بَاب هَدْمِ الْكَعْبَةِ
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُخَرِّبُ الْكَعْبَةَ ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنْ الْحَبَشَةِ قَوْلُهُ : ( عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ) كَذَا رَوَاهُ اللَّيْثُ ، عَنْ يُونُسَ ، وَتَابَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ ، وَخَالَفَهُمَا ابْنُ الْمُبَارَكِ فَرَوَاهُ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فَقَالَ : عَنْ سُحَيْمٍ مَوْلَى بَنِي زُهْرَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، رَوَاهُ الْفَاكِهِيُّ مِنْ طَرِيقِ نُعَيْمِ بْنِ حَمَّادٍ ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ ، فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَيَكُونُ لِلزُّهْرِيِّ فِيهِ شَيْخَانِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . قَوْلُهُ : ( ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ ) تَثْنِيَةُ سُوَيْقَةَ ، وَهِيَ تَصْغِيرُ سَاقَ ؛ أَيْ : لَهُ سَاقَانِ دَقِيقَانِ . قَوْلُهُ : ( مِنَ الْحَبَشَةِ ) أَيْ : رَجُلٌ مِنَ الْحَبَشَةِ ، وَوَقَعَ هَذَا الْحَدِيثُ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ سَمْعَانَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ ، وَلَفْظُهُ يُبَايَعُ لِلرَّجُلِ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ ، وَلَنْ يَسْتَحِلَّ هَذَا الْبَيْتَ إِلَّا أَهْلُهُ ، فَإِذَا اسْتَحَلُّوهُ فَلَا تَسْأَلْ عَنْ هَلَكَةِ الْعَرَبِ ، ثُمَّ تَجِيءُ الْحَبَشَةُ فَيُخَرِّبُونَهُ خَرَابًا لَا يَعْمُرُ بَعْدَهُ أَبَدًا ، وَهُمُ الَّذِينَ يَسْتَخْرِجُونَ كَنْزَهُ وَلِأَبِي قُرَّةَ فِي السُّنَنِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا لَا يَسْتَخْرِجُ كَنْزَ الْكَعْبَةِ إِلَّا ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنَ الْحَبَشَةِ .
وَنَحْوُهُ لِأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، وَزَادَ أَحْمَدُ ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ عَنْهُ : فَيَسْلُبُهَا حِلْيَتَهَا ، وَيُجَرِّدُهَا مِنْ كِسْوَتِهَا ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ أُصَيْلِعَ أُفَيْدِعَ يَضْرِبُ عَلَيْهَا بِمِسْحَاتِهِ أَوْ بِمِعْوَلِهِ . وَلِلْفَاكِهِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ نَحْوُهُ ، وَزَادَ : قَالَ مُجَاهِدٌ : فَلَمَّا هَدَمَ ابْنُ الزُّبَيْرِ الْكَعْبَةَ جِئْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهِ هَلْ أَرَى الصِّفَةَ الَّتِي قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ، فَلَمْ أَرَهَا . قِيلَ : هَذَا الْحَدِيثُ يُخَالِفُ قَوْلَهُ تَعَالَى : أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا .
وَلِأَنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ ، وَلَمْ يُمَكِّنْ أَصْحَابَهُ مِنْ تَخْرِيبِ الْكَعْبَةِ وَلَمْ تَكُنْ إِذْ ذَاكَ قِبْلَةً ، فَكَيْفَ يُسَلِّطُ عَلَيْهَا الْحَبَشَةَ بَعْدَ أَنْ صَارَتْ قِبْلَةً لِلْمُسْلِمِينَ ؟ وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ يَقَعُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قُرْبَ قِيَامِ السَّاعَةِ ، حَيْثُ لَا يَبْقَى فِي الْأَرْضِ أَحَدٌ يَقُولُ : اللَّهُ اللَّهُ ، كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ : لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُقَالَ فِي الْأَرْضِ : اللَّهُ اللَّهُ . وَلِهَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ سَمْعَانَ : لَا يَعْمُرُ بَعْدَهُ أَبَدًا . وَقَدْ وَقَعَ قَبْلَ ذَلِكَ فِيهِ مِنَ الْقِتَالِ وَغَزْوِ أَهْلِ الشَّامِ لَهُ فِي زَمَنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ ، ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِ فِي وَقَائِعَ كَثِيرَةٍ مِنْ أَعْظَمِهَا وَقْعَةُ الْقَرَامِطَةِ بَعْدَ الثَّلَاثِمِائَةِ ، فَقَتَلُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمَطَافِ مَنْ لَا يُحْصَى كَثْرَةً ، وَقَلَعُوا الْحَجَر الْأَسْوَدَ ، فَحَوَّلُوهُ إِلَى بِلَادِهِمْ ثُمَّ أَعَادُوهُ بَعْدَ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ ، ثُمَّ غُزِيَ مِرَارًا بَعْدَ ذَلِكَ ، كُلُّ ذَلِكَ لَا يُعَارِضُ قَوْلَهُ تَعَالَى : أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا وَقَعَ بِأَيْدِي الْمُسْلِمِينَ ، فَهُوَ مُطَابِقٌ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وَلَنْ يَسْتَحِلَّ هَذَا الْبَيْتَ إِلَّا أَهْلُهُ ، فَوَقَعَ مَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَهُوَ مِنْ عَلَامَاتِ نُبُوَّتِهِ ، وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى اسْتِمْرَارِ الْأَمْنِ الْمَذْكُورِ فِيهَا .
وَاللَّهُ أَعْلَمُ .