْنُ فَتْحُونٍ : إِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ فَهُوَ أَخُو يَعْلَى بْنِ مُنْيَةَ رَاوِي الْخَبَرِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَطَأٌ مِنَ اسْمِ الرَّاوِي ، فَإِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ عَطَاءٍ ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى بْنِ مُنْيَةَ عَنْ أَبِيهِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَذْكُرْ بَيْنَ عَطَاءٍ ، وَيَعْلَى أَحَدًا ، وَوَقَعَ فِي شَرْحِ شَيْخِنَا سِرَاجِ الدِّينِ بْنِ الْمُلَقِّنِ مَا نَصُّهُ : هَذَا الرَّجُلُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَمْرَو بْنَ سَوَادٍ ؛ إِذْ فِي كِتَابِ الشِّفَاءِ لِلْقَاضِي عِيَاضٍ عَنْهُ قَالَ : أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا مُتَخَلِّقٌ ، فَقَالَ : وَرْسٌ وَرْسٌ ، حُطَّ حُطَّ ، وَغَشِيَنِي بِقَضِيبٍ بِيَدِهِ فِي بَطْنِي فَأَوْجَعَنِي ، الْحَدِيثَ .
فَقَالَ شَيْخُنَا : لَكِنْ عَمْرٌو هَذَا لَا يُدْرَكُ ذَا ، فَإِنَّهُ صَاحِبُ ابْنِ وَهْبٍ . انْتَهَى كَلَامُهُ . وَهُوَ مُعْتَرَضٌ مِنْ وَجْهَيْنِ ؛ أَمَّا أَوَّلًا فَلَيْسَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ شَبِيهَةً بِهَذِهِ الْقِصَّةِ حَتَّى يُفَسَّرَ صَاحِبُهَا بِهَا ، وَأَمَّا ثَانِيًا فَفِي الِاسْتِدْرَاكِ غَفْلَةٌ عَظِيمَةٌ لِأَنَّ مَنْ يَقُولُ : أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لَا يُتَخَيَّلُ فِيهِ أَنَّهُ صَاحِبُ ابْنِ وَهْبٍ صَاحِبِ مَالِكٍ ، بَلْ إِنْ ثَبَتَ فَهُوَ آخَرُ وَافَقَ اسْمُهُ اسْمَهُ وَاسْمُ أَبِيهِ اسْمَ أَبِيهِ ، وَالْفَرْضُ أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لِأَنَّهُ انْقَلَبَ عَلَى شَيْخِنَا ، وإِنَّمَا الَّذِي فِي الشِّفَاءِ سَوَادُ بْنُ عَمْرٍو ، وَقِيلَ : سَوَادَةُ بْنُ عَمْرٍو ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْمَذْكُورَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ وَالْبَغَوِيُّ فِي مُعْجَمِ الصَّحَابَةِ ، وَرَوَى الطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَفْصِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ يَعْلَى أَنَّهُ مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُتَخَلِّقٌ ، فَقَالَ : أَلَكَ امْرَأَةٌ ؟ قَالَ : لَا .
قَالَ : اذْهَبْ فَاغْسِلْهُ . فَقَدْ يَتَوَهَّمُ مَنْ لَا خِبْرَةَ لَهُ أَنَّ يَعْلَى بْنَ أُمَيَّةَ هُوَ صَاحِبُ الْقِصَّةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ ؛ فَإِنَّ رَاوِيَ هَذَا الْحَدِيثِ يَعْلَى بْنُ مُرَّةَ الثَّقَفِيُّ ، وَهِيَ قِصَّةٌ أُخْرَى غَيْرُ قِصَّةِ صَاحِبِ الْإِحْرَامِ . نَعَمْ رَوَى الطَّحَاوِيُّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّ يَعْلَى بْنَ أُمَيَّةَ صَاحِبَ الْقِصَّةِ قَالَ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ شُعَيْبٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ - هُوَ ابْنُ زِيَادٍ الْوَضَّاحِيُّ - حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ أَنَّ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ أَحْرَمَ وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَنْزِعَهَا .
قَالَ قَتَادَةُ : قُلْتُ لِعَطَاءٍ : إِنَّمَا كُنَّا نَرَى أَنْ نَشُقَّهَا ، فَقَالَ عَطَاءٌ : إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ . قَوْلُهُ : ( قَدْ أُظِلَّ بِهِ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ ؛ أَيْ جُعِلَ عَلَيْهِ كَالظُّلَّةِ . وَوَقَعَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ وَابْنِ أَبِي حَاتِمٍ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَئِذٍ ؛ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ - وَهُوَ الْإِتْمَامُ - يَسْتَدْعِي وُجُوبَ اجْتِنَابِ مَا يَقَعُ فِي الْعُمْرَةِ .
قَوْلُهُ : ( يَغِطُّ ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ ؛ أَيْ يَنْفُخُ . وَالْغَطِيطُ صَوْتُ النَّفْسِ الْمُتَرَدِّدِ مِنَ النَّائِمِ أَوِ الْمُغْمَى ، وَسَبَبُ ذَلِكَ شِدَّةُ ثِقَلِ الْوَحْيِ ، وَكَانَ سَبَبُ إِدْخَالِ يَعْلَى رَأْسَهُ عَلَيْهِ فِي تِلْكَ الْحَالِ أَنَّهُ كَانَ يُحِبُّ لَوْ رَآهُ فِي حَالَةِ نُزُولِ الْوَحْيِ كَمَا سَيَأْتِي فِي أَبْوَابِ الْعُمْرَةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ ، وَكَانَ يَقُولُ ذَلِكَ لِعُمَرَ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ حِينَئِذٍ : تَعَالَ فَانْظُرْ ، وَكَأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَشُقُّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَوْلُهُ : ( سُرِّيَ ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمَكْسُورَةِ ؛ أَيْ كُشِفَ عَنْهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ .
قَوْلُهُ : ( اغْسِلِ الطِّيبَ الَّذِي بِكَ ) هُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِثَوْبِهِ أَوْ بِبَدَنِهِ ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ . قَوْلُهُ : ( وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ مَا تَصْنَعُ فِي حَجَّتِكَ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ كَمَا تَصْنَعُ وَسَيَأْتِي فِي أَبْوَابِ الْعُمْرَةِ بِلَفْظِ : كَيْفَ تَأْمُرُنِي أَنْ أَصْنَعَ فِي عُمْرَتِي . وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ عَطَاءٍ : وَمَا كُنْتَ صَانِعًا فِي حَجِّكَ فَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ .
وَهُوَ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ أَعْمَالَ الْحَجِّ قَبْلَ ذَلِكَ ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : كَأَنَّهُمْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَخْلَعُونَ الثِّيَابَ وَيَجْتَنِبُونَ الطِّيبَ فِي الْإِحْرَامِ إِذَا حَجُّوا ، وَكَانُوا يَتَسَاهَلُونَ فِي ذَلِكَ فِي الْعُمْرَةِ ، فَأَخْبَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ مَجْرَاهُمَا وَاحِدٌ . وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ : قَوْلُهُ واصْنَعْ مَعْنَاهُ اتْرُكْ ، لِأَنَّ الْمُرَادَ بَيَانُ مَا يَجْتَنِبُهُ الْمُحْرِمُ ، فَيُؤْخَذُ مِنْهُ فَائِدَةٌ حَسَنَةٌ ؛ وَهِيَ أَنَّ التَّرْكَ فِعْلٌ . قَالَ : وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ بَطَّالٍ : أَرَادَ الْأَدْعِيَةَ وَغَيْرَهَا مِمَّا يَشْتَرِكُ فِيهِ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ ، فَفِيهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّ التُّرُوكَ مُشْتَرَكَةٌ بِخِلَافِ الْأَعْمَالِ ، فَإِنَّ فِي الْحَجِّ أَشْيَاءَ زَائِدةً عَلَى الْعُمْرَةِ ، كَالْوُقُوفِ وَمَا بَعْدَهُ .
وَقَالَ النَّوَوِيُّ كَمَا قَالَ ابنُ بَطَّالٍ ، وَزَادَ : وَيُسْتَثْنَى مِنَ الْأَعْمَالِ مَا يَخْتَصُّ بِهِ الْحَجُّ . وَقَالَ الْبَاجِيُّ : الْمَأْمُورُ بِهِ غَيْرُ نَزْعِ الثَّوْبِ وَغَسْلِ الْخَلُوقِ ، لِأَنَّهُ صَرَّحَ لَهُ بِهِمَا فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْفِدْيَةُ . كَذَا قَالَ ، وَلَا وَجْهَ لِهَذَا الْحَصْرِ ، بَلِ الَّذِي تَبَيَّنَ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ الْغَسْلُ وَالنَّزْعُ ، وَذَلِكَ أَنَّ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَالنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَعَنْ عَطَاءٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، فَقَالَ : مَا كُنْتُ صَانِعًا فِي حَجِّكَ ؟ قَالَ : أَنْزِعُ عَنِّي هَذِهِ الثِّيَابَ وَأَغْسِلُ عَنِّي هَذَا الْخَلُوقَ .
فَقَالَ : مَا كُنْتَ صَانِعًا فِي حَجِّكَ فَاصْنَعْهُ فِي عُمْرَتِكَ قَوْلُهُ : ( فَقُلْتُ لِعَطَاءٍ ) الْقَائِلُ هُوَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، وَهُوَ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ فَهِمَ مِنَ السِّيَاقِ أَنَّ قَوْلَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ لَفْظِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لَكِنْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ كَلَامِ الصَّحَابِيِّ ، وَأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعَادَ لَفْظَةَ اغْسِلْهُ مَرَّةً ثُمَّ مَرَّةً عَلَى عَادَتِهِ أَنَّهُ كَانَ إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلَاثا لِتُفْهَمَ عَنْهُ ، نَبَّهَ عَلَيْهِ عِيَاضٌ . قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ : لَيْسَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّ الْخَلُوقَ كَانَ عَلَى الثَّوْبِ كَمَا فِي التَّرْجَمَةِ ، وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ مُتَضَمِّخًا . وَقَوْلُهُ لَهُ : اغْسِلِ الطِّيبَ الَّذِي بِكَ ، يُوَضِّحُ أَنَّ الطِّيبَ لَمْ يَكُنْ فِي ثَوْبِهِ ، وَإِنَّمَا كَانَ عَلَى بَدَنِهِ ، وَلَوْ كَانَ عَلَى الْجُبَّةِ لَكَانَ فِي نَزْعِهَا كِفَايَةٌ مِنْ جِهَةِ الْإِحْرَامِ ا هـ .
وَالْجَوَابُ أَنَّ الْبُخَارِيَّ عَلَى عَادَتِهِ يُشِيرُ إِلَى مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ الَّذِي يُورِدُهُ ، وَسَيَأْتِي فِي محُرَّمَاتِ الْإِحْرَامِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ بِلَفْظِ : عَلَيْهِ قَمِيصٌ فِيهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ . وَالْخَلُوقُ فِي الْعَادَةِ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الثَّوْبِ ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ عَطَاءٍ بِلَفْظِ : رَأَى رَجُلًا عَلَيْهِ جُبَّةٌ عَلَيْهَا أَثَرُ خَلُوقٍ . وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ رَبَاحِ بْنِ أَبِي مَعْرُوفٍ ، عَنْ عَطَاءٍ مِثْلَهُ ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ وَمَنْصُورٌ وَغَيْرُهُمَا ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي أَحْرَمْتُ وَعَلَيَّ جُبَّتِي هَذِهِ .
وَعَلَى جُبَّتِهِ رَدْغٌ مِنْ خَلُوقٍ ، الْحَدِيثَ . وَفِيهِ : فَقَالَ : اخْلَعْ هَذِهِ الْجُبَّةَ وَاغْسِلْ هَذَا الزَّعْفَرَانَ . وَاسْتُدِلَّ بِحَدِيثِ يَعْلَى عَلَى مَنْعِ اسْتِدَامَةِ الطِّيبِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ لِلْأَمْرِ بِغَسْلِ أَثَرِهِ مِنَ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ .
وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ بِأَنَّ قِصَّةَ يَعْلَى كَانَتْ بِالْجِعِرَّانَةِ كَمَا ثَبَتَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَهِيَ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ بِلَا خِلَافٍ . وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا طَيَّبَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدَيْهَا عِنْدَ إِحْرَامِهَا كَمَا سَيَأْتِي فِي الَّذِي بَعْدَهُ ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ سَنَةَ عَشْرٍ بِلَا خِلَافٍ ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ بِالْآخِرِ فَالْآخِرِ مِنَ الْأَمْرِ ، وَبِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِغَسْلِهِ فِي قِصَّةِ يَعْلَى إِنَّمَا هُوَ الْخَلُوقُ لَا مُطْلَقُ الطِّيبِ ، فَلَعَلَّ عِلَّةَ الْأَمْرِ فِيهِ مَا خَالَطَهُ مِنَ الزَّعْفَرَانِ . وَقَدْ ثَبَتَ النَّهْيُ عَنْ تَزَعْفُرِ الرَّجُلِ مُطْلَقًا مُحْرِمًا وَغَيْرَ مُحْرِمٍ ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْآتِي قَرِيبًا : وَلَا يَلْبَسُ - أَيِ الْمُحْرِمُ - مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَعْفَرَان .
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْآتِي أَيْضًا : وَلَمْ يَنْهَ إِلَّا عَنِ الثِّيَابِ الْمُزَعْفَرَةِ . وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ فِي ذَلِكَ في الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ أَصَابَهُ طِيبٌ فِي إِحْرَامِهِ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا ثُمَّ عَلِمَ فَبَادَرَ إِلَى إِزَالَتِهِ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ ، وَقَالَ مَالِكٌ : إِنْ طَالَ ذَلِكَ عَلَيْهِ لَزِمَهُ . وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ : يَجِبُ مُطْلَقًا ، وَعَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ إِذَا صَارَ عَلَيْهِ الْمَخِيطُ نَزَعَهُ وَلَا يَلْزَمُهُ تَمْزِيقُهُ وَلَا شَقُّهُ خِلَافًا لِلنَّخَعِيِّ ، وَالشَّعْبِيِّ ؛ حَيْثُ قَالَا : لَا يَنْزِعُهُ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ لِئَلَّا يَصِيرَ مُغَطِّيًا لِرَأْسِهِ .
أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُمَا . وَعَنْ عَلِيٍّ نَحْوَهُ ، وَكَذَا عَنِ الْحَسَنِ ، وَأَبِي قِلَابَةَ . وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ بِلَفْظِ : اخْلَعْ عَنْكَ الْجُبَّةَ ، فَخَلَعَهَا مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ .
وَعَلَى أَنَّ الْمُفْتِيَ وَالْحَاكِمَ إِذَا لَمْ يَعْرِفِ الْحُكْمَ يُمْسِكُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ ، وَعَلَى أَنَّ بَعْضَ الْأَحْكَامِ ثَبَتَ بِالْوَحْيِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يُتْلَى ، لَكِنْ وَقَعَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ أَنَّ الَّذِي نَزَلَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ وَعَلَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَحْكُمْ بِالِاجْتِهَادِ إِلَّا إِذَا لَمْ يَحْضُرْهُ الْوَحْيُ .