حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب مَا ذُكِرَ فِي الْحَجَرِ الْأَسْوَد

بَاب مَا ذُكِرَ فِي الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ 1597 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَابِسِ بْنِ رَبِيعَةَ ، عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ جَاءَ إِلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فَقَبَّلَهُ فَقَالَ : إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ قَوْلُهُ : ( بَابُ مَا ذُكِرَ فِي الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ عُمَرَ فِي تَقْبِيلِ الْحَجَرِ ، وَقَوْلُهُ : لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ فِيهِ عَلَى شَرْطِهِ شَيْءٌ غَيْرُ ذَلِكَ ، وَقَدْ وَرَدَتْ فِيهِ أَحَادِيثُ : مِنْهَا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ مَرْفُوعًا : إِنَّ الْحَجَرَ وَالْمَقَامَ يَاقُوتَتَانِ مِنْ يَاقُوتِ الْجَنَّةِ طَمَسَ اللَّهُ نُورَهَمَا ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأَضَاءَا مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ . أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ ، وَفِي إِسْنَادِهِ رَجَاءٌ أَبُو يَحْيَى ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثٌ غَرِيبٌ ، وَيُرْوَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَوْقُوفًا ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ وَقْفُهُ أَشْبَهُ ، وَالَّذِي رَفَعَهُ لَيْسَ بِقَوِيٍّ . وَمِنْهَا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا : نَزَلَ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ مِنَ الْجَنَّةِ وَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ ، فَسَوَّدَتْهُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ .

أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ ، وَفِيهِ عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ وَهُوَ صَدُوقٌ لَكِنَّهُ اخْتَلَطَ ، وَجَرِيرٌ مِمَّنْ سَمِعَ مِنْهُ بَعْدَ اخْتِلَاطِهِ ، لَكِنْ لَهُ طَرِيقٌ أُخْرَى فِي صَحِيحِ ابْنِ خُزَيْمَةَ فَيَقْوَى بِهَا ، وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ عَطَاءٍ مُخْتَصَرًا ، وَلَفْظُهُ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ مِنَ الْجَنَّةِ وَحَمَّادٌ مِمَّنْ سَمِعَ مِنْ عَطَاءٍ قَبْلَ الِاخْتِلَاطِ ، وَفِي صَحِيحِ ابْنِ خُزَيْمَةَ أَيْضًا ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا ، أَنَّ لِهَذَا الْحَجَرِ لِسَانًا وَشَفَتَيْنِ يَشْهَدَانِ لِمَنِ اسْتَلَمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَقٍّ ، وَصَحَّحَهُ أَيْضًا ابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَيْضًا . قَوْلُهُ : ( عَنْ إِبْرَاهِيمَ ) هُوَ ابْنُ يَزِيدَ النَّخَعِيُّ ، وَقَدْ رَوَاهُ سُفْيَانُ ، وَهُوَ الثَّوْرِيُّ بِإِسْنَادٍ آخَرَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ ، عَنْ عُمَرَ ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ . قَوْلُهُ : ( إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ ) فِي رِوَايَةِ أَسْلَمَ الْآتِيَةِ بَعْدَ بَابٍ عَنْ عُمَرَ ، أَنَّهُ قَالَ : أَمَا وَاللَّهِ ، إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكَ .

قَوْلُهُ : ( لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ ) أَيْ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ، وَقَدْ رَوَى الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ عُمَرَ لَمَّا قَالَ هَذَا قَالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ : إِنَّهُ يَضُرُّ وَيَنْفَعُ ، وَذَكَرَ أَنَّ اللَّهَ لَمَّا أَخَذَ الْمَوَاثِيقَ عَلَى وَلَدِ آدَمَ كَتَبَ ذَلِكَ فِي رَقٍّ ، وَأَلْقَمَهُ الْحَجَرَ ، قَالَ : وَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : يُؤْتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَلَهُ لِسَانٌ ذَلْقٌ يَشْهَدُ لِمَنِ اسْتَلَمَهُ بِالتَّوْحِيدِ ، وَفِي إِسْنَادِهِ أَبُو هَارُونَ الْعَبْدِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا ، وَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مَا يُشْعِرُ بِأَنَّ عُمَرَ رَفَعَ قَوْلَهُ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ طَاوُسٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : رَأَيْتُ عُمَرَ قَبَّلَ الْحَجَرَ ثَلَاثًا ، ثُمَّ قَالَ : إِنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبَّلَكَ مَا قَبَّلْتُكَ . ثُمَّ قَالَ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ . قَالَ الطَّبَرِيُّ : إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ عُمَرُ لِأَنَّ النَّاسَ كَانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِعِبَادَةِ الْأَصْنَامِ ، فَخَشِيَ عُمَرُ أَنْ يَظُنَّ الْجُهَّالُ أَنَّ اسْتِلَامَ الْحَجَرِ مِنْ بَابِ تَعْظِيمِ بَعْضِ الْأَحْجَارِ كَمَا كَانَتِ الْعَرَبُ تَفْعَلُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَأَرَادَ عُمَرُ أَنْ يُعَلِّمَ النَّاسَ أَنَّ اسْتِلَامَهُ اتِّبَاعٌ لِفِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، لَا لِأَنَّ الْحَجَرَ يَنْفَعُ وَيَضُرُّ بِذَاتِهِ كَمَا كَانَتِ الْجَاهِلِيَّةُ تَعْتَقِدُهُ فِي الْأَوْثَانِ ، وَقَالَ الْمُهَلَّبُ : حَدِيثُ عُمَرَ هَذَا يَرُدُّ عَلَى مَنْ قَالَ : إِنَّ الْحَجَرَ يَمِينُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ يُصَافِحُ بِهَا عِبَادُهُ ، وَمَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ جَارِحَةٌ ، وَإِنَّمَا شُرِعَ تَقْبِيلُهُ اخْتِيَارًا لِيُعْلَمَ بِالْمُشَاهَدَةِ طَاعَةُ مَنْ يُطِيعُ ، وَذَلِكَ شَبِيهٌ بِقِصَّةِ إِبْلِيسَ حَيْثُ أُمِرَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ .

وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَى أَنَّهُ يَمِينُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ أَنَّ مَنْ صَافَحَهُ فِي الْأَرْضِ كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ ، وَجَرَتِ الْعَادَةُ بِأَنَّ الْعَهْدَ يَعْقِدُهُ الْمَلِكُ بِالْمُصَافَحَةِ لِمَنْ يُرِيدُ مُوَالَاتَهُ وَالِاخْتِصَاصَ بِهِ ، فَخَاطَبَهُمْ بِمَا يَعْهَدُونَهُ . وَقَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ : مَعْنَاهُ أَنَّ كُلَّ مَلِكٍ إِذَا قَدِمَ عَلَيْهِ الْوَافِدُ قَبَّلَ يَمِينَهُ ، فَلَمَّا كَانَ الْحَاجُّ أَوَّلَ مَا يَقْدَمُ يُسَنُّ لَهُ تَقْبِيلُهُ نُزِّلَ مَنْزِلَةَ يَمِينِ الْمَلِكِ ، وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى . وَفِي قَوْلِ عُمَرَ هَذَا التَّسْلِيمُ لِلشَّارِعِ فِي أُمُورِ الدِّينِ ، وَحُسْنُ الِاتِّبَاعِ فِيمَا لَمْ يَكْشِفْ عَنْ مَعَانِيهَا ، وَهُوَ قَاعِدَةٌ عَظِيمَةٌ فِي اتِّبَاعِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا يَفْعَلُهُ وَلَوْ لَمْ يَعْلَمِ الْحِكْمَةَ فِيهِ ، وَفِيهِ دَفْعُ مَا وَقَعَ لِبَعْضِ الْجُهَّالِ مِنْ أَنَّ فِي الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ خَاصَّةً تَرْجِعُ إِلَى ذَاتِهِ ، وَفِيهِ بَيَانُ السُّنَنِ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ ، وَأَنَّ الْإِمَامَ إِذَا خَشِيَ عَلَى أَحَدٍ مِنْ فِعْلِهِ فَسَادَ اعْتِقَادٍ أَنْ يُبَادِرَ إِلَى بَيَانِ الْأَمْرِ وَيُوَضِّحَ ذَلِكَ ، وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَى التَّقْبِيلِ وَالِاسْتِلَامِ بَعْدَ تِسْعَةِ أَبْوَابٍ .

قَالَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ : فِيهِ كَرَاهَةُ تَقْبِيلِ مَا لَمْ يَرِدِ الشَّرْعُ بِتَقْبِيلِهِ ، وَأَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ : وَمَهْمَا قَبَّلَ مِنَ الْبَيْتِ فَحَسَنٌ ، فَلَمْ يُرِدْ بِهِ الِاسْتِحْبَابَ ، لِأَنَّ الْمُبَاحَ مِنْ جُمْلَةِ الْحَسَنِ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ . ( تَكْمِيلٌ ) : اعْتَرَضَ بَعْضُ الْمُلْحِدِينَ عَلَى الْحَدِيثِ الْمَاضِي ، فَقَالَ : كَيْفَ سَوَّدَتْهُ خَطَايَا الْمُشْرِكِينَ ، وَلَمْ تُبَيِّضْهُ طَاعَاتُ أَهْلِ التَّوْحِيدِ ؟ وَأُجِيبَ بِمَا قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ : لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَكَانَ ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا أَجْرَى اللَّهُ الْعَادَةَ بِأَنَّ السَّوَادَ يَصْبُغُ ، وَلَا يَنْصَبِغُ عَلَى الْعَكْسِ مِنَ الْبَيَاضِ . وَقَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ : فِي بَقَائِهِ أَسْوَدَ عِبْرَةٌ لِمَنْ لَهُ بَصِيرَةٌ ، فَإِنَّ الْخَطَايَا إِذَا أَثَّرَتْ فِي الْحَجَرِ الصَّلْدِ فَتَأْثِيرُهَا فِي الْقَلْبِ أَشَدُّ .

قَالَ : وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : إِنَّمَا غَيَّرَهُ بِالسَّوَادِ لِئَلَّا يَنْظُرَ أَهْلُ الدُّنْيَا إِلَى زِينَةِ الْجَنَّةِ ، فَإِنْ ثَبَتَ ، فَهَذَا هُوَ الْجَوَابُ . قُلْتُ : أَخْرَجَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي فَضَائِلِ مَكَّةَ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

ورد في أحاديث20 حديثًا
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث