حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب الْكَلَامِ فِي الطَّوَاف

بَاب الْكَلَامِ فِي الطَّوَافِ 1620 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ : أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ الْأَحْوَلُ أَنَّ طَاوُسًا أَخْبَرَهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّ وَهُوَ يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ بِإِنْسَانٍ رَبَطَ يَدَهُ إِلَى إِنْسَانٍ بِسَيْرٍ - أَوْ بِخَيْطٍ أَوْ بِشَيْءٍ غَيْرِ ذَلِكَ - فَقَطَعَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ : قُدْهُ بِيَدِهِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ الْكَلَامِ فِي الطَّوَافِ ) أَيْ إِبَاحَتِهِ ، وَإِنَّمَا لَمْ يُصَرِّحْ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْخَبَرَ وَرَدَ فِي كَلَامٍ يَتَعَلَّقُ بِأَمْرٍ بِمَعْرُوفٍ لَا بِمُطْلَقِ الْكَلَامِ ، وَلَعَلَّهُ أَشَارَ إِلَى الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا وَمَرْفُوعًا : الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ ، إِلَّا أَنَّ اللَّهَ أَبَاحَ فِيهِ الْكَلَامَ ، فَمَنْ نَطَقَ فَلَا يَنْطِقْ إِلَّا بِخَيْرٍ . أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَقَدِ اسْتَنْبَطَ مِنْهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّ الطَّوَافَ أَفْضَلُ أَعْمَالِ الْحَجِّ لِأَنَّ الصَّلَاةَ أَفْضَلُ مِنَ الْحَجِّ فَيَكُونُ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَفْضَلَ ، قَالَ : وَأَمَّا حَدِيثُ : الْحَجُّ عَرَفَةُ .

فَلَا يَتَعَيَّنُ ، التَّقْدِيرُ مُعْظَمُ الْحَجِّ عَرَفَةُ بَلْ يَجُوزُ إِدْرَاكُ الْحَجِّ بِالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ . قُلْتُ : وَفِيهِ نَظَرٌ ، وَلَوْ سُلِّمَ فَمَا لَا يَتَقَوَّمُ الْحَجُّ إِلَّا بِهِ أَفْضَلُ مِمَّا يَنْجَبِرُ ، وَالْوُقُوفُ وَالطَّوَافُ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ فَلَا تَفْضِيلَ . قَوْلُهُ : ( بِإِنْسَانٍ رَبَطَ يَدَهُ إِلَى إِنْسَانٍ ) زَادَ أَحْمَدُ ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ إِلَى إِنْسَانٍ آخَرَ وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ حَجَّاجٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ بِإِنْسَانٍ قَدْ رَبَطَ يَدَهُ بِإِنْسَانٍ .

قَوْلُهُ : ( بِسَيْرٍ ) بِمُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَيَاءٍ سَاكِنَةٍ مَعْرُوفٌ ، وَهُوَ مَا يُقَدُّ مِنَ الْجِلْدِ وَهُوَ الشِّرَاكُ . قَوْلُهُ : ( أَوْ بِشَيْءٍ غَيْرِ ذَلِكَ ) كَأَنَّ الرَّاوِيَ لَمْ يَضْبِطْ مَا كَانَ مَرْبُوطًا بِهِ ، وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ ، وَالْفَاكِهِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَدْرَكَ رَجُلَيْنِ وَهُمَا مُقْتَرِنَانِ فَقَالَ : مَا بَالُ الْقِرَانِ ؟ قَالَا : إِنَّا نَذَرْنَا لَنَقْتَرِنَنَّ حَتَّى نَأْتِيَ الْكَعْبَةَ ، فَقَالَ : أَطْلِقَا أَنْفُسَكُمَا ، لَيْسَ هَذَا نَذْرًا إِنَّمَا النَّذْرُ مَا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ . وَإِسْنَادُهُ إِلَى عَمْرٍو حَسَنٌ ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَةِ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ صَرِيحًا إِلَّا أَنَّ فِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ فَاطِمَةَ بِنْتِ مُسْلِمٍ حَدَّثَنِي خَلِيفَةُ بْنُ بِشْرٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَسْلَمَ ، فَرَدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَالَهُ وَوَلَدَهُ ، ثُمَّ لَقِيَهُ هُوَ وَابْنَهُ طَلْقَ بْنَ بِشْرٍ مُقْتَرِنَيْنِ بِحَبْلٍ فَقَالَ : مَا هَذَا ؟ فَقَالَ : حَلَفْتُ لَئِنْ رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ مَالِي وَوَلَدِي لَأَحُجَّنَّ بَيْتَ اللَّهِ مَقْرُونًا ، فَأَخَذَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْحَبْلَ فَقَطَعَهُ وَقَالَ لَهُمَا : حُجَّا ، إِنَّ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ .

فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بِشْرٌ وَابْنُهُ طَلْقٌ صَاحِبَيْ هَذِهِ الْقِصَّةِ . وَأَغْرَبَ الْكِرْمَانِيُّ فَقَالَ : قِيلَ اسْمُ الرَّجُلِ الْمَقُودِ هُوَ ثَوَابٌ ضِدَّ الْعِقَابِ . انْتَهَى .

وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ وَلَا أَدْرِي مِنْ أَيْنَ أَخَذَهُ . قَوْلُهُ : ( قُدْ ) بِضَمِّ الْقَافِ وَسُكُونِ الدَّالِ فِعْلُ أَمْرٍ ، وفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ ، وَالنَّسَائِيِّ قُدْهُ بِإِثْبَاتِ هَاءِ الضَّمِيرِ وَهُوَ لِلرَّجُلِ الْمَقُودِ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : وَقَطْعُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - السَّيْرَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُمْكِنْ إِزَالَةُ هَذَا الْمُنْكَرِ إِلَّا بِقَطْعِهِ ، أَوْ أَنَّهُ دَلَّ عَلَى صَاحِبِهِ فَتَصَرَّفَ فِيهِ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَتَقَرَّبُونَ إِلَى اللَّهِ بِمِثْلِ هَذَا الْفِعْلِ . قُلْتُ : وَهُوَ بَيِّنٌ مِنْ سِيَاقِ حَدِيثَيْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، وَخَلِيفَةَ بْنِ بِشْرٍ .

وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : إِنَّهُ يَجُوزُ لِلطَّائِفِ فِعْلُ مَا خَفَّ مِنَ الْأَفْعَالِ وَتَغْيِيرُ مَا يَرَاهُ الطَّائِفُ مِنَ الْمُنْكَرِ . وَفِيهِ الْكَلَامُ فِي الْأُمُورِ الْوَاجِبَةِ وَالْمُسْتَحَبَّةِ وَالْمُبَاحَةِ . قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَوْلَى مَا يشَغَلَ الْمَرْءُ بِهِ نَفْسَهُ فِي الطَّوَافِ ذِكْرُ اللَّهِ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ ، وَلَا يَحْرُمُ الْكَلَامُ الْمُبَاحُ إِلَّا أَنَّ الذِّكْرَ أَسْلَمُ .

وَحَكَى ابْنُ التِّينِ خِلَافًا فِي كَرَاهَةِ الْكَلَامِ الْمُبَاحِ . وَعَنْ مَالِكٍ تَقْيِيدَ الْكَرَاهَةِ بِالطَّوَافِ الْوَاجِبِ . قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَاخْتَلَفُوا فِي الْقِرَاءَةِ ، فَكَانَ ابْنُ الْمُبَارَكِ يَقُولُ : لَيْسَ شَيْءٌ أَفْضَلَ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ ، وَفَعَلَهُ مُجَاهِدٌ ، وَاسْتَحَبَّهُ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَقَيَّدَهُ الْكُوفِيُّونَ بِالسِّرِّ ، وَرُوِيَ عَنْ عُرْوَةَ ، وَالْحَسَنِ كَرَاهَتُهُ ، وَعَنْ عَطَاءٍ ، وَمَالِكٍ أَنَّهُ مُحْدَثٌ ، وَعَنْ مَالِكٍ لَا بَأْسَ بِهِ إِذَا أَخْفَاهُ وَلَمْ يُكْثِرْ مِنْهُ ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : مَنْ أَبَاحَ الْقِرَاءَةَ فِي الْبَوَادِي وَالطُّرُقِ وَمَنَعَهُ فِي الطَّوَافِ لَا حُجَّةَ لَهُ .

وَنَقَلَ ابْنُ التِّينِ ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ أَنَّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَنْ نَذَرَ مَا لَا طَاعَةَ لِلَّهِ تَعَالَى فِيهِ لَا يَلْزَمُهُ ، وَتَعَقَّبَهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَإِنَّمَا ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ كَانَ ضَرِيرَ الْبَصَرِ وَلِهَذَا قَالَ لَهُ قُدْهُ بِيَدِهِ . انْتَهَى . وَلَا يَلْزَمُ مِنْ أَمْرِهِ لَهُ بِأَنْ يَقُودَهُ أَنَّهُ كَانَ ضَرِيرًا ، بَلْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنًى آخَرَ غَيْرِ ذَلِكَ ، وَأَمَّا مَا أَنْكَرَهُ مِنَ النَّذْرِ فَمُتَعَقَّبٌ بِمَا فِي النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ قَالَ إِنَّهُ نَذْرٌ ، وَلِهَذَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي أَبْوَابِ النَّذْرِ كَمَا سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مَشْرُوحًا هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .

ورد في أحاديث3 أحاديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث