حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب إِغْلَاقِ الْبَيْتِ وَيُصَلِّي فِي أَيِّ نَوَاحِي الْبَيْتِ شَاء

بَاب إِغْلَاقِ الْبَيْتِ ، وَيُصَلِّي فِي أَيِّ نَوَاحِي الْبَيْتِ شَاءَ 1598 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ : دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْبَيْتَ هُوَ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ ، وَبِلَالٌ ، وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ فَأَغْلَقُوا عَلَيْهِمْ ، فَلَمَّا فَتَحُوا كُنْتُ أَوَّلَ مَنْ وَلَجَ فَلَقِيتُ بِلَالًا فَسَأَلْتُهُ : هَلْ صَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ قَوْلُهُ : ( بَابُ إِغْلَاقِ الْبَيْتِ ، وَيُصَلِّي فِي أَيِّ نَوَاحِي الْبَيْتِ شَاءَ ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ بِلَالٍ فِي صَلَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْكَعْبَةِ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يُغَايِرُ التَّرْجَمَةَ مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى التَّخْيِيرِ ، وَالْفِعْلُ الْمَذْكُورُ يَدُلُّ عَلَى التَّعْيِينِ . وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ حَمَلَ صَلَاةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ بِعَيْنِهِ عَلَى سَبِيلِ الِاتِّفَاقِ لَا عَلَى سَبِيلِ الْقَصْدِ لِزِيَادَةِ فَضْلٍ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ عَلَى غَيْرِهِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ أَنَّ ذَلِكَ الْفِعْلَ لَيْسَ حَتْمًا ، وَإِنْ كَانَتِ الصَّلَاةُ فِي تِلْكَ الْبُقْعَةِ الَّتِي اخْتَارَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفْضَلَ مِنْ غَيْرِهَا ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا سَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ مِنْ تَصْرِيحِ ابْنِ عُمَرَ بِنَصِّ التَّرْجَمَةِ مَعَ كَوْنِهِ كَانَ يَقْصِدُ الْمَكَانَ الَّذِي صَلَّى فِيهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيُصَلِّيَ فِيهِ لِفَضْلِهِ ، وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِلَى الْحِكْمَةِ فِي إِغْلَاقِ الْبَابِ حِينَئِذٍ ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ دَعْوَى ابْنِ بَطَّالٍ الْحِكْمَةَ فِيهِ لِئَلَّا يَظُنَّ النَّاسُ أَنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ ، وَهُوَ مَعَ ضَعْفِهِ مُنْتَقَضٌ بِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ إِخْفَاءَ ذَلِكَ مَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ بِلَالٌ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ ، وَإِثْبَاتُ الْحُكْمِ بِذَلِكَ يَكْفِي فِيهِ فِعْلُ الْوَاحِدِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَسْطُ هَذَا فِي بَابِ الْغَلْقِ لِلْكَعْبَةِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ ، وَظَاهِرُ التَّرْجَمَةِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِلصَّلَاةِ فِي جَمِيعِ الْجَوَانِبِ إِغْلَاقُ الْبَابِ لِيَصِيرَ مُسْتَقْبِلًا فِي حَالِ الصَّلَاةِ غَيْرَ الْفَضَاءِ ، وَالْمَحْكِيُّ عَنِ الْحَنَفِيَّةِ الْجَوَازُ مُطْلَقًا ، وَعَنِ الشَّافِعِيَّةِ وَجْهٌ مِثْلُهُ ، لَكِنْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ لِلْبَابِ عَتَبَةٌ بِأَيِّ قَدْرٍ كَانَتْ ، وَوَجْهٌ يَشْتَرِطُ أَنْ يَكُونَ قَدْرَ قَامَةِ الْمُصَلِّي ، وَوَجْهٌ يَشْتَرِطُ أَنْ يَكُونَ قَدْرَ مُؤَخَّرِ الرِّجْلِ ، وَهُوَ الْمُصَحَّحُ عِنْدَهُمْ ، وَفِي الصَّلَاةِ فَوْقَ ظَهْرِ الْكَعْبَةِ نَظِيرُ هَذَا الْخِلَافِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا قَوْلُ بَعْضِ الشَّارِحِينَ إِنَّ قَوْلَهُ : وَيُصَلِّي فِي أَيِّ نَوَاحِي الْبَيْتِ شَاءَ .

يُعَكِّرُ عَلَى الشَّافِعِيَّةِ فِيمَا إِذَا كَانَ الْبَيْتُ مَفْتُوحًا فَفِيهِ نَظَرٌ ، لِأَنَّهُ جَعَلَهُ حَيْثُ يُغْلَقُ الْبَابُ ، وَبَعْدَ الْغَلْقِ لَا تَوَقُّفَ عِنْدَهُمْ فِي الصِّحَّةِ . قَوْلُهُ : ( دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْبَيْتَ ) كَانَ ذَلِكَ فِي عَامِ الْفَتْحِ كَمَا وَقَعَ مُبَيَّنًا مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ‌ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ نَافِعٍ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ بِزِيَادَةِ فَوَائِدَ ، وَلَفْظُهُ : أَقْبَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الْفَتْحِ مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ عَلَى رَاحِلَتِهِ . وَفِي رِوَايَةِ فُلَيْحٍ ، عَنْ نَافِعٍ الْآتِيَةِ فِي الْمَغَازِي : وَهُوَ مُرْدِفٌ أُسَامَةَ - يَعْنِي ابْنَ زَيْدٍ - عَلَى الْقَصْوَاءِ ، ثُمَّ اتَّفَقَا وَمَعَهُ بِلَالٌ ، وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ حَتَّى أَنَاخَ فِي الْمَسْجِدِ .

وَفِي رِوَايَةِ فُلَيْحٍ : عِنْدَ الْبَيْتِ ، وَقَالَ لِعُثْمَانَ ائْتِنَا بِالْمِفْتَاحِ ، فَجَاءَهُ بِالْمِفْتَاحِ فَفَتْحَ لَهُ الْبَابَ فَدَخَلَ . وَلِمُسْلِمٍ ، وَعَبْدِ الرَّزَّاقِ مِنْ رِوَايَةِ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ : ثُمَّ دَعَا عُثْمَانَ بْنَ طَلْحَةَ بِالْمِفْتَاحِ ، فَذَهَبَ إِلَى أُمِّهِ ، فَأَبَتْ أَنْ تُعْطِيَهُ ، فَقَالَ : وَاللَّهِ لَتُعْطِينِهِ أَوْ لَأُخْرِجَنَّ هَذَا السَّيْفَ مِنْ صُلْبِي ، فَلَمَّا رَأَتْ ذَلِكَ أَعْطَتْهُ ، فَجَاءَ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَفَتَحَ الْبَابَ فَظَهَرَ مِنْ رِوَايَةِ فُلَيْحٍ أَنَّ فَاعِلَ فَتَحَ هُوَ عُثْمَانُ الْمَذْكُورُ ، لَكِنْ رَوَى الْفَاكِهِيُّ - مِنْ طَرِيقٍ ضَعِيفَةٍ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : كَانَ بَنُو أَبِي طَلْحَةَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ فَتْحَ الْكَعْبَةِ غَيْرَهُمْ ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمِفْتَاحَ فَفَتَحَهَا بِيَدِهِ . وَعُثْمَانُ الْمَذْكُورُ هُوَ عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابٍ ، وَيُقَالُ لَهُ : الْحَجَبِيُّ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْجِيمِ ، وَلِآلِ بَيْتِهِ الْحَجَبَةُ لِحَجْبِهِمُ الْكَعْبَةَ ، وَيُعْرَفُونَ الْآنَ بِالشَّيْبِيِّينَ نِسْبَةً إِلَى شَيْبَةَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ عُثْمَانَ هَذَا لَا وَلَدُهُ ، وَلَهُ أَيْضًا صُحْبَةٌ وَرِوَايَةٌ ، وَاسْمُ أُمِّ عُثْمَانَ الْمَذْكُورَةِ سُلَافَةُ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَالتَّخْفِيفِ وَالْفَاءِ .

قَوْلُهُ : ( هُوَ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ ، وَبِلَالٌ ، وَعُثْمَانُ ) زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى : وَلَمْ يَدْخُلْهَا مَعَهُمْ أَحَدٌ وَوَقَعَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَوْنٍ ، عَنْ نَافِعٍ : وَمَعَهُ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ ، وَأُسَامَةُ ، وَبِلَالٌ ، وَعُثْمَانُ . زَادَ الْفَضْلَ . وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ : حَدَّثَنِي أَخِي الْفَضْلُ - وَكَانَ مَعَهُ حِينَ دَخَلَهَا - أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ فِي الْكَعْبَةِ .

وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ بَعْدَ بَابَيْنِ . قَوْلُهُ : ( فَأَغْلَقُوا عَلَيْهِمْ ) زَادَ فِي رِوَايَةِ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ ، عَنْ نَافِعٍ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ : مِنْ دَاخِلٍ وَزَادَ يُونُسُ : فَمَكَثَ نَهَارًا طَوِيلًا . وَفِي رِوَايَةِ فُلَيْحٍ : زَمَانًا بَدَلَ نَهَارًا ، وَفِي رِوَايَةِ جُوَيْرِيَةَ ، عَنْ نَافِعٍ الَّتِي مَضَتْ فِي أَوَائِلِ الصَّلَاةِ : فَأَطَالَ وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَوْنٍ ، عَنْ نَافِعٍ : فَمَكَثَ فِيهَا مَلِيًّا .

وَلَهُ مِنْ رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ نَافِعٍ : فَأَجَافُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ طَوِيلًا . وَمِنْ رِوَايَةِ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ : فَمَكَثَ فِيهَا سَاعَةً . وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ : فَوَجَدْتُ شَيْئًا فَذَهَبْتُ ثُمَّ جِئْتُ سَرِيعًا ، فَوَجَدْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَارِجًا مِنْهَا .

وَوَقَعَ فِي الْمُوَطَّأِ بِلَفْظِ : فَأَغْلَقَاهَا عَلَيْهِ . وَالضَّمِيرُ لِعُثْمَانَ ، وَبِلَالٍ ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَوْنٍ ، عَنْ نَافِعٍ : فَأَجَافَ عَلَيْهِمْ عُثْمَانُ الْبَابَ . وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ عُثْمَانَ هُوَ الْمُبَاشِرُ لِذَلِكَ ، لِأَنَّهُ مِنْ وَظِيفَتِهِ ، وَلَعَلَّ بِلَالًا سَاعَدَهُ فِي ذَلِكَ .

وَرِوَايَةُ الْجَمْعِ يَدْخُلُ فِيهَا الْآمِرُ بِذَلِكَ وَالرَّاضِي بِهِ . قَوْلُهُ : ( فَلَمَّا فَتَحُوا كُنْتُ أَوَّلَ مَنْ وَلَجَ ) فِي رِوَايَةِ فُلَيْحٍ : ثُمَّ خَرَجَ فَابْتَدَرَ النَّاسُ الدُّخُولَ فَسَبَقْتُهُمْ . وَفِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ : وَكُنْتُ رَجُلًا شَابًّا قَوِيًّا فَبَادَرْتُ النَّاسَ فَبَدَرْتُهُمْ .

وَفِي رِوَايَةِ جُوَيْرِيَةَ : كُنْتُ أَوَّلَ النَّاسِ وَلَجَ عَلَى أَثَرِهِ . وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَوْنٍ : فَرَقِيتُ الدَّرَجَةَ فَدَخَلْتُ الْبَيْتَ . وَفِي رِوَايَةِ مُجَاهِدٍ الْمَاضِيَةِ فِي أَوَائِلِ الصَّلَاةِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ : وَأَجِدُ بِلَالًا قَائِمًا بَيْنَ الْبَابَيْنِ .

وَأَفَادَ الْأَزْرَقِيُّ فِي كِتَابِ مَكَّةَ أَنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ كَانَ عَلَى الْبَابِ يَذُبُّ عَنْهُ النَّاسَ ، وَكَأَنَّهُ جَاءَ بَعْدَ مَا دَخَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَغْلَقَ . قَوْلُهُ : ( فَلَقِيتُ بِلَالًا فَسَأَلْتُهُ ) زَادَ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ الْمَاضِيَةِ فِي أَوَائِلِ الصَّلَاةِ : مَا صَنَعَ ؟ . وَفِي رِوَايَةِ جُوَيْرِيَةَ ، وَيُونُسَ وَجُمْهُورِ أَصْحَابِ نَافِعٍ : فَسَأَلْتُ بِلَالًا أَيْنَ صَلَّى ؟ .

اخْتَصَرُوا أَوَّلَ السُّؤَالِ ، وَثَبَتَ فِي رِوَايَةِ سَالِمٍ هَذِهِ حَيْثُ قَالَ : هَلْ صَلَّى فِيهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ . وَكَذَا فِي رِوَايَةِ مُجَاهِدٍ ، وَابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ : فَقُلْتُ : أَصَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْكَعْبَةِ ؟ قَالَ : نَعَمْ فَظَهَرَ أَنَّهُ اسْتَثْبَتَ أَوَّلًا ، هَلْ صَلَّى أَمْ لَا ، ثُمَّ سَأَلَ عَنْ مَوْضِعِ صَلَاتِهِ مِنَ الْبَيْتِ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ : فَأَخْبَرَنِي بِلَالٌ أَوْ عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ وَالْمَحْفُوظُ أَنَّهُ سَأَلَ بِلَالًا كَمَا فِي رِوَايَةِ الْجُمْهُورِ ، وَوَقَعَ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ سَأَلَ بِلَالًا ، وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ حِينَ خَرَجَا : أَيْنَ صَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ ؟ فَقَالَا عَلَى جِهَتِهِ .

وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ نَحْوَهُ ، وَلِأَحْمَدَ ، وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الشَّعْثَاءِ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ أَنَّهُ صَلَّى فِيهِ هَهُنَا . وَلِمُسْلِمٍ ، وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ : فَقُلْتُ : أَيْنَ صَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؟ فَقَالُوا . فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ ابْتَدَأَ بِلَالًا بِالسُّؤَالِ كَمَا تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ ، ثُمَّ أَرَادَ زِيَادَةَ الِاسْتِثْبَاتِ فِي مَكَانِ الصَّلَاةِ ، فَسَأَلَ عُثْمَانَ أَيْضًا وَأُسَامَةَ ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَوْنٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ : وَنَسِيتُ أَنْ أَسْأَلَهُمْ كَمْ صَلَّى .

بِصِيغَةِ الْجَمْعِ ، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ جَزْمِ عِيَاضٍ بِوَهْمِ الرِّوَايَةِ الَّتِي أَشَرْنَا إِلَيْهَا مِنْ عِنْدِ مُسْلِمٍ ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى بَقِيَّةِ الرِّوَايَاتِ ، وَلَا يُعَارِضُ قِصَّتَهُ مَعَ قِصَّةِ أُسَامَةَ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُصَلِّ فِيهِ ، وَلَكِنَّهُ كَبَّرَ فِي نَوَاحِيهِ . فَإِنَّهُ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ أُسَامَةَ حَيْثُ أَثْبَتَهَا اعْتَمَدَ فِي ذَلِكَ عَلَى غَيْرِهِ ، وَحَيْثُ نَفَاهَا أَرَادَ مَا فِي عِلْمِهِ لِكَوْنِهِ لَمْ يَرَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ صَلَّى . وَسَيَأْتِي مَزِيدُ بَسْطٍ فِيهِ بَعْدَ بَابَيْنِ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .

قَوْلُهُ : ( بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ الْيَمَانِيَّيْنِ ) فِي رِوَايَةِ جُوَيْرِيَةَ : بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ الْمُقَدَّمَيْنِ . وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ : جَعَلَ عَمُودًا عَنْ يَمِينِهِ وَعَمُودًا عَنْ يَسَارِهِ . وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ : عَمُودَيْنِ عَنْ يَمِينِهِ .

وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ مَبْسُوطًا فِي بَابِ الصَّلَاةِ بَيْنَ السَّوَارِي بِمَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَتِهِ ، لَكِنْ نَذْكُرُ هُنَا مَا لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُهُ : فَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ فُلَيْحٍ الْآتِيَةِ فِي الْمَغَازِي : بَيْنَ ذَيْنِكَ الْعَمُودَيْنِ الْمُقَدَّمَيْنِ ، وَكَانَ الْبَيْتُ عَلَى سِتَّةِ أَعْمِدَةٍ سَطْرَيْنِ ، صَلَّى بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ مِنَ السَّطْرِ الْمُقَدَّمِ ، وَجَعَلَ بَابَ الْبَيْتِ خَلْفَ ظَهْرِهِ . وَقَالَ فِي آخِرِ رِوَايَتِهِ : وَعِنْدَ الْمَكَانِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ مَرْمَرَةٌ حَمْرَاءُ . وَكُلُّ هَذَا إِخْبَارٌ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ الْبَيْتُ قَبْلَ أَنْ يُهْدَمَ وَيُبْنَى فِي زَمَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ ، فَأَمَّا الْآنَ فَقَدْ بَيَّنَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ نَافِعٍ كَمَا فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ أَنَّ بَيْنَ مَوْقِفِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَيْنَ الْجِدَارِ الَّذِي اسْتَقْبَلَهُ قَرِيبًا مِنْ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ ، وَجَزَمَ بِرَفْعِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ فِيمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِنِ مَهْدِيٍّ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْغَرَائِبِ مِنْ طَرِيقِهِ وَطَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ وَغَيْرِهِمَا عَنْهُ وَلَفْظُهُ : وَصَلَّى وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ ثَلَاثَةُ أَذْرُعٍ .

وَكَذَا أَخْرَجَهَا أَبُو عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، وَهَذَا فِيهِ الْجَزْمُ بِثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ ، لَكِنْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ بِلَفْظِ : نَحْوٍ مِنْ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ . وَهِيَ مُوَافِقَةٌ لِرِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ . وَفِي كِتَابِ مَكَّةَ لِلْأَزْرَقِيِّ ، وَالْفَاكِهِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ : أَيْنَ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؟ فَقَالَ : اجْعَلْ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْجِدَارِ ذِرَاعَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً .

فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي لِمَنْ أَرَادَ الِاتِّبَاعَ فِي ذَلِكَ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِدَارِ ثَلَاثَةَ أَذْرُعٍ ، فَإِنَّهُ تَقَعُ قَدَمَاهُ فِي مَكَانِ قَدَمَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنْ كَانَتْ ثَلَاثَةَ أَذْرُعٍ سَوَاءً ، وَتَقَعُ رُكْبَتَاهُ أَوْ يَدَاهُ وَوَجْهُهُ إِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا مِقْدَارُ صَلَاتِهِ حِينَئِذٍ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ فِي أَوَائِلِ الصَّلَاةِ ، وَأَشَرْتُ إِلَى الْجَمْعِ بَيْنَ رِوَايَةِ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ، وَبَيْنَ رِوَايَةِ مَنْ رَوَى عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ : نَسِيتُ أَنْ أَسْأَلَهُ كَمْ صَلَّى ، وَإِلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ رِوَايَةَ مُجَاهِدٍ غَلَطٌ بِمَا فِيهِ مَقْنَعٌ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ : رِوَايَةُ الصَّاحِبِ عَنِ الصَّاحِبِ ، وَسُؤَالُ الْمَفْضُولِ مَعَ وُجُودِ الْأَفْضَلِ وَالِاكْتِفَاءِ بِهِ ، وَالْحُجَّةُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ ، وَلَا يُقَالُ : هُوَ أَيْضًا خَبَرٌ وَاحدٌ ، فَكَيْفَ يُحْتَجُّ لِلشَّيْءِ بِنَفْسِهِ ؟ لِأَنَّا نَقُولُ : هُوَ فَرْدٌ يَنْضَمُّ إِلَى نَظَائِرَ مِثْلِهِ يُوجِبُ الْعِلْمَ بِذَلِكَ ، وَفِيهِ اخْتِصَاصُ السَّابِقِ بِالْبُقْعَةِ الْفَاضِلَةِ ، وَفِيهِ السُّؤَالُ عَنِ الْعِلْمِ وَالْحِرْصِ فِيهِ ، وَفَضِيلَةُ ابْنِ عُمَرَ لِشِدَّةِ حِرْصِهِ عَلَى تَتَبُّعِ آثَارِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيَعْمَلَ بِهَا ، وَفِيهِ أَنَّ الْفَاضِلَ مِنَ الصَّحَابَةِ قَدْ كَانَ يَغِيبُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَعْضِ الْمَشَاهِدِ الْفَاضِلَةِ ، وَيَحْضُرُهُ مَنْ هُوَ دُونَهُ فَيَطَّلِعَ عَلَى مَا لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ ، لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ ، وَعُمَرَ وَغَيْرَهُمَا مِمَّنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْ بِلَالٍ وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُ لَمْ يُشَارِكُوهُمْ فِي ذَلِكَ ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِيمَا مَضَى عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ إِلَى الْمَقَامِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ ، وَعَلَى جَوَازِ الصَّلَاةِ بَيْنَ السَّوَارِي فِي غَيْرِ الْجَمَاعَةِ ، وَعَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْأَبْوَابِ وَالْغَلْقِ لِلْمَسَاجِدِ ، وَفِيهِ أَنَّ السُّتْرَةَ إِنَّمَا تُشْرَعُ حَيْثُ يُخْشَى الْمُرُورُ فَإِنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ وَلَمْ يُصَلِّ إِلَى أَحَدِهِمَا ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ تَرَكَ ذَلِكَ لِلِاكْتِفَاءِ بِالْقُرْبِ مِنَ الْجِدَارِ كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ مُصَلَّاهُ وَالْجِدَارِ نَحْوُ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ ، وَبِذَلِكَ تَرْجَمَ لَهُ النَّسَائِيُّ عَلَى أَنَّ حَدَّ الدُّنُوِّ مِنَ السُّتْرَةِ أَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَهُمَا أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ قَوْلَ الْعُلَمَاءِ : تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الطَّوَافُ مَخْصُوصٌ بِغَيْرِ دَاخِلِ الْكَعْبَةِ لِكَوْنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَاءَ فَأَنَاخَ عِنْدَ الْبَيْتِ فَدَخَلَهُ ، فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ، فَكَانَتْ تِلْكَ الصَّلَاةُ إِمَّا لِكَوْنِ الْكَعْبَةِ كَالْمَسْجِدِ الْمُسْتَقِلِّ أَوْ هُوَ تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ الْعَامِّ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ دُخُولِ الْكَعْبَةِ ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا مَنْ دَخَلَ الْبَيْتَ دَخَلَ فِي حَسَنَةٍ وَخَرَجَ مَغْفُورًا لَهُ . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ تَفَرَّدَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُؤَمِّلِ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ، وَمَحَلُّ اسْتِحْبَابِهِ مَا لَمْ يُؤْذِ أَحَدًا بِدُخُولِهِ . وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ : إِنَّ دُخُولَ الْبَيْتِ لَيْسَ مِنَ الْحَجِّ فِي شَيْءٍ ، وَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ دُخُولَ الْبَيْتِ مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ ، وَرَدَّهُ بِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّمَا دَخَلَهُ عَامَ الْفَتْحِ وَلَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ مُحْرِمًا ، وَأَمَّا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ هُوَ وَابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَالْحَاكِمُ ، عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ مِنْ عِنْدَهَا وَهُوَ قَرِيرُ الْعَيْنِ ، ثُمَّ رَجَعَ وَهُوَ كَئِيبٌ ، فَقَالَ : دَخَلْتُ الْكَعْبَةَ فَأَخَافُ أَنْ أَكُونَ شَقَقْتُ عَلَى أُمَّتِي .

فَقَدْ يُتَمَسَّكُ بِهِ لِصَاحِبِ هَذَا الْقَوْلِ الْمَحْكِيِّ لِكَوْنِ عَائِشَةَ لَمْ تَكُنْ مَعَهُ فِي الْفَتْحِ وَلَا فِي عُمْرَتِهِ ، بَلْ سَيَأْتِي بَعْدَ بَابَيْنِ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْكَعْبَةِ فِي عُمْرَتِهِ ، فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْقِصَّةَ كَانَتْ فِي حَجَّتِهِ ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْبَيْهَقِيُّ ، وَإِنَّمَا لَمْ يَدْخُلْ فِي عُمْرَتِهِ لِمَا كَانَ فِي الْبَيْتِ مِنَ الْأَصْنَامِ وَالصُّوَرِ كَمَا سَيَأْتِي ، وَكَانَ إِذْ ذَاكَ لَا يُتَمَكَّنُ مِنْ إِزَالَتِهَا ، بِخِلَافِ عَامِ الْفَتْحِ . وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ رُجُوعِهِ ، فَلَيْسَ فِي السِّيَاقِ مَا يَمْنَعُ ذَلِكَ ، وَسَيَأْتِي النَّقْلُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلِ الْكَعْبَةَ فِي حَجَّتِهِ . وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الصَّلَاةِ فِي الْكَعْبَةِ ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي النَّفْلِ ، وَيَلْتَحِقُ بِهِ الْفَرْضُ إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي مَسْأَلَةِ الِاسْتِقْبَالِ لِلْمُقِيمِ ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : لَا تَصِحُّ الصَّلَاةَ دَاخِلَهَا مُطْلَقًا ، وَعَلَّلَهُ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ اسْتِدْبَارُ بَعْضِهَا ، وَقَدْ وَرَدَ الْأَمْرُ بِاسْتِقْبَالِهَا فَيُحْمَلُ عَلَى اسْتِقْبَالِ جَمِيعِهَا ، وَقَالَ بِهِ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَالظَّاهِرِيَّةِ وَالطَّبَرِيِّ ، وَقَالَ الْمَازِرِيُّ : الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ مَنْعُ صَلَاةِ الْفَرْضِ دَاخِلَهَا ، وَوُجُوبُ الْإِعَادَةِ ، وَعَنِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ الْإِجْزَاءُ ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَابْنُ الْعَرَبِيِّ .

وَعَنِ ابْنِ حَبِيبٍ يُعِيدُ أَبَدًا ، وَعَنْ أَصْبَغَ إِنْ كَانَ مُتَعَمِّدًا ، وَأَطْلَقَ التِّرْمِذِيُّ ، عَنْ مَالِكٍ جَوَازَ النَّوَافِلِ ، وَقَيَّدَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ بِغَيْرِ الرَّوَاتِبِ ، وَمَا تُشَرَعُ فِيهِ الْجَمَاعَةُ ، وَفِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ لِابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ : كَرِهَ مَالِكٌ الْفَرْضَ أَوْ مَنَعَهُ ، فَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى اخْتِلَافِ النَّقْلِ عَنْهُ فِي ذَلِكَ ، وَيَلْتَحِقُ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الصَّلَاةُ فِي الْحِجْرِ . وَيَأْتِي فِيهَا الْخِلَافُ السَّابِقُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ فِي الصَّلَاةِ إِلَى جِهَةِ الْبَابِ ، نَعَمْ إِذَا اسْتَدْبَرَ الْكَعْبَةَ وَاسْتَقْبَلَ الْحِجْرَ لَمْ يَصِحَّ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ تِلْكَ الْجِهَةِ مِنْهُ لَيْسَتْ مِنَ الْكَعْبَةِ ، وَمِنَ الْمُشْكِلِ مَا نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ فِي زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ عَنِ الْأَصْحَابِ أَنَّ صَلَاةَ الْفَرْضِ دَاخِلَ الْكَعْبَةِ - إِنْ لَمْ يَرْجُ جَمَاعَةٌ - أَفْضَلُ مِنْهَا خَارِجَهَا ، وَوَجْهُ الْإِشْكَالِ أَنَّ الصَّلَاةَ خَارِجَهَا مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهَا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ بِخِلَافِ دَاخِلِهَا ، فَكَيْفَ يَكُونُ الْمُخْتَلَفُ فِي صِحَّتِهِ أَفْضَلَ مِنَ الْمُتَّفَقِ .

ورد في أحاديث8 أحاديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث