حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب التَّمَتُّعِ وَالْإِقْرَانِ وَالْإِفْرَادِ بِالْحَجِّ وَفَسْخِ الْحَجّ

حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ : حَدَّثَنِي مَالِكٌ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ حَفْصَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا بِعُمْرَةٍ وَلَمْ تَحْلِلْ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ ؟ قَالَ : إِنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي وَقَلَّدْتُ هَدْيِي ، فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ . الْحَدِيثُ الْخَامِسُ : حَدِيثُ حَفْصَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا بِعُمْرَةٍ .

الْحَدِيثَ . لَمْ يَقَعْ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ قَوْلُهُ : بِعُمْرَةٍ . وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ أَصْحَابَ مَالِكٍ ذَكَرَهَا بَعْضُهُمْ وَحَذَفَهَا بَعْضُهُمْ ، وَاسْتُشْكِلَ كَيْفَ حَلُّوا بِعُمْرَةٍ مَعَ قَوْلِهَا : وَلَمْ تُحِلَّ مِنْ عُمْرَتِكَ ؟ ! وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ بقَوْلُهَا بِعُمْرَةٍ ؛ أَيْ أنَّ إِحْرَامَهُمْ بِعُمْرَةٍ كَانَ سَبَبًا لِسُرْعَةِ حِلِّهِمْ ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ لَا يَتَحَلَّلُ مِنْ عَمَلِ الْعُمْرَةِ حَتَّى يُحِلَّ بِالْحَجِّ وَيَفْرُغَ مِنْهُ ، لِأَنَّهُ جَعَلَ الْعِلَّةَ فِي بَقَائِهِ عَلَى إِحْرَامِهِ كَوْنَهُ أَهْدَى ، وَكَذَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ سَابِعَ أَحَادِيثِ الْبَابِ ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَنْحَرَ الْهَدْيَ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَحْمَدَ وَمَنْ وَافَقَهُمَا ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ أَوَّلِ حَدِيثِ الْبَابِ : فَأَمَرَ مَنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَ الْهَدْيَ أَنْ يُحِلَّ .

وَالْأَحَادِيثُ بِذَلِكَ مُتَضَافِرَةٌ ، وَأَجَابَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ السَّبَبَ فِي عَدَمِ تَحَلُّلِهِ مِنَ الْعُمْرَةِ كَوْنُهُ أَدْخَلَهَا عَلَى الْحَجِّ ، وَهُوَ مُشْكِلٌ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ : إِنَّ حَجَّهُ كَانَ مُفْرَدًا . وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : لَيْسَ لِمَنْ قَالَ كَانَ مُفْرَدًا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ انْفِصَالٌ ؛ لِأَنَّهُ إِنْ قَالَ بِهِ اسْتُشْكِلَ عَلَيْهِ كَوْنُهُ عَلَّلَ عَدَمَ التَّحَلُّلِ بِسَوْقِ الْهَدْيِ ، لِأَنَّ عَدَمَ التَّحَلُّلِ لَا يَمْتَنِعُ عَلَى مَنْ كَانَ قَارِنًا عِنْدَهُ ، وَجَنَحَ الْأَصِيلِيُّ وَغَيْرُهُ إِلَى تَوْهِيمِ مَالِكٍ فِي قَوْلِهِ : وَلَمْ تَحِلَّ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ ، وَأَنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ فِي حَدِيثِ حَفْصَةَ غَيْرُهُ ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ - عَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ انْفِرَادِهِ - بِأَنَّهَا زِيَادَةُ حَافِظٍ ، فَيَجِبُ قَبُولُهَا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَنْفَرِدْ ، فَقَدْ تَابَعَهُ أَيُّوبُ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، وَهُمَا مَعَ ذَلِكَ حُفَّاظٌ أَصْحَابُ نَافِعٍ ، انْتَهَى . وَرِوَايَةُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، وَالْبُخَارِيُّ مِنْ رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَةِ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ ؛ ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ نَافِعٍ بِدُونِهَا .

وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ : فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَحِلَّ مِنَ الْحَجِّ ، وَلَا تُنَافِي هَذِهِ رِوَايَةَ مَالِكٍ ، لِأَنَّ الْقَارِنَ لَا يَحِلُّ مِنَ الْعُمْرَةِ وَلَا مِنَ الْحَجِّ حَتَّى يَنْحَرَ ، فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِمَنْ تَمَسَّكَ بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مُتَمَتِّعًا كَمَا سَيَأْتِي ، لِأَنَّ قَوْلَ حَفْصَةَ : وَلَمْ تَحِلَّ مِنْ عُمْرَتِكَ وَقَوْلُهُ هُوَ : حَتَّى أَحِلَّ مِنَ الْحَجِّ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ كَانَ قَارِنًا . وَأَجَابَ مَنْ قَالَ كَانَ مُفْرِدًا عَنْ قَوْلِهِ : وَلَمْ تَحِلَّ مِنْ عُمْرَتِكَ بِأَجْوِبَةٍ : أَحَدُهَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ : مَعْنَاهُ وَلَمْ تَحِلَّ أَنْتَ مِنْ إِحْرَامِكَ الَّذِي ابْتَدَأَتْهُ مَعَهُمْ بِنِيَّةٍ وَاحِدَةٍ ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ : لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الْهَدْيَ وَلَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ وَلَمْ تَحِلَّ مِنْ حَجِّكَ بِعُمْرَةٍ كَمَا أَمَرْتَ أَصْحَابِكَ ، قَالُوا : وَقَدْ تَأْتِي مِنْ بِمَعْنَى الْبَاءِ ، كَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ؛ أَيْ بِأَمْرِ اللَّهِ ، وَالتَّقْدِيرُ : وَلَمْ تَحِلَّ أَنْتَ بِعُمْرَةٍ مِنْ إِحْرَامِكَ ، وَقِيلَ : ظَنَّتْ أَنَّهُ فَسَخَ حَجَّهُ بِعُمْرَةٍ كَمَا فَعَلَ أَصْحَابُهُ بِأَمْرِهِ ، فَقَالَتْ : لِمَ لَمْ تَحِلَّ أَنْتَ أَيْضًا مِنْ عُمْرَتِكَ ؟ وَلَا يَخْفَى مَا فِي بَعْضِ هَذِهِ التَّأْوِيلَاتِ مِنَ التَّعَسُّفِ .

وَالَّذِي تَجْتَمِعُ بِهِ الرِّوَايَاتُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ قَارِنًا ، بِمَعْنَى أَنَّهُ أَدْخَلَ الْعُمْرَةَ عَلَى الْحَجِّ بَعْدَ أَنْ أَهَلَّ بِهِ مُفْرِدًا ، لَا أَنَّهُ أَوَّلُ مَا أَهَلَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مَعًا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ عُمَرَ مَرْفُوعًا : وَقُلْ : عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ ، وَحَدِيثُ أَنَسٍ : ثُمَّ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ . وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ : جَمَعَ بَيْنَ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ . وَلِأَبِي دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ مَرْفُوعًا : إنِّي سُقْتُ الْهَدْيَ وَقَرَنْتُ .

وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ مِثْلُهُ ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ سُرَاقَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَنَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ . وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي طَلْحَةَ : جَمَعَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ . وَلِلدَّارقُطْنِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ ، وَأَبِي قَتَادَةَ ، وَالْبَزَّارِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى ؛ ثَلَاثَتُهُمْ مَرْفُوعًا مِثْلُهُ .

وَأَجَابَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَغَيْرِهَا نُصْرَةً لِمَنْ قَالَ : إِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مُفْرِدًا ، فَنُقِلَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ أَنَّ رِوَايَةَ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ أَنَسٍ - أَنَّهُ سَمِعَهُمْ يَصْرُخُونَ بِهِمَا جَمِيعًا - أَثْبَتُ مِنْ رِوَايَةِ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَعَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ ، ثُمَّ تَعَقَّبَهُ بِأَنَّ قَتَادَةَ وَغَيْرَهُ مِنَ الْحُفَّاظِ رَوَوْهُ عَنْ أَنَسٍ كَذَلِكَ ، فَالِاخْتِلَافُ فِيهِ عَلَى أَنَسٍ نَفْسِهِ ، قَالَ : فَلَعَلَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمُ غَيْرَهُ كَيْفَ يُهِلُّ بِالْقِرَانِ ، فَظَنَّ أَنَّهُ أَهَلَّ عَنْ نَفْسِهِ ، وَأَجَابَ عَنْ حَدِيثِ حَفْصَةَ بِمَا نُقِلَ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهَا : وَلَمْ تَحِلَّ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ ؛ أَيْ مِنْ إِحْرَامِكَ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَعَنْ حَدِيثِ عُمَرَ بِأَنَّ جَمَاعَةً رَوَوْهُ بِلَفْظِ : صَلَّى فِي هَذَا الْوَادِي ، وَقَالَ : عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ . قَالَ : وَهَؤُلَاءِ أَكْثَرُ عَدَدًا مِمَّنْ رَوَاهُ : وَقُلْ : عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ ، فَيَكُونُ إِذْنًا فِي الْقِرَانِ لَا أَمْرًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَالِ نَفْسِهِ . وَعَنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ إِذْنُهُ لِأَصْحَابِهِ فِي الْقِرَانِ بِدَلِيلِ رِوَايَتِهِ الْأُخْرَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْمَرَ بَعْضَ أَهْلِهِ فِي الْعَشْرِ ، وَرِوَايَتِهِ الْأُخْرَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَمَتَّعَ ، فَإِنَّ مُرَادَهُ بِكُلِّ ذَلِكَ إِذْنُهُ فِي ذَلِكَ .

وَعَنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ بِأَنَّهُ سَاقَهُ فِي قِصَّةِ عَلِيٍّ ، وَقَدْ رَوَاهَا أَنَسٌ - يَعْنِي كَمَا تَقَدَّمَ - فِي هَذَا الْبَابِ ، وَجَابِرٌ كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَلَيْسَ فِيهَا لَفْظُ : وَقَرَنْتُ ، وَأَخْرَجَ حَدِيثَ مُجَاهِدٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : لَقَدْ عَلِمَ ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدِ اعْتَمَرَ ثَلَاثًا سِوَى الَّتِي قَرَنَهَا فِي حَجَّتِهِ . أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : تَفَرَّدَ أَبُو إِسْحَاقَ ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِهَذَا ، وَقَدْ رَوَاهُ مَنْصُورٌ ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ : فَقَالَتْ : مَا اعْتَمَرَ فِي رَجَبٍ قَطُّ . وَقَالَ : هَذَا هُوَ الْمَحْفُوظُ ؛ يَعْنِي كَمَا سَيَأْتِي فِي أَبْوَابِ الْعُمْرَةِ ، ثُمَّ أَشَارَ إِلَى أَنَّهُ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى أَبِي إِسْحَاقَ ، فَرَوَاهُ زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ عَنْهُ هَكَذَا .

وَقَالَ زَكَرِيَّا ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنِ الْبَرَاءِ ، ثُمَّ رَوَى حَدِيثَ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَجَّ حَجَّتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ وَحَجَّةً قَرَنَ مَعَهَا عُمْرَةً ؛ يَعْنِي بَعْدَ مَا هَاجَرَ . وَحُكِيَ عَنِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ أَعَلَّهُ لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْهُ ، وَزَيْدٌ رُبَّمَا يَهِمُ فِي الشَّيْءِ ، وَالْمَحْفُوظُ عَنِ الثَّوْرِيِّ مُرْسَلٌ ، وَالْمَعْرُوفُ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهَلَّ بِالْحَجِّ خَالِصًا ، ثُمَّ رَوَى حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَ حَدِيثِ مُجَاهِدٍ عَنْ عَائِشَةَ ، وَأَعَلَّهُ بِدَاوُدَ الْعَطَّارِ ، وَقَالَ : إِنَّهُ تَفَرَّدَ بِوَصْلِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَرَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرٍو فَأَرْسَلَهُ ؛ لَمْ يَذْكُرِ ابْنَ عَبَّاسٍ ، ثُمَّ رَوَى حَدِيثَ الصُّبَيِّ بْنِ مَعْبَدٍ أَنَّهُ أَهَلَّ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مَعًا ، فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : هُدِيتَ لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ ، الْحَدِيثَ . وَهُوَ فِي السُّنَنِ ، وَفِيهِ قِصَّةٌ ، وَأَجَابَ عَنْهُ بِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْقِرَانِ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ قَارِنًا ، وَلَا يَخْفَى مَا فِي هَذِهِ الْأَجْوِبَةِ مِنَ التَّعَسُّفِ .

وَقَالَ النَّوَوِيُّ : الصَّوَابُ الَّذِي نَعْتَقِدُهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ قَارِنًا ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَعْتَمِرْ فِي تِلْكَ السَّنَةِ بَعْدَ الْحَجِّ ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْقِرَانَ أَفْضَلُ مِنَ الْإِفْرَادِ الَّذِي لَا يَعْتَمِرُ فِي سَنَتِهِ عِنْدنَا ، وَلَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ أَنَّ الْحَجَّ وَحْدَهُ أَفْضَلُ مِنَ الْقِرَانِ ، كَذَا قَالَ . وَالْخِلَافُ ثَابِتٌ قَدِيمًا وَحَدِيثًا ؛ أَمَّا قَدِيمًا فَالثَّابِتُ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّ أَتَمَّ لِحَجِّكُمْ وَعُمْرَتِكُمْ أَنْ تُنْشِئُوا لِكُلٍّ مِنْهُمَا سَفَرًا . وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوُهُ ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرُهُ .

وَأَمَّا حَدِيثًا فَقَدْ صَرَّحَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ ، وَالْمُتَوَلِّي بِتَرْجِيحِ الْإِفْرَادِ ، وَلَوْ لَمْ يَعْتَمِرْ فِي تِلْكَ السَّنَةِ ، وَقَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ : الْخِلَافُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الشَّافِعِيِّ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْقَارِنَ يَطُوفُ طَوَافًا وَاحِدًا وَسَعْيًا وَاحِدًا ، فَبِهَذَا قَالَ : إِنَّ الْإِفْرَادَ أَفْضَلُ ، وَنَحْنُ عِنْدَنَا أَنَّ الْقَارِنَ يَطُوفُ طَوَافَيْنِ وَسَعْيَيْنِ ، فَهُوَ أَفْضَلُ لِكَوْنِهِ أَكْثَرَ عَمَلًا . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ فِيمَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ مُحْرِمًا ، وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ كُلَّ رَاوٍ أَضَافَ إِلَيْهِ مَا أُمِرَ بِهِ اتِّسَاعًا ، ثُمَّ رُجِّحَ بِأَنَّهُ كَانَ أَفْرَدَ الْحَجَّ ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ ، وَقَدْ بَسَطَ الشَّافِعِيُّ الْقَوْلَ فِيهِ فِي اخْتِلَافُ الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ ، وَرُجِّحَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْرَمَ إِحْرَامًا مُطْلَقًا يَنْتَظِرُ مَا يُؤْمَرُ بِهِ ، فَنُزِّلَ عَلَيْهِ الْحُكْمُ بِذَلِكَ وَهُوَ عَلَى الصَّفَا ، وَرَجَّحُوا الْإِفْرَادَ أَيْضًا بِأَنَّ الْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ وَاظَبُوا عَلَيْهِ ، وَلَا يُظَنُّ بِهِمُ الْمُوَاظَبَةُ عَلَى تَرْكِ الْأَفْضَلِ ، وَبِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ كَرِهَ الْإِفْرَادَ ، وَقَدْ نُقِلَ عَنْهُمْ كَرَاهِيَةُ التَّمَتُّعِ وَالْجَمْعِ بَيْنَهُمَا حَتَّى فَعَلَهُ عَلِيٌّ لِبَيَانِ الْجَوَازِ ، وَبِأَنَّ الْإِفْرَادَ لَا يَجِبُ فِيهِ دَمٌ بِالْإِجْمَاعِ بِخِلَافِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ ، انْتَهَى . وَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ دَمَ الْقِرَانِ دَمُ جُبْرَانٍ ، وَقَدْ مَنَعَهُ مَنْ رَجَّحَ الْقِرَانَ ، وَقَالَ : إِنَّهُ دَمُ فَضْلٍ وَثَوَابٍ كَالْأُضْحِيَّةِ ، وَلَوْ كَانَ دَمَ نَقْصٍ لَمَا قَامَ الصِّيَامُ مَقَامَهُ ، وَلِأَنَّهُ يُؤْكَلُ مِنْهُ ، وَدَمُ النَّقْصِ لَا يُؤْكَلُ مِنْهُ كَدَمِ الْجَزَاءِ ، قَالَهُ الطَّحَاوِيُّ .

وَقَالَ عِيَاضٌ نَحْوَ مَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ ، وَزَادَ : وَأَمَّا إِحْرَامُهُ هُوَ ، فَقَدْ تَضَافَرَتِ الرِّوَايَاتُ الصَّحِيحَةُ بِأَنَّهُ كَانَ مُفْرِدًا ، وَأَمَّا رِوَايَةُ مَنْ رَوَى مُتَمَتِّعًا فَمَعْنَاهُ أَمَرَ بِهِ ، لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِقَوْلِهِ : وَلَوْلَا أَنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ لَأَحْلَلْتُ . فَصَحَّ أَنَّهُ لَمْ يَتَحَلَّلْ . وَأَمَّا رِوَايَةُ مَنْ رَوَى الْقِرَانَ ، فَهُوَ إِخْبَارٌ عَنْ آخِرِ أَحْوَالِهِ ، لِأَنَّهُ أَدْخَلَ الْعُمْرَةَ عَلَى الْحَجِّ لَمَّا جَاءَ إِلَى الْوَادِي ، وَقِيلَ لَهُ : قُلْ : عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ ، انْتَهَى .

وَهَذَا الْجَمْعُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ ، وَقَدْ سَبَقَ إِلَيْهِ قَدِيمًا ابْنُ الْمُنْذِرِ وَبَيَّنَهُ ابْنُ حَزْمٍ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بَيَانًا شَافِيًا ، وَمَهَّدَهُ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ تَمْهِيدًا بَالِغًا يَطُولُ ذِكْرُهُ ، وَمُحَصَّلُهُ أَنَّ كُلَّ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ الْإِفْرَادُ حُمِلَ عَلَى مَا أَهَلَّ بِهِ فِي أَوَّلِ الْحَالِ ، وَكُلَّ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ التَّمَتُّعُ أَرَادَ مَا أَمَرَ بِهِ أَصْحَابَهُ ، وَكُلَّ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ الْقِرَانُ أَرَادَ مَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ أَمْرُهُ ، وَيَتَرَجَّحُ رِوَايَةُ مَنْ رَوَى الْقِرَانَ بِأُمُورٍ ، مِنْهَا : أَنَّ مَعَهُ زِيَادَةُ عِلْمٍ عَلَى مَنْ رَوَى الْإِفْرَادَ وَغَيْرَهُ ، وَبِأَنَّ مَنْ رَوَى الْإِفْرَادَ وَالتَّمَتُّعَ اخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ ؛ فَأَشْهَرُ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ الْإِفْرَادُ عَائِشَةُ - وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهَا أَنَّهُ اعْتَمَرَ مَعَ حَجَّتِهِ كَمَا تَقَدَّمَ - وَابْنُ عُمَرَ - وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَدَأَ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ كَمَا سَيَأْتِي فِي أَبْوَابِ الْهَدْيِ ، وَثَبَتَ أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ ، ثُمَّ حَدَثَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَ ذَلِكَ ، وَسَيَأْتِي أَيْضًا - وَجَابِرٌ - وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ : إِنَّهُ اعْتَمَرَ مَعَ حَجَّتِهِ أَيْضًا . وَرَوَى الْقِرَانَ عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ لَمْ يُخْتَلَفْ عَلَيْهِمْ فِيهِ ، وَبِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ النَّقْلُ عَنْهُ مِنْ لَفْظِهِ أَنَّهُ قَالَ : أَفْرَدْتُ وَلَا تَمَتَّعْتُ ، بَلْ صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : قَرَنْتُ ، وَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : لَوْلَا أَنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ لَأَحْلَلْتُ . وَأَيْضًا فَإِنَّ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ الْقِرَانُ لَا يَحْتَمِلُ حَدِيثُهُ التَّأْوِيلَ إِلَّا بِتَعَسُّفٍ ، بِخِلَافِ مَنْ رَوَى الْإِفْرَادَ فَإِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَوَّلِ الْحَالِ وَيَنْتَفِي التَّعَارُضُ ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ مَنْ جَاءَ عَنْهُ الْإِفْرَادُ جَاءَ عَنْهُ صُورَةُ الْقِرَانِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَمَنْ رُوِيَ عَنْهُ التَّمَتُّعُ فَإِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الِاقْتِصَارِ عَلَى سَفَرٍ وَاحِدٍ لِلنُّسُكَيْنِ ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ مَنْ جَاءَ عَنْهُ التَّمَتُّعُ لَمَّا وَصَفَهُ وَصَفَهُ بِصُورَةِ الْقِرَانِ ، لِأَنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَحِلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ حَتَّى أَتَمَّ عَمَلَ جَمِيعِ الْحَجِّ ، وَهَذِهِ إِحْدَى صُوَرِ الْقِرَانِ .

وَأَيْضًا فَإِنَّ رِوَايَةَ الْقِرَانِ جَاءَتْ عَنْ بِضْعَةِ عَشَرَ صَحَابِيًّا بِأَسَانِيدَ جِيَادٍ ، بِخِلَافِ رِوَايَتَيِ الْإِفْرَادِ وَالتَّمَتُّعِ ، وَهَذَا يَقْتَضِي رَفْعَ الشَّكِّ عَنْ ذَلِكَ وَالْمَصِيرَ إِلَى أَنَّهُ كَانَ قَارِنًا ، وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْقِرَانُ أَفْضَلَ مِنَ الْإِفْرَادِ وَمِنَ التَّمَتُّعِ وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ، وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ ، وَاخْتَارَهُ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ الْمُزَنِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَأَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ ، وَمِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ . وَبَحَثَ مَعَ النَّوَوِيِّ فِي اخْتِيَارِهِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ قَارِنًا وَأَنَّ الْإِفْرَادَ مَعَ ذَلِكَ أَفْضَلُ ، مُسْتَنِدًا إِلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اخْتَارَ الْإِفْرَادَ أَوَّلًا ، ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهِ الْعُمْرَةَ لِبَيَانِ جَوَازِ الِاعْتِمَارِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ لِكَوْنِهِمْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَهُ مِنْ أَفْجَرِ الْفُجُورِ كَمَا فِي ثَالِثِ أَحَادِيثِ الْبَابِ ، وَمُلَخَّصُ مَا يُتَعَقَّبُ بِهِ كَلَامُهُ أَنَّ الْبَيَانَ قَدْ سَبَقَ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عُمَرِهِ الثَّلَاثِ ، فَإِنَّهُ أَحْرَمَ بِكُلٍّ مِنْهَا : فِي ذِي الْقَعْدَةِ عُمْرَةَ الْحُدَيْبِيَةِ الَّتِي صُدَّ عَنِ الْبَيْتِ فِيهَا ، وَعُمْرَةَ الْقَضِيَّةِ الَّتِي بَعْدَهَا ، وَعُمْرَةَ الْجِعْرَانَةِ . وَلَوْ كَانَ أَرَادَ بِاعْتِمَارِهِ معَ حَجَّتِهِ بَيَانَ الْجَوَازِ فَقَطْ مَعَ أَنَّ الْأَفْضَلَ خِلَافُهُ لَاكْتَفَى فِي ذَلِكَ بِأَمْرِهِ أَصْحَابَهُ أَنْ يَفْسَخُوا حَجَّهُمْ إِلَى الْعُمْرَةِ .

وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ إِلَى أَنَّ التَّمَتُّعَ أَفْضَلُ لِكَوْنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَمَنَّاهُ ، فَقَالَ : لَوْلَا أَنِّي سُقْتُ الْهَدْيَ لَأَحْلَلْتُ . وَلَا يَتَمَنَّى إِلَّا الْأَفْضَلَ ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ إِنَّمَا تَمَنَّاهُ تَطْيِيبًا لِقُلُوبِ أَصْحَابِهِ لِحُزْنِهِمْ عَلَى فَوَاتِ مُوَافَقَتِهِ ، وَإِلَّا فَالْأَفْضَلُ مَا اخْتَارَهُ اللَّهُ لَهُ وَاسْتَمَرَّ عَلَيْهِ . وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ : يَتَرَجَّحُ التَّمَتُّعُ بِأَنَّ الَّذِي يُفْرِدُ إِنِ اعْتَمَرَ بَعْدَهَا فَهِيَ عُمْرَةٌ مُخْتَلَفٌ فِي إِجْزَائِهَا عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ بِخِلَافِ عُمْرَةِ التَّمَتُّعِ فَهِيَ مُجْزِئَةٌ بِلَا خِلَافٍ ، فَيَتَرَجَّحُ التَّمَتُّعُ عَلَى الْإِفْرَادِ وَيَلِيهِ الْقِرَانُ ، وَقَالَ مَنْ رَجَّحَ الْقِرَانَ : هُوَ أَشَقُّ مِنَ التَّمَتُّعِ ، وَعُمْرَتُهُ مُجْزِئَةٌ بِلَا خِلَافٍ ، فَيَكُونُ أَفْضَلَ مِنْهُمَا .

وَحَكَى عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الصُّوَرَ الثَّلَاثَ فِي الْفَضْلِ سَوَاءٌ ، وَهُوَ مُقْتَضَى تَصَرُّفِ ابْنِ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ الْقِرَانُ وَالتَّمَتُّعُ فِي الْفَضْلِ سَوَاءٌ ، وَهُمَا أَفْضَلُ مِنَ الْإِفْرَادِ ، وَعَنْ أَحْمَدَ : مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ فَالْقِرَانُ أَفْضَلُ لَهُ لِيُوَافِقَ فِعْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَمَنْ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ فَالتَّمَتُّعُ أَفْضَلُ لَهُ لِيُوَافِقَ مَا تَمَنَّاهُ وَأَمَرَ بِهِ أَصْحَابَهُ . زَادَ بَعْضُ أَتْبَاعِهِ : وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُنْشِئَ لِعُمْرَتِهِ مِنْ بَلَدِهِ سَفَرًا فَالْإِفْرَادُ أَفْضَلُ لَهُ . قَالَ : وَهَذَا أَعْدَلُ الْمَذَاهِبِ وَأَشْبَهُهَا بِمُوَافَقَةِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ ، فَمَنْ قَالَ : الْإِفْرَادُ أَفْضَلُ ، فَعَلَى هَذَا يَتَنَزَّلُ ؛ لِأَنَّ أَعْمَالَ سَفَرَيْنِ لِلنُّسُكَيْنِ أَكْثَرُ مَشَقَّةً ، فَيَكُونُ أَعْظَمَ أَجْرًا ، وَلِتُجْزِئُ عَنْهُ عُمْرَتُهُ مِنْ غَيْرِ نَقْصٍ وَلَا اخْتِلَافٍ .

وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ عَلَى نَمَطٍ آخَرَ مَعَ مُوَافَقَتِهِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَارِنًا كَالطَّحَاوِيِّ ، وَابْنِ حِبَّانَ وَغَيْرِهِمَا ، فَقِيلَ : أَهَلَّ أَوَّلًا بِعُمْرَةٍ ، ثُمَّ لَمْ يَتحْلِلْ مِنْهَا إِلَى أَنْ أَدْخَلَ عَلَيْهَا الْحَجَّ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ ، وَمُسْتَنَدُ هَذَا الْقَائِلِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الْآتِي فِي أَبْوَابِ الْهَدْيِ بِلَفْظِ : فَبَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعُمْرَةِ ، ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ . وَهَذَا لَا يُنَافِي إِنْكَارَ ابْنِ عُمَرَ عَلَى أَنَسٍ كَوْنَهُ نَقَلَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهَلَّ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ كَمَا سَيَأْتِي فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِنَ الْمَغَازِي ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مَحَلُّ إِنْكَارِهِ كَوْنَهُ نَقَلَ أَنَّهُ أَهَلَّ بِهِمَا مَعًا ، وَإِنَّمَا الْمَعْرُوفُ عِنْدَهُ أَنَّهُ أَدْخَلَ أَحَدَ النُّسُكَيْنِ عَلَى الْآخَرِ ، لَكِنَّ جَزْمَهُ بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَدَأَ بِالْعُمْرَةِ مُخَالِفٌ لِمَا عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَحَادِيثِ فَهُوَ مَرْجُوحٌ ، وَقِيلَ : أَهَلَّ أَوَّلًا بِالْحَجِّ مُفْرِدًا ، ثُمَّ اسْتَمَرَّ عَلَى ذَلِكَ إِلَى أَنْ أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِأَنْ يَفْسَخُوا حَجَّهُمْ فَيَجْعَلُوهُ عُمْرَةً وَفَسَخَ مَعَهُمْ ، وَمَنَعَهُ مِنَ التَّحَلُّلِ مِنْ عُمْرَتِهِ الْمَذْكُورَةِ مَا ذَكَرَهُ فِي حَدِيثِ الْبَابِ وَغَيْرِهِ مِنْ سَوْقِ الْهَدْيِ ، فَاسْتَمَرَّ مُعْتَمِرًا إِلَى أَنْ أَدْخَلَ عَلَيْهَا الْحَجَّ حَتَّى تَحَلَّلَ مِنْهُمَا جَمِيعًا ، وَهَذَا يَسْتَلْزِمُ أَنَّهُ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ أَوَّلًا وَآخِرًا ، وَهُوَ مُحْتَمَلٌ ، لَكِنَّ الْجَمْعَ الْأَوَّلَ أَوْلَى . وَقِيلَ : إِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهَلَّ بِالْحَجِّ مُفْرِدًا ، وَاسْتَمَرَّ عَلَيْهِ إِلَى أَنْ تَحَلَّلَ مِنْهُ بِمِنًى ، وَلَمْ يَعْتَمِرْ فِي تِلْكَ السَّنَةِ ، وَهُوَ مُقْتَضَى مَنْ رَجَّحَ أَنَّهُ كَانَ مُفْرِدًا .

وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ مَنْ أَنْكَرَ الْقِرَانَ مِنَ الصَّحَابَةِ نَفَى أَنْ يَكُونَ أَهَلَّ بِهِمَا جَمِيعًا فِي أَوَّلِ الْحَالِ ، وَلَا يَنْفِي أَنْ يَكُونَ أَهَلَّ بِالْحَجِّ مُفْرِدًا ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهِ الْعُمْرَةَ ، فَيَجْتَمِعُ الْقَوْلَانِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمْ . قَوْلُهُ : ( وَلَمْ تَحْلِلْ ) بِكَسْرِ اللَّامِ الْأُولَى ؛ أَيْ لَمْ تَحِلَّ ، وَإِظْهَارُ التَّضْعِيفِ لُغَةٌ مَعْرُوفَةٌ . قَوْلُهُ : ( لَبَّدْتُ ) بِتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ ؛ أَيْ شَعْرَ رَأْسِي ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ التَّلْبِيدِ ، وَهُوَ أَنْ يُجْعَلَ فِيهِ شَيْءٌ لِيَلْتَصِقَ بِهِ ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ اسْتِحْبَابُ ذَلِكَ لِلْمُحْرِمِ .

قَوْلُهُ : ( فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ ) يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْحَدِيثِ السَّابِعِ .

ورد في أحاديث20 حديثًا
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث